هوس GEN Z بالصحة واللّياقة: من ألواح البروتين إلى الموضة الرّقميّة
تبدو ثلاجات "Gen Z" اليوم أشبه بمستودعات مكمّلات غذائيّة وألواح البروتين، فيما ينحصر جزء كبير من اهتمامهم في احتساب السعرات الحراريّة، وتتبّع عدد الخطوات عبر الساعات الذكيّة، ثم المواظبة على ارتياد نوادي اللّياقة البدنية.
تجاوز الاهتمام هذا الجيل حدود العناية بالصحة لدى البعض ليتحوّل إلى هوس مفرط يكاد ينقلب عليهم.
وتُشير الدراسات السلوكيّة إلى أنَّ الانشغال المفرط بالصحة واللّياقة قد يتحوّل إلى مصدر ضغط نفسي خفيّ، بما يُؤثّر سلباً في جودة الحياة بدلاً من تحسينها.

موضة رقميّة أم أسلوب حياة مستدام؟
إنَّ العناية بتناول البروتين أمر حميد وضروري، بيد أنَّ الإشكاليّة تكمن في الاعتقاد الشائع بأنَّ مضاعفة كميّته تعني تلقائياً طعاماً أفضل على المستوى الصحيّ.
فالاحتياجات اليوميّة لهذا العنصر تتباين تبعاً لمعايير فرديّة دقيقة تشمل: العمر، الوزن، مستوى النشاط البدني والحالة الصحيّة العامة لكلّ فرد بمعزل عن الأرقام العشوائيّة المتداولة.
توضح اختصاصيّة التغذية السريريّة ريتا نصر بأنَّ "الجسد البشري يفتقر إلى آليّة لتخزين البروتينات على هيئة "مخزون بروتيني"، فيما تُستخدم الأحماض الأمينية الفائضة لإنتاج الطّاقة أو تتحوّل إلى مركّبات أخرى، بينما تتولّى الكلى التخلّص من النيتروجين الفائض.
قد يُسهم الإفراط في استهلاك البروتين في زيادة الوزن، وفي اضطرابات هضمية كالإمساك والنفخة، فضلاً عن تقليص التنوّع الغذائي.
أمّا مرضى الكلى، فيحتاجون إلى تحديد الكميّة بإشراف طبّي. ولدى الأصحاء لا يُعدّ الإفراط الموقّت ضاراً، وإن كان الاستهلاك المكثّف والمستمر غير مبرّر".
التسويق الرّقمي وسحر شعار "البروتين"
لعبت منصّات التواصل الاجتماعي دوراً محوريّاً في ربط البروتين بمفاهيم اللّياقة البدنيّة، وتخفيض الوزن، وتحفيز الشعور بالشبع، وبناء الكتلة العضليّة.
نتيجةً لذلك، امتلأت الأسواق بمنتجات تحمل تسميات برّاقة، من قهوة معزّزة بالبروتين إلى ألواح وحلويات غنيّة به. وغالبًا ما تتحوّل هذه الكلمة إلى أداة تسويقية ذكية، تتجاوز كونها استجابةً لحاجة غذائية فعليّة.
تشرح نصر: "ليس كلّ فرد بحاجة إلى الكميات الضخمة التي تُروّج لها السوشيل ميديا؛ فالذي يُمارس الرياضة بانتظام يحتاج إلى كميّة أكبر من البروتين مقارنةً بقليل النشاط، لكن لا يوجد رقم سحريّ موحّد يصلح للجميع".
تتابع "فالعبرة تكمن في تحديد احتياجات الجسم الجوهريّة، بعيداً عن اللّهاث وراء أرقام عشوائيّة تتناقلها حسابات "تيك توك" و"إنستغرام"".
منتجات البروتين الجاهزة
ليس كلّ منتج يحمل عبارة "Protein" يعدّ خياراً صحيّاً؛ فالتّقييم يجب أن يشمل الصورة كاملة: السعرات الحراريّة، السكر، الدهون المشبّعة، الألياف وقائمة المكوّنات.
تبقى الأطعمة الطبيعية، كاللبن، البيض، البقوليات والدجاج، خيارات مثالية لا تحتاج إلى ملصق تجاري يُثبت غناها بالبروتين.
هنا تكمن مفارقة لافتة: كثير من الأطباق التي تُسوَّق على أنَّها غنيّة به، تحتوي أيضاً على كميات مرتفعة من السعرات الحراريّة.
لكن العافية لا تقوم على عنصر غذائي واحد بل تعتمد على توازن البروتين، الألياف، الدهون النافعة، الكربوهيدرات، الفيتامينات والمعادن إلى جانب الماء، النوم الجيّد والحركة المستمرّة.
فالهدف هو التوازن الشامل لا الإفراط في عنصر واحد.
ترسم مقاطع السوشيل ميديا صورة مثالية ومضلّلة للحياة الصحية، إذ لا نرى سوى مقتطفات اختار صانع المحتوى عرضها، كما قد تكون مجرّد استعراض بصريّ لأهداف مربحة.
الأخطر أنَّ بعضها يُرسل رسالة ضمنيّة مفادها: "انظروا إلى ما أكلت، وتأمّلوا مدى لياقة جسدي". "هذا ما يُعزّز المقارنة لدى المراهقين والشباب ويدفعهم إلى الاعتقاد بأنَّ عليهم تناول الكميات نفسها واتّباع الروتين ذاته للوصول إلى تلك النتائج".
تلفت نصر إلى أنَّ الاهتمام المفرط بالصحة يفقد معناه عندما يتحوّل إلى قيود صارمة كالخوف من أطعمة معيّنة، الشعور بالذنب بعد تناول قطعة حلوى أو تفويت حصة رياضية. كذلك، يجب أن يقوم النمط الصحي على المرونة والاستمراريّة لا على التزام قاس لمدّة أسبوعين ينتهي بالإرهاق.
وتختتم: "العافية الحقيقيّة هي أن نُغذّي أجسادنا بتوازن، نتحرّك، ننام بسكينة ونستمتع بطيّبات الحياة من دون أن يتحوّل الهاجس الصحيّ إلى مصدر للقلق والنكد.
تذكّروا دائمًا: الصحة وُجدت لتمنحنا حياة أيسر وأرغد لا لتزيدها قسوة وعناء".

في وقت تُظهر فيه تقارير قطاع اللّياقة البدنية العالميّ أنَّ أكثر من ٧٠٪ من الشباب يعتمدون كليّاً على منصّات التواصل الاجتماعي للحصول على نصائحهم الغذائية والرياضية، قد لا تكفي هذه الأرقام لصناعة العافية إذ يضيع التوازن تحت وطأة الحساب الدقيق للسعرات الحرارية.
انتبهوا إلى أبنائكم، وراقبوا ما يتناولونه وما يُتابعونه بحوار مستمر واستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة، درءاً لاتّباع صيحات رقميّة قاصرة.
فالتساؤل ليس عيباً، غير أنَّ التضحية بالصحة في سبيل صورة مثاليّة واهمة ليست ثمناً يستحقّ الدفع.
نبض