معاناة مرضى السيلياك في فصل الصيف وبعض النصائح المفيدة
لا يقتصر مرض السيلياك على كونه مجرد حساسية حيال نوع معين من الطعام، بل هو اضطراب مناعي ذاتي مزمن يستهدف الأمعاء الدقيقة عند تناول "الغلوتين"؛ وهو البروتين المتواجد في القمح والشعير.
ومع حلول فصل الصيف، يواجه المصابون بهذا المرض تحديات إضافية تفرضها تغيرات نمط الحياة؛ فرغم أن هذا الفصل يوفر الكثير من الأطعمة الطبيعية الآمنة والخالية من الغلوتين بطبيعتها كالفاكهة الصيفية، الخضر الطازجة، الرز، والبروتينات المشوية، إلا أن الاستفادة منها تظل مشروطة بأعلى درجات الوعي والتحقق من المكونات.
وعلاوة على ذلك، تُشكل درجات الحرارة المرتفعة عائقاً إضافياً؛ إذ تُصعّب على المرضى عمليات تحضير أطعمتهم الخاصة وبدائل الدقيق وحفظها، والتي تتطلب شروط تخزين دقيقة وبرودةً مناسبة للحفاظ على جودتها وصلاحيتها من التلف.

السيلياك... أعراض مختلفة وتشخيص أكثر دقة
وتوضح اختصاصية أمراض الجهاز الهضمي والتنظير الدكتورة كارمن كساب أن أعراض الداء الزلاقي (السيلياك) لا تكون متشابهة لدى جميع المرضى، بل تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر.
فقد يعاني بعضهم من الحساسية أو التقيؤ، فيما يشتكي آخرون من آلام البطن أو الإسهال، بينما قد لا تظهر أي أعراض هضمية لدى البعض إطلاقاً. وفي هذه الحالات، قد يكون المرض مرتبطاً بفقر الدم، أو نقص الكالسيوم، أو هشاشة العظام، أو حتى مشكلات في الخصوبة، لذلك لا ينبغي تجاهل هذه المؤشرات حتى في غياب الأعراض التقليدية.
وتؤكد كساب أن نسبة الإصابة بالداء الزلاقي لا تشهد بالضرورة ارتفاعاً، لكننا أصبحنا نكتشف حالات أكثر بفضل تطور الفحوصات واعتمادها بشكل أكبر ضمن التقييمات الروتينية، إذ يتم إجراء فحص الأجسام المضادة الخاصة بالمرض، وقد يلجأ الأطباء في بعض الحالات إلى أخذ خزعة من الأمعاء الدقيقة لتأكيد التشخيص. وتضيف أن الأطفال الذين لديهم استعداد وراثي أو مناعة أكثر عرضة للالتهابات يُعدّون من الفئات التي تحتاج إلى متابعة دقيقة، لأن خطر الإصابة بالسيلياك يكون أعلى لديهم.

كما تشير إلى أن استهلاك الغلوتين أصبح جزءاً أكبر من النظام الغذائي الحديث، مع زيادة الاعتماد على الأطعمة المصنّعة والغنية بالقمح، ما دفع الباحثين إلى دراسة العوامل التي قد تؤثر في ظهور المرض وانتشاره. وتشير إلى أن الأبحاث لا تزال مستمرة في مجال تطوير علاجات جديدة للداء الزلاقي، وبينها محاولات لإنتاج لقاح أو علاجات تساعد على تقليل تفاعل الجسم مع الغلوتين، إلا أن هذه الخيارات لا تزال قيد الدراسة ولم تصبح بديلاً من الحمية الخالية من الغلوتين المعتمدة حالياً.
كما تضيف أن الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل الحليب قد يحتاجون أيضاً إلى الخضوع لفحوصات لاستبعاد الإصابة بالداء الزلاقي، نظراً إلى وجود ارتباط بين الحالتين لدى بعض المرضى. وتشدد على ضرورة التنبه بشكل خاص إلى المصابين بأمراض المناعة الذاتية، واضطرابات الغدة الدرقية، وداء السكري، لأنهم يُعدّون أكثر عرضة للإصابة بالداء الزلاقي مقارنة بغيرهم.

تأثير السيلياك يتجاوز الجسد
لا يتوقف تأثير السيلياك عند الأعراض الجسدية فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية للمريض. فبيولوجياً، يؤدي تضرر الأمعاء إلى سوء امتصاص الفيتامينات والمعادن الأساسية، مما يتسبب بتقلبات المزاج، القلق، والاكتئاب، بالإضافة إلى ما تعرف بضبابية الدماغ.
ومن ناحية أخرى، يُشكل الالتزام الصارم بالنظام الغذائي عبئاً نفسياً مستمراً. فالخوف الدائم من التعرض للغلوتين يخلق حالة من القلق المزمن عند تناول الطعام في الخارج. هذا القلق يدفع كثيرين إلى تجنب التجمعات والمناسبات، مما يولد شعوراً بالعزلة الاجتماعية والإرهاق النفسي.
نصائح يجب اتباعها لتجنب التعرض للغلوتين:
- التخطيط الاستباقي: حصر المطاعم الآمنة لمرضى السيلياك.
- تأمين البدائل الغذائية: الالتزام بحمل وجبات خفيفة آمنة بصفة مستمرة، مع استخدام الحقائب الحرارية لحماية بدائل الدقيق والأطعمة الخاصة من التلف الحراري.
- الوقاية من التلوث الخلطي: استخدام ورق الألمنيوم كحاجز عازل تماماً عند استخدام الاغراض المشتركة في التجمعات العائلية.
- التدقيق والتقصي: التحقق الصارم من مكونات الطعام، وتغليب السلامة الصحية كأولوية قصوى من دون خجل.

المسؤولية المجتمعية: نحو بيئة أكثر تفهماً
مرض السيلياك هو نموذج للاضطرابات الصحية التي تتطلب وعياً يتجاوز حدود العيادات الطبية.
إن نجاح مريض السيلياك في التعايش مع مرضه، وبخاصة خلال تحديات فصل الصيف، ليس مجرد معركة شخصية يخوضها بمفرده، بل هو نتاج منظومة متكاملة من الوعي تبدأ من المريض نفسه وتمر بوعي أسرته، وصولاً إلى جاهزية قطاعي السياحة والضيافة.
إن الالتزام بنظام غذائي صارم وخالٍ تماماً من الغلوتين لا يعني بأي حال من الأحوال الحرمان من متعة الحياة أو العزلة عن المجتمع. فبفضل التخطيط الاستباقي، والالتزام بالإجراءات الوقائية، وتزايد الوعي المجتمعي والمؤسسي، يمكن تحويل هذه التحديات الموسمية إلى فرص لبناء نمط حياة صحي، ممتع، وآمن.
إن إتاحة الفرصة لمريض السيلياك للاستمتاع بإجازته الصيفية بكل حرية وأمان ليست مجرد ميزة إضافية، بل هي حق إنساني وصحي يتحقق بتكاتف المجتمع بأسره لكسر قيود المرض وصنع بيئة دامجة للجميع.
نبض