Gen Z وصدمة التحرّش: صمت على محكّ الوعي والقانون

صحة وعلوم 27-09-2026 | 16:14

Gen Z وصدمة التحرّش: صمت على محكّ الوعي والقانون

التحرّش ليس لحظة اعتداء عابرة بل صدمة قد تمتدّ آثارها لسنوات، فيما يبقى كسر الصمت واستعادة الأمان معركة تبدأ بالوعي وتنتهي بالحماية.
Gen Z وصدمة التحرّش: صمت على محكّ الوعي والقانون
كسر الصمت هو بداية الحماية (Pexels)
Smaller Bigger

كريستابيل نجم

 

تجتاح الزلازل مدناً بأسرها فتُنهيها، تلتهم النيران مساحات واسعة من كثرة غضبها، تُفني النيازك حضارات وثقافات عدّة، لكنَّ أفظع الكوارث وأشدّها ظلماً ما يرتكبه مُتحرّش ببراءة طفل، مراهق أم بالغ، فيقتلع أمانه رويداً رويداً. 

 

حين تأتي الطعنة القاتلة من قريب أودعه ثقته أو من غريبٍ استغلَّ ضعفه وضياعه، فإنَّ الوجع يتضاعف ليتسلّل مثقلاً بشعور الذنب والانطواء المرير، تُترك معه الضحية وحدها لتُصارع عتمة "المحظور" في معركةٍ خفيّة تحرق العمر بالخفاء.

 

تُؤكّد أحدث بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض "CDC" أنَّ واحداً من كلّ عشرة شباب من الـ  Gen Z (المولودين تقريباً بين عامَي 1997 و2012) يُعاني العنف العاطفي أو الجنسي، ما يُثبت أنَّ هذه المأساة ليست مجرّد حالات فرديّة عابرة وهي أزمات تُغذّيها وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت بيئة خصبة للمضايقات الرّقمية، الابتزاز العاطفي، تطبيع ثقافة التحرّش والإكراه بين الجيل الحالي.  

 

 

جيلٌ يُواجه التحرّش الالكتروني (Pexels)
جيلٌ يُواجه التحرّش الالكتروني (Pexels)

 

صدمة التجمّد والرضوخ


 في كثير من الأحيان، يطرح البعض تساؤلات محمّلة باللّوم عمّا إذا كان تجمّد الفرد أو مسايرته للموقف بدلاً من قول “لا”، يعني الموافقة.

 

توضح الاختصاصية في علم النفس والإرشاد المدرسي، كريستينا الحاموش، أنَّ “الإجابة العلمية والنفسية حاسمة وقطعيّة: لا وألف لا، فهذا لا يدل أبداً إلى أنَّه كان موافقاً".

 

وتشرح أنَّ “الشعور العارم بالضعف أمام خصم يفوقه قوّةً جسدية ونفسيّة يدفعه لا إرادياً إلى محاولة مسايرة الأمور مؤقّتاً كاستراتيجية دفاعيّة ذكية تهدف إلى تخفيف هول الأذى وتجنّب تفاقم الخطر، قبل أن يستجمع لاحقاً طاقته الداخلية لوقف ما يحدث. 

قد تلتزم الضحية الصمت خوفاً من عدم تصديقها، ثمَّ تدخل في دوامة “جلد الذات” لِتُحمّل ذاتها مسؤوليّة ما حدث، فيما يظلّ الأمر مسكوتاً عنه".

 

 

اضطرابات الهوية وغياب الاكتفاء الذاتي

 

يُخلّف تكرار التعرّض للتحرّش آثاراً نفسية عميقة تمسّ ثقة الضحية بذاتها وتُعرقل قدرتها على تجاوز الصدمة.

 

 

المتحرّش يختار الضحية التالية (Pexels)
المتحرّش يختار الضحية التالية (Pexels)

 

 

تشرح الحاموش أنَّ “الآثار النفسية قد تمتد لتطال الكيان والمشاعر حيث يختبر بعض الأشخاص تحوّلاً في ميولهم الجنسية فيفقدون الرغبة بالجنس الآخر نتيجة الوهلة العميقة وفقدان الإحساس بالأمان تجاه العالم ومن حولهم.

 

علاوةً على ذلك، قد يستغرق استعادة الضحايا للثقة بالآخرين وقتاً طويلاً، فحتى بعد الزواج قد تستمر آثار الصدمة  لتنعكس على الاستقرار العاطفي، الحياة الزوجية وتعدّد العلاقات".

 

 

علامات الإنذار المبكر

 

غالباً ما يشغل المتحرّش كلّ حواسه فيستخدم لغة جسد متكاملة تماماً كالمفترس الذي يستهدف فريسته.

 

لذلك، قد لا يبوح الشخص بما تعرّض له، غير أنَّ الجسد والنفس يُطلقان إنذارات واضحة.

 

من أبرز العلامات التي تستوجب انتباه الأهل:

 

التغيّرات السلوكية والعادات اليومية: انقلاب جذري ومفاجئ في طباع المراهق وعاداته اليومية، مع اضطرابات حادّة في الشهية وصولاً إلى الشراهة المفرطة.

 

الوسواس الحركي: ظهور حركات متكرّرة لا إراديّة، تردّد مفرط ووسواسي إلى دور الحمام، إضافةً إلى غسل اليدين مراراً.

 

الأعراض الجسدية: ظهور عوارض حادّة تشمل الخوف، القلق، اضطرابات التنفّس، سرعة ضربات القلب والشعور بالغثيان والقيء.

 

الانهيار النفسي: إذا كانت الضحية تفتقر إلى السند العائلي الداعم، فإنَّ ذلك قد يُغرقها في دوامة من الاكتئاب السريري.

 

 

الوعي المتنامي وأهميّة التربية الجنسية 

 

ترى الحاموش أنَّ “الفترة الراهنة تشهد بصيص أمل مع وجود وعي أكبر بكثير مقارنةً بالأجيال السابقة، فَـ “Gen z” يبدو أكثر صلابة وقدرة على المواجهة”.

 

يفرض هذا الواقع مقاربة تربوية واعية تبدأ منذ الطفولة المبكرة، عبر احترام رفض الطفل للتقبيل أو المصافحة حتى مع الأقارب وتعليمه منذ الصغر التمييز بين اللّمسة الجيّدة والسيّئة، كما الانتباه إلى لغة الجسد، النظرات ومحاولات العزل، مع الإشارة إلى أنَّه يبدأ بتمييز الوجوه الغريبة منذ نحو سبعة أشهر.

 

دور الأهل والمدرسة في الحماية الميدانيّة والوقاية

 

لا يجوز إلقاء عبء التوعية بأكمله على المدارس بحجّة انشغال الأهل أو اعتبار الموضوع "تابو" اجتماعياً، بل ينبغي أن تنطلق من داخل الأسرة عبر قنوات حوار مفتوحة وشفافة، فيتولّى الأب محاورة ابنه وتتولّى الأم ابنتها لترسيخ أواصر الثقة والتفاهم المطلق. 

 

تدعو الحاموش المدارس والجامعات إلى "ضرورة توفير مرشدين ومعالجين نفسيين دائمين، كما يُفضّل وجود أكثر من مرشد لمتابعة التلاميذ ومراقبة الأجواء عن كثب". 

 

لا ترى مانعاً من "إجراء اختبارات نفسيّة دوريّة، سواء كانت عشوائية أو شاملة، انطلاقاً من قناعة بأنَّ الصحة النفسية لا تقلّ أهميّة عن تلك الجسدية". 

 

تخلص إلى أنَّ "التربية السليمة إلى جانب الالتزام الروحي والديني، تُسهم في بناء شخصيّة متوازنة وقويّة قادرة على مواجهة التحدّيات والتعامل معها". 

 

 

 

 

بات تحرّك المجتمع بأسره حتمياً لكسر جدار الصمت والتوعية بأشكال التحرّش المستحدثة إلكترونياً أو على أرض الواقع، كالاستدراج بالكلام، الإقناع، الكحول والمخدرات، استغلال الحفلات وغيرها. 

 

يترافق ذلك مع ضرورة تحديث القوانين وسدّ ثغراتها لإنزال أشدّ العقوبات الرادعة بالمتورّطين دون تهاون.

 

عائلياً، يبقى دور الأهل حاسماً عبر الإنصات الدائم للأبناء مهما تقدّموا في العمر والانتباه إلى تعابير الوجه والاضطرابات المحيطة. 

 

تتكامل هذه الرعاية برفع صفة الاتّهام تماماً عن الضحية والتوقّف عن محاكمتها بسبب لباسها أو خياراتها الشخصية، فالمهمّة تقع بالكامل على الجاني وحده.

 

نُطالب كل الجمعيات بمضاعفة التوعية وكسر صمت التطبيع مع الجرائم، لا سيّما بحقّ الفئات الأكثر هشاشة والاعتداءات المتكرّرة في الأماكن العامة. فحماية الإنسان واجب جماعيّ لننتقل من ردّ الفعل إلى الحماية.

 

التعوّد على التحرّش لا يجعله مقبولاً، وجريمته مهما تكرّرت تظلّ أشدّ هولاً من الكوارث. 

الأكثر قراءة

لبنان 9/26/2026 11:30:00 AM
اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن بنزين مستورد لا يتجاوز مستوى الـ60 أو 65 أوكتان، مع تساؤلات عن كيفية دخوله السوق ومدى مطابقته المواصفات...
لبنان 9/25/2026 2:22:00 PM
أثارت تغريدة لرئيس مجلس التنسيق المسيحي الدكتور فؤاد أبو ناضر، تحدث فيها عن "القرض الأحسن للمسيحيين"، جدلاً واسعاً، ولا سيما بعدما ربطها البعض بتجربة "القرض الحسن" وآليات عمله.
فن ومشاهير 9/24/2026 11:03:00 AM
أثار الفنان أحمد العوضي جدلاً جديداً إثر تصريحات فُسرت على أنها إساءة للمرأة، بسبب رده بفيديو حذفه سريعاً، وسط هجوم إعلامي لاذع.