"أكسجين داكن" في قعر الهادئ: هل يُغيّر فهمنا لأصل الحياة؟

صحة وعلوم 25-08-2026 | 09:09

"أكسجين داكن" في قعر الهادئ: هل يُغيّر فهمنا لأصل الحياة؟

اكتشاف إنتاج الأكسجين الداكن في أعماق المحيط الهادئ يفتح آفاقاً جديدة لفهم الحياة البحرية وأصل الأكسجين وتأثير التعدين على البيئة.

"أكسجين داكن" في قعر الهادئ: هل يُغيّر فهمنا لأصل الحياة؟
العقيدات المتعددة المعادن (NOAA)
Smaller Bigger

ليس المثير في مسألة "الأكسجين الداكن" (Dark Oxygen) أن العلماء عثروا على جيب منه في قاع المحيط الهادئ، إنما المثير حقاً أنهم سجلوا ما يبدو أنه إنتاج جديد للأكسجين في مكان لا يصل إليه ضوء الشمس أصلاً. وإن تأكد هذا الأمر فعلياً، فالعالم أمام إضافة حقيقية إلى فهمنا لكيمياء المحيطات، وربما إلى بعض الفرضيات حول نشوء الحياة. لكن التفصيل البالغ الأهمية هو أن هذا الاكتشاف يبقى موضع خلاف علمي حاد، ولم يُثبت نهائياً حتى أغسطس/آب 2026.

وتعيد مقالة منشورة في موقع Popular Mechanics في 13 أغسطس/آب 2026 تسليط الضوء على دراسة أصلية نُشرت في Nature Geoscience في 22 يوليو/تموز 2024، ما يدل على أن المسألة لم تحسم في عامين.

 

ماذا اكتشف العلماء فعلياً؟

القصة بدأت في منطقة Clarion–Clipperton Zone في المحيط الهادئ، بين هاواي والمكسيك تقريباً، على أعماق تقارب أربعة آلاف متر. هناك، تنتشر في قاع المحيط كتل بحجم حبات البطاطا تقريباً تعرف باسم العُقيدات المتعددة المعادن Polymetallic Nodules، وهي غنية بالمنغانيز والنيكل والنحاس والكوبالت، ولهذا تنظر إليها شركات التعدين بصفتها مورداً محتملاً لمواد تصنيع البطاريات الكهربائية.

كان فريق عالم البيئة البحرية أندرو سويتمان يريد أساساً قياس استهلاك الأكسجين في قاع المحيط. المتوقع منطقياً أن تتنفس الكائنات الدقيقة والحيوانات وتستهلك الأكسجين الموجود في المياه. لكن أجهزة القياس أظهرت العكس: في بعض الحجرات التجريبية، ارتفع تركيز الأكسجين بدلاً من أن ينخفض، ووصل في تجارب الدراسة إلى أكثر من ثلاثة أضعاف المستوى الحقيقي. وهنا بدأت المفاجأة.

ففي الأعماق السحيقة، لا ضوء يسمح بعملية التمثيل الضوئي. لذلك، أطلق الباحثون على الظاهرة اسم "الأكسجين الداكن"، وهذا أكسجين يبدو أنه يولد من دون ضوء. فهل الصخور نفسها تصنع الأكسجين؟ هذه هي الفرضية الأكثر إثارة.

قاس الباحثون فروقاً كهربائية على أسطح بعض العقيدات المعدنية وصلت إلى نحو 0.95 فولت. ومن هنا طرحوا فكرة أن اختلاف التركيب الكيميائي داخل هذه العقيدات قد يجعلها تعمل بطريقة تشبه بطاريات جيولوجية صغيرة، وأن تفاعل مناطق عدة كهربائياً ربما يساهم في فصل جزيئات الماء إلى أكسجين وهيدروجين، أي شكل طبيعي من التحليل الكهربائي.

هنا يوجد خطأ شائع: 0.95 فولت في ذاته ليس دليلاً على أن العقيدة تستطيع تحليل الماء تلقائياً. الجهد الديناميكي الحراري المعتاد لتفاعل تحليل الماء يقارب 1.23 فولت، والعملية الواقعية تحتاج عادةً شروطاً وطاقة إضافية. ولهذا بالضبط أصبحت فرضية "البطارية الصخرية" محوراً للخلاف العلمي. وبمعنى أبسط، رُصد ارتفاع في منسوب الأكسجين، أما الآلية التي ولّدت هذا الارتفاع فلم تُحسم بعد.

 

لماذا يمكن أن يكون الاكتشاف مهماً جداً؟

إن أثبتت التجارب المستقلة أن الأكسجين يتولد فعلاً في قاع المحيط، فهناك ثلاثة أبعاد كبيرة:

- الأول بيئي: نحن معتادون على النظر إلى قاع المحيط السحيق باعتباره مكاناً يستهلك الأكسجين الآتي من الطبقات العليا. وجود مصدر محلي للأكسجين يعني أن بعض النظم البيئية في الأعماق قد تكون أكثر استقلالاً وتعقيداً مما نعتقد. 

 

يعتقد علماء أن العقيدات تعطي شحنة كهربائية كافية لتقسيم مياه البحر إلى هيدروجين وأكسجين. (أ ف ب)
يعتقد علماء أن العقيدات تعطي شحنة كهربائية كافية لتقسيم مياه البحر إلى هيدروجين وأكسجين. (أ ف ب)

 

- الثاني يتعلق بأصل الحياة: الفكرة التقليدية هي أن ارتفاع الأكسجين على الأرض ارتبط أساساً بكائنات قادرة على التمثيل الضوئي. وجود مسار لإنتاج الأكسجين من دون ضوء يفتح نافذة جديدة على المسألة، لكنه لا يعني أن الكتب العلمية عن أصل الأكسجين خاطئة. فتكوّن العقيدات نفسها يرتبط ببيئات مؤكسدة، ما يجعل القفز منها إلى تفسير أصل الأكسجين على الأرض أكبر من الأدلة المتوافرة حالياً.

- والثالث يتعلق بالفضاء: إذا كانت عمليات جيوكيميائية تستطيع تكوين الأكسجين في محيط مظلم، فممكن إذاً التساؤل عما إذا كانت عمليات مشابهة ممكنة في محيطات تحت الجليد على أقمار مثل Europa أو Enceladus. لكن هذا احتمال مثير للبحث أكثر مما هو استنتاج مثبت.

التداعيات السياسية والاقتصادية هي الأكثر إلحاحاً. فقاع منطقة Clarion–Clipperton هو أحد أهم ميادين الصراع حول التعدين في أعماق البحار. الشركات تريد استخراج العقيدات بسبب المعادن اللازمة للبطاريات والطاقة النظيفة. لكن، إذا كانت هذه العقيدات لا توفر مجرد سطح تعيش عليه الكائنات، بل تشارك أيضاً في عمليات كيميائية تنتج الأكسجين، فإن استخراجها قد يعني إزالة جزء وظيفي من النظام البيئي، لا مجرد جمع الحجارة.

هذه نقطة فارقة جداً في تقييم الأثر البيئي. لكن لا يصح أيضاً الوقوع في الخطأ المقابل والقول: "إذا تعدينّا العقيدات فسنقضي على مصدر الأكسجين في المحيط". لا بيانات تسمح بمثل هذا الاستنتاج. ما تغيّر هو مقدار عدم اليقين المحيط بوظيفة هذه العقيدات، وهذا وحده مهم عندما يجري بحث السماح بنشاط صناعي واسع في نظام بيئي شديد البطء في التعافي.

 

لكن هل "الأكسجين الداكن" موجود فعلاً؟

في كانون الأول/ديسمبر 2025، نشر باحثون في Frontiers in Marine Science نقداً شديداً للدراسة، مشيرين إلى أن خمس دراسات مستقلة سابقة في مناطق غنية بالعقيدات لم تسجل إنتاجاً مماثلاً للأكسجين. كما قالوا إن ارتفاع الأكسجين ظهر في بعض التجارب حتى من دون وجود العقيدات، ما يتيح احتمال أن تكون المشكلة مرتبطة بغرف القياس أو بوجود هواء متبقٍ فيها. وحتى الآن، لم يحصل تكرار مستقل حاسم للنتيجة الأصلية. 

هذه ليست ملاحظة جانبية؛ إنها جوهر الطريقة التي يعمل بها العلم. لذلك أطلق سويتمان وفريقه Dark Oxygen Research Initiative – DORI، وهذا برنامج يمتد من 2025 إلى 2028. وخلال 2026 يستخدم الفريق أجهزة غوص جديدة في منطقة أخرى من المحيط الهادئ لقياس الأكسجين والهيدروجين والضغط والتوصيل وغيرها، لمعرفة مدى تكرار الظاهرة وتحديد مصدر الطاقة.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/24/2026 7:09:00 PM
هيئة الإعلام حولت الدكتور خليل الزيود إلى النائب العام على خلفية مقطع الفيديو.
كتاب النهار 8/24/2026 5:34:00 AM
الهدف الذي تريده أميركا، هو إنهاء "حزب الله"، أو أقله إضعافه بحيث لا يبقى مقرراً في البلاد.
اقتصاد وأعمال 8/24/2026 5:45:00 AM
على خط مواز لتوسعة مطار بيروت، يجري بحث خيار الافادة من مطار القليعات لاستقبال ونقل المسافرين السوريين.
مجتمع 8/24/2026 9:55:00 AM
قوى الأمن الداخلي توقف متورطين في شبكة دعارة في عدد من المناطق اللبنانية