"إل نينيو" 2026: العالم أمام أحد أقوى اضطرابات المناخ في التاريخ الحديث

صحة وعلوم 17-08-2026 | 10:06

"إل نينيو" 2026: العالم أمام أحد أقوى اضطرابات المناخ في التاريخ الحديث

تحذيرات من "إل نينيو" شديد في 2026 مع تأثيرات واسعة على الطقس والزراعة والأسواق العالمية، ودعوة للاستعداد المبكر لمواجهة التحديات المناخية.

"إل نينيو" 2026: العالم أمام أحد أقوى اضطرابات المناخ في التاريخ الحديث
شاب يقود دراجته في طريق غمرته المياه قرب محطة مترو تشيبا في تشيبا، اليابان، 13 أغسطس 2026 (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحذر تقارير بيئية ومناخية من "إل نينيو وحشي" قد يؤثر في ملايين البشر في الخريف، مستندة إلى تقدير باحتمال 81% لتطور حدث "شديد جداً" بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر المقبلين. لكن البيانات الرسمية الأحدث من الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي تذهب أبعد من ذلك باتجاه احتمال يتجاوز الـ 90% لأن يصبح "إل نينيو" شديداً جداً خلال خريف وشتاء 2026-2027، واحتمال بنسبة 69% أن يصل إلى مستوى تاريخي يتجاوز كلّ ما سجّل عن "إل نينيو" منذ 1950 وفق المقياس النسبي. 

تنشأ ظاهرة "إل نينيو" عندما تصبح مياه وسط وشرقي المحيط الهادئ الاستوائي أشد دفئاً من المعتاد، تزامناً مع ضعف الرياح التجارية التي تدفع المياه الدافئة في العادة نحو الغرب. عندها، تتحرك كتل ضخمة من الحرارة شرقاً، وتتغير مناطق تشكل السحب وهطول الأمطار، وينعكس ذلك على دوران الغلاف الجوي على بُعد آلاف الكيلومترات. وتتكرر دورة ENSO التي تضم "إل نينيو" وطورها المعاكس "لا نينيا"، عادة، كل سنتين إلى سبع سنوات. لكن قوة دورة 2026 هي ما يستدعي الانتباه.

 

لماذا قد يكون 2026 مختلفاً؟

المشكلة ليست "إل نينيو" وحده، بل "إل نينيو" فوق كوكب أشدّ حرارة أصلاً. تقول المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إن الظاهرة تتطور فيما تبقى حرارة المحيطات العالمية مرتفعة بصورة استثنائية، تزامناً مع احتمال تشكّل الطور الإيجابي من ثنائي قطب المحيط الهندي (IOD). اجتماع العاملين قادر على تعزيز الجفاف والفيضانات ورفع منسوب مخاطر الحرائق في أجزاء من آسيا وأفريقيا وحوض المحيط الهندي، وفقاً للمنظمة نفسها. وتظهر بيانات مكتب الأرصاد الأسترالي أن متوسط حرارة سطح المحيطات العالمية في تموز/يوليو 2026 كان أعلى بـ0.57 درجة مئوية من متوسط 1991-2020، مسجلاً أحر يوليو للمحيطات منذ 1900.

لذلك، تأتي الحرارة الطبيعية الإضافية التي يضخها "إل نينيو" في النظام المناخي فوق خط أساس مرتفع أصلاً نتيجة الاحترار العالمي. لكن، ضروريٌّ تجنب المبالغة: قوة "إل نينيو" لا تترجم آلياً إلى شدة الطقس في كل بلد. ربما يكون الحدث شديداً في المحيط، فيما تأتي آثاره أقل من المتوقع في منطقة معينة، والعكس صحيح. أنماط المحيط الأطلسي والهندي والتيارات النفاثة والضغط الجوي وعوامل محلية كثيرة تتداخل معه.

 

رابحون وخاسرون من المطر

لا يجعل "إل نينيو" العالم كله أشد جفافاً أو أشد رطوبة، إنما يعيد توزيع المطر. في الولايات المتحدة، تميل فصول شتاء "إل نينيو" إلى زيادة فرص العواصف والأمطار في الجنوب، فيما ترتفع احتمالات الطقس الأكثر جفافاً في أجزاء من الشمال، بما فيها مناطق من جبال الروكي والبحيرات العظمى ووادي أوهايو، وفقاً لتقرير نشرته Popular Mechanics. 

أما أستراليا، فتظهر فيها تاريخياً علاقة قوية بين "إل نينيو" وانخفاض الأمطار في أجزاء واسعة، فيما تشير التوقعات الأخيرة إلى استمرار الظروف الدافئة واضطراب أنماط الهطول. لكن مكتب الأرصاد الأسترالي نفسه يشدد على أن "إل نينيو" ليس العامل الوحيد المحدد للطقس المحلي. وفي أفريقيا تصبح الصورة أعلى خطورة اقتصادياً وإنسانياً. ففي أجزاء من شرقي القارة، مثل السودان وجنوب السودان وغربي إثيوبيا وإريتريا، يرتبط "إل نينيو" تاريخياً بأمطار أقلّ خلال موسم حزيران/يونيو-أيلول/سبتمبر. وعلى الجهة الشرقية من القرن الأفريقي، يمكن أن يحدث العكس خلال أكتوبر-ديسمبر، فتنهمر أمطار أعلى من المعتاد، وتحدث فيضانات واسعة. أما جنوب القارة فيميل إلى الجفاف بين أكتوبر ونيسان/أبريل، ما يهدّد محصول الذرة الأساسي، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) الأممية.

 

بحيرات متنزه بان دي أزوكار الطبيعي، في بيلين، كولومبيا، المتضررة من الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو والحرارة القياسية، 21 أبريل 2024. (أ ف ب)
بحيرات متنزه بان دي أزوكار الطبيعي، في بيلين، كولومبيا، المتضررة من الجفاف المرتبط بظاهرة النينيو والحرارة القياسية، 21 أبريل 2024. (أ ف ب)

 

الزراعة خط الدفاع الأول

وضعت الـ "فاو" الزراعة في مقدمة القطاعات المعرضة للخطر. فقد وجد تحليل يستند إلى 41 عاماً من بيانات الأقمار الاصطناعية أن احتمالات الجفاف الزراعي المرتبط بـ "إل نينيو" مرتفعة على الساحل الأفريقي وجنوبي أفريقيا، وجنوبي وجنوب شرقي آسيا، والممر الجاف في أميركا الوسطى والكاريبي. وفي بعض المناطق الزراعية والمراعي، تتجاوز احتمالات الجفاف الـ 50%.

في جنوبي أفريقيا، حذّرت المنظمة من تأثير نقص المياه في الذرة والمراعي. وفي الهند، قد يؤدّي ضعف الرياح الموسمية إلى الضغط على الأرز والذرة... ففي 2015، وهو عام "إل نينيو" قوي، انخفض إنتاج الذرة الهندي نحو 4%، والأرز نحو 1%. أما في أميركا الوسطى، فقد ترك "إل نينيو" 2015-2016 نحو 3.5 ملايين شخص يعانون بسبب انعدام الأمن الغذائي في "الممر الجاف"، بينما انهارت المحاصيل في بعض أجزاء هايتي بما يصل إلى 70%.

وتكتسب هذه المخاطر حجماً أكبر لأن "إل نينيو" يأتي هذه المرة فيما تتعرض سلاسل الغذاء والطاقة والأسمدة أصلاً لضغوط جيوسياسية وتجارية. هنا، يتحول "إل نينيو" من ملف للمناخ إلى ملف للبنوك المركزية ووزارات المال.

إن انخفاض إنتاج الأرز أو الذرة أو السكر أو البن أو الكاكاو في دولة منتجة لا يبقى داخل حدودها، بل ينتقل بالتجارة إلى أسعار السلع، ثم إلى تكاليف المصانع والمتاجر، وصولاً إلى فاتورة المستهلك. ووجدت تحليلات سابقة من صندوق النقد الدولي أن أحداث "إل نينيو" تؤثر بصورة ملموسة في أسعار السلع والنشاط الاقتصادي، وأن صدمات ENSO ارتبطت تاريخياً بارتفاع تضخم أسعار السلع الأولية الحقيقية. وفي تحليل للصندوق، تراوح أثر "إل نينيو" في التضخم العام في مجموعة من الاقتصادات بين 0.1 ونقطة مئوية كاملة، مع اختلاف كبير بحسب البلد وتركيب اقتصاده. 

ثمة تقدير آخر استشهد به البنك المركزي الأوروبي؛ تاريخياً، ارتبط ارتفاع حرارة "إل نينيو" درجة مئوية واحدة بزيادة أسعار الغذاء العالمية أكثر من 6% بعد نحو عام. وهذا ارتباط تاريخي وليس توقعاً مباشراً بأن الأسعار سترتفع بالنسبة نفسها في 2026. لكنه يوضح لماذا تراقب البنوك المركزية المحيط الهادئ إلى جانب النفط والفائدة. وبحسب الـ "فاو"، أثّر "إل نينيو" 2015-2016 في أكثر من 60 مليون نسمة، وأدّى إلى طلبات مساعدات إنسانية بنحو 5 مليارات دولار في 23 دولة.

في المحيط الأطلسي، يؤدي "إل نينينو" عادة إلى زيادة قصّ الرياح العمودي، أي تغيّر سرعة الرياح واتجاهها مع الارتفاع، وهو ما يصعّب على العواصف المدارية تنظيم نفسها والتحول إلى أعاصير قوية. ولهذا يسهم عادة في خفض نشاط الأعاصير الأطلسية. أما في وسط المحيط الهادئ وشرقه، فيمكن أن تصبح الظروف أكثر ملاءمة لتطور الأعاصير المدارية. بالتالي، ليس صحيحاً وصف "إل نينيو" بأنه يزيد الأخطار المناخية في كل مكان وبالطريقة نفسها؛ إنه ينقل المخاطر ويعيد توزيعها.

 

ماذا عن الشرق الأوسط والعالم العربي؟

تأثير "إل نينيو" في الشرق الأوسط أقلّ مباشرة وانتظاماً من تأثيره في أستراليا أو القرن الأفريقي أو الساحل الغربي لأميركا الجنوبية. ولا يصح القول إن "إل نينيو" يعني تلقائياً شتاء ممطراً أو جافاً في لبنان أو الخليج أو بلاد الشام. لكن دراسات مناخية وجدت أن فصول "إل نينيو" يمكن أن تترافق مع زيادة تواتر أحداث الهطول الشتوي في أجزاء من الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية.

ربما يكون الأثر العربي الأوضح اقتصادياً أكثر منه مناخياً: معظم دول المنطقة تستورد نسباً كبيرة من حاجاتها الغذائية؛ فإذا ضرب الجفاف منتجي الأرز والذرة والزيوت والسكر والأعلاف، فإن الأثر يصل إلى المنطقة عبر الأسعار الدولية وتكاليف الاستيراد، حتى لو كان الطقس المحلي طبيعياً. كما أن تطور ثنائي قطب المحيط الهندي بالتزامن مع "إل نينيو" يستحق المتابعة، خصوصاً بالنسبة إلى الدول المحيطة بالمحيط الهندي وبحر العرب، لأن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تحذر من أن تزامن النظامين قادر على تضخيم الاختلالات الإقليمية في الأمطار والجفاف.

 

"وحش" مناخي... لكن ليس نبوءة كارثية

وصف الحدث المقبل بأنه "Monster El Niño" جذاب إعلامياً، لكنه يحتاج إلى تفسير علمي. "الوحش" ليس اسماً رسمياً؛ التصنيف العلمي هو "إل نينيو شديد جداً". كما أن ارتفاع مؤشر حرارة المحيط إلى مستوى تاريخي لا يعني بالضرورة أن كل فيضان أو جفاف أو موجة حر ستكون قياسية.

ما تقوله المؤشرات في منتصف آب/أغسطس 2026 أكثر دقة وأهمية: احتمالات حدوث "إل نينيو" استثنائي أصبحت مرتفعة للغاية، والعالم يملك أشهراً من الإنذار المسبق قبل بلوغ التأثيرات ذروتها.

الحكومات تضع احتمال الحدث الشديد جداً فوق 90%. مكتب الأرصاد الأسترالي يرى مؤشرات محيطية وجوية قوية وحرارة قياسية تحت سطح المحيط. والنماذج تكاد تجمع على استمرار الظاهرة إلى 2027، مع توقع حرارة أعلى من المعتاد في مساحات واسعة من العالم وتحولات كبيرة في الأمطار. الفرق هذه المرة أن الحكومات والمزارعين وشركات التأمين وأسواق السلع والبنوك المركزية يعرفون مسبقاً أن الاحتمال آتٍ. في ظاهرة لا يمكن منعها، تصبح قيمة التنبؤ في القدرة على تحويل أشهر الإنذار إلى استعداد: تخزين المياه والحبوب، حماية المحاصيل، تعزيز أنظمة الإنذار من الفيضانات والحرائق، وتأمين الفئات الأكثر هشاشة قبل أن يتحول ارتفاع حرارة مياه الهادئ إلى فاتورة يدفعها العالم على اليابسة.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 8/14/2026 7:52:00 PM
فرحة جديدة في العائلة الملكية الأردنية... الأميرة إيمان وزوجها جميل ألكساندر ترميوتس يرزقان بتوأمين
العالم العربي 8/15/2026 6:55:00 AM
ماذا طلبت سفارة سوريا من مواطنيها المقيمين في مصر بشأن الإقامات والمخالفات والغرامات؟
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
فن ومشاهير 8/14/2026 11:44:00 AM
تزين المكان بديكورات مترفة، وطاولات مضاءة عكست بريق الأمسية، وتنسيقات ورود بيضاء مذهلة أضفت طابعاً رومانسياً وحالماً على الأجواء.