اليوم العالمي للجرعة الزائدة: خطر يتغيّر ومساعدة تتأخّر
تُخصّص جرائدنا اليومية مربّعاتها للأوضاع المالية، الأزمات الاقتصادية، الانهيارات السياسية وغيرها من أخبار العالم.
وبين هذا السيل من العناوين، تبقى جوانب أخرى أكثر قرباً من حياتنا: لحظة ضعف، قرار عابر أو جرعة زائدة قد تُغيّر كلّ شيء.
تبدو هذه اللحظات مؤقّتة، لكنَّها تتّصل بما يحدث في الجسد من عوامل نفسية وتجارب نمرّ بها دون أن ننتبه فوراً إلى انعكاساتها، فهذا الترابط يُغيّر الطريقة التي نفهم بها خطر الجرعات الزائدة والتعامل معها.
وفي اليوم العالمي للتوعية بالجرعات الزائدة، يعود هذا الخطر إلى الواجهة للتذكير بأهميّة معرفة علاماته وسرعة الاستجابة له.
موادّ جديدة تُعيد رسم المشهد
تشهد بعض الدول ولا سيّما الولايات المتّحدة، تراجعاً في وفيات الجرعات الزائدة.
ووفق بيانات أوليّة صادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، سُجّلت نحو 69 ألف وفاة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في كانون الثاني ٢٠٢٦، بانخفاض ١٣٫٢٪ عن الفترة السابقة. إلّا أنَّ هذا التراجع يتزامن مع تحوّل متسارع في عالم المخدرات غير المشروعة، مع انتشار مواد اصطناعية جديدة يصعب معرفة تركيبتها أو توقّع تأثيراتها.

فبعدما ارتبط التعاطي لعقود بمواد تقليدية كالكوكايين والهيروين، يتّجه السوق نحو مركّبات أخرى أقل كلفة وأسهل إنتاجاً، أبرزها الفنتانيل والميثامفيتامين، إلى جانب مواد أفيونية ومهدّئات جديدة.
تتغيّر تركيبة هذه المواد باستمرار، ما يجعل تأثيراتها غير متوقّعة ويرفع خطر الجرعة الزائدة، فيما قد لا تظهر بعض المركّبات في الفحوصات التقليدية، ما يُصعِّب تشخيص الحالات وتحديد أسباب الوفاة.
تشمل هذه المواد أنواعاً ذات تأثير مثبّط مثل “ميديتوميدين” و”زيلازين” إلى جانب مواد أفيونية مُصنّعة شديدة القوّة.
ففي كارولاينا الجنوبية، لم تكشف التحاليل الأوليّة عن مادة معروفة لدى شخص تُوفي إثر جرعة زائدة، قبل أن تُظهر فحوص موسّعة وجود مركّب “سايكلورفين” الذي كان ظهوره جديداً في الولاية.
تُشير أحدث بيانات الوكالة الأوروبية للمخدرات إلى تسجيل نحو 7,600 وفاة ناجمة عن الإدمان في الاتحاد الأوروبي عام 2024، مع بقاء المواد الأفيونية الأكثر ارتباطاً بهذه الوفيات.
أمّا في لبنان، فتتوزّع آليّات التعامل مع حالات الجرعات الزائدة بين أقسام الطوارئ، برامج العلاج والحدّ من الأضرار، بإشراف ودعم من وزارة الصحة.
يُعدّ “النالوكسون” من أبرز وسائل التدخّل في الحالات المرتبطة بالمواد الأفيونية، وهو دواء قادر على عكس تأثير الجرعة الزائدة وإنقاذ حياة الشخص، إذا أُعطي في الوقت المناسب، فيما تعمل جمعيات متخصّصة بينها “سكون” على تعزيز توافره والتوعية باستخدامه.
مع ظهور مواد مركبّة جديدة قد يصعب كشف بعضها بالفحوص التقليدية، فيما تُواجه المستشفيات والمختبرات تحدّياً لمواكبة هذا التغيّر وتطوير قدراتها على التشخيص.
معركة تتجاوز المخدّر
تُؤكّد الاختصاصية النفسية باسكال حوراني أنَّ تأثير المخدرات لا يقتصر على الجسد، بل يطال مباشرةً دوائر الدماغ المرتبطة بالمكافأة، اتّخاذ القرار وتنظيم الانفعالات.
مع الإستخدام المتكرّر، قد يُصبح الشخص بحاجة إلى المادة لا فقط للشعور بالنشوة، بل أحياناً لتجنّب أعراض الانسحاب أو لاستعادة الشعور بالقدرة على ممارسة حياته بشكل طبيعي.
يترافق تعاطي المخدرات مع ارتفاع مستويات القلق، الاكتئاب، التهيّج، الاندفاع، الضغوط واضطرابات النوم وفي بعض الحالات قد تظهر أعراض ذهانية أو تشوّش في الإدراك.
يكون الشباب أكثر عرضةً للمخاطرة، التأثّر بالضغط الاجتماعي والبحث عن التجارب الجديدة، في ظلّ استمرار تطوّر المناطق الدماغية المسؤولة عن ضبط التصرّفات واتّخاذ القرارات حتى منتصف العشرينيات تقريباً.
لا تنفصل مشكلة الإدمان عن الصحة النفسية، إذ قد يلجأ البعض إليها للهروب من ألم نفسي، تخفيف القلق، التعامل مع آثار صدمة أو مشاكل النوم. إلّا أنَّ هذه الراحة قصيرة الأمد وقد تُؤدّي مع الوقت إلى زيادة حدّة المعاناة، ما يجعل علاج الإدمان غير كافٍ في كثير من الحالات.
تزداد المخاطر مع المواد الجديدة التي قد تكون شديدة القوّة ومتغيّرة التركيبة، فتغدو تأثيراتها وجرعاتها صعبة التوقّع. وقد تتسبّب باضطرابات حادّة في المزاج والسلوك، الهلوسة، الارتباك، نوبات الهلع، البارانويا أو فقدان الاتصال بالواقع، فيما قد لا يعرف أصلاً ماهية المادة التي تناولها أو تركيزها الحقيقي.

أمّا قرار التوقّف وطلب العلاج، فلا يأتي دائماً نتيجة سبب واحد، فقد يصل إلى مرحلة يشعر فيها المرء بأنَّ المخدرات أخذت منه أكثر ممّا أعطته، سواء على مستوى علاقاته، عمله، صحته أو أزمة تدفعه إلى إعادة النظر في حياته.
هنا يُصبح طلب العلاج نقطة تحوّل، شرط أن يجد بيئة لا تقوم على الحكم أو الوصم.
ترى حوراني أنَّ الخوف من الأحكام، الإنكار والاعتقاد بإمكانية التوقّف دون مساعدة قد تمنعه من طلب العلاج، مؤكّدةً أنَّ الإدمان مشكلة صحية ونفسية تحتاج إلى علاج متخصّص.
يبرز دور العائلة في التشجيع على طلب المساعدة، تجنّب الإهانة والتهديد، مع وضع حدود واضحة. ويُركّز العلاج النفسي على فهم أسباب التعاطي وتنظيم الأحاسيس والمحفّزات بعيدًا عن الحكم والوصمة.
تبقى سرعة طلب المساعدة عاملاً حاسماً في مواجهة حالات التسمّم إلى جانب توافر "النالوكسون"، الدواء المستخدم لعكس تأثير المواد الأفيونية.
ووفق مسح سابق أجرته جمعيّة "سكون" على 300 شخص من مستخدمي خدمات الحدّ من الأضرار في لبنان، فإنَّ 57% ممّن تعرّضوا لجرعة زائدة للمرّة الأولى لم يتوجّهوا إلى المستشفى خوفاً من التوقيف.
في نهاية المطاف، قد تكون معرفة العلامات، سرعة التدخّل وتوافر العلاج المناسب، الفارق بين فقدان الحياة وإنقاذها؛ وبالتالي تُمثّل التوعية والتدخّل السريع جزءاً أساسياً لمواجهة هذا الخطر.
نبض