الصحة النفسية للرجل...التعبير عن المشاعر ليس ضعفاً وفي البكاء قوة
تظهر الأرقام ارتفاع معدلات الانتحار لدى الرجال مقارنة بالنساء، مقابل انخفاض معدلات الرجال الذين يلجؤون إلى المساعدة النفسية المتخصصة. حتى إن تعبير الرجل عن مشاعره أو عن الضغط النفسي الذي يعانيه يعتبر ضعفاً في مجتمعاتنا، فإذا به يعاني بصمت ما يزيد من مخاطر تداعيات المعاناة النفسية التي يعيشها على صحته وعلى حياته أيضاً. أمراض عديدة ترتبط بالتوتر والضغط النفسي يتعرض لها الرجل بمعدلات كبيرة تشير إليها الاختصاصية في المعالجة النفسية دانيال جميّل في حديث إلى "النهار" في الشهر العالمي للتوعية حول الصحة النفسية للرجل، محذرة من كل المخاطر المرتبطة بعدم اللجوء إلى المساعدة النفسية مع ارتفاع معدلات الضغط النفسي.

كيف تبدو النظرة إلى التعبير عن المشاعر والبكاء في التربية التقليدية؟
تركز التربية التقليدية للولد في مجتمعاتنا على أن التعبير عن الحزن أو الخوف ضعف وأن البكاء عيب. هي فكرة راسخة في الأذهان من جيل إلى جيل، ويصعب على الرجل تخطيها بسهولة في وقت من الأوقات. فهو يعبر بصمت ولا يجرؤ عن التعبير عن الضغط النفسي أو الوجع أو الخوف أو الحزن بحرية حتى لا يبدو ضعيفاً في المجتمع. بحسب الجميل، ما يبدو واضحاً هو ارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة المرتبطة بالتوتر بين الرجال، منها أمراض القلب والشرايين في سن مبكرة. يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات الانتحار بين الرجال مقارنة بالنساء، ويعود السبب الرئيسي إلى أن الرجل لا يعبر بحرية عن مشاعره كما تفعل المرأة، بل يتألم بصمت ويتحمل الوجع وحيداً ليبدو أكثر قوة وقدرة على التحمل نظراً إلى الرسائل المتكررة التي تنقل إليه في مجتمعاتنا من الطفولة وتدعوه إلى التحمل أكثر وعدم طلب المساعدة. فالرجل يلجأ إلى الانتحار لأن الوجع الذي يشعر به يتخطى قدرته على التحمل وهو يعجز عن إيجاد مخرج آخر. تحذر الجميل من أن هذا الصمت الذي يفرض على الرجل من الطفولة يصبح جزءاً من شخصيته مع مرور السنوات، وفيما تبقى هذه المشاعر كلها موجودة في داخله وتتخزن لديه، يأتي اليوم الذي تظهر فيه الحاجة لأن تظهر هذه المشاعر. لذلك، من المهم إعادة النظر في طرق التربية التقليدية التي تعتبر التعبير عن المشاعر ضعفاً، فالقوة الحقيقية ليست في كبت المشاعر وتحمل الفرد وحده بل في تسمية وتحديد ما يشعر به.
ما آثار الضغط النفسي على الصحة؟
في مرحلة ما، لا يعود الرجل قادراً على التظاهر بأنه بخير، وتظهر الأعراض المقلقة التي تكشف عن سوء حالته النفسية لأن جسم الإنسان مبرمج على التعامل مع التوتر لفترة قصيرة ويبدأ بعدها بإفراز هرمون التوتر الكورتيزول ما يخفض المناعة ويسبب:
-التعب والإرهاق.
-أوجاع القلب.
-التوتر الدائم.
-أوجاع جسدية نفسية.
-الميل إلى التدخين أو إلى أي نوع من الإدمان للهروب من الضغوط الكبرى و الألم الذي يشعر به.
-الانفعال الزائد والسريع، ويعتبر الغضب الدرع الأخير لديه ليخفي ما في داخله. فمن ورائه ثمة مشاعر كثيرة ووجع لم يعبر عنه وكلمات لم يقلها وضغوط يتعرض لها.
من جهة أخرى، يركز مجتمعنا أيضاً على فكرة أن الرجل يتحمل مسؤولية العائلة ومن حوله. ما يزيد من الضغوط عليه. أما إذا لم يكن قادراً على توفير الحماية فيعكس هذا فشلاً لديه فيغرق أيضاً في الألم الصامت حتى لا يشعر من حوله بالضعف أيضاً وليبدو أكثر قوة دوماً.
تشبه الجميّل حالة الرجل على مستوى الصحة النفسية بإنذار داخلي موجود لديه طوال ساعات النهار بسبب المسؤوليات الملقاة على عاتقه من دون أن يكون قادراً على التعبير عما يشعر به.
ما الدور الإيجابي للبكاء؟
بشكل عام يتم الربط بين البكاء وحالة الضعف، إنما تشدد الجميل على أن البكاء ليس ضعفاً أبداً بل هو عبارة عن حال طبيعية للتعبير عن المشاعر والوجع، تماماً كما أن الضحك هو تعبير عن السعادة. ويلاحظ أنه بعد البكاء تبدو الأمور أكثر وضوحاً وتتحسن القدرة على التفكير واتخاذ القرارات. في المقابل، هو يضحى أكثر خطورة عندما يصبح مرافقاً للفرد في حياته اليومية وفي كل ما يقوم به. أما البكاء عند الشعور بضغط نفسي فله دور مساعد وهو متنفس مهم. حتى إن تربية الجيل الجديد على الامتناع عن البكاء خطأ كبير، فيجب عدم ترسيخ هذه الفكرة في الأذهان. فعندما ينتج البكاء عن خوف أو غضب أو عن مشاعر معينة يعتبر ضرورياً وهو صحي حتى. كما أن الدراسات أثبتت أن البكاء العاطفي يختلف عن البكاء العادي، فالبكاء العاطفي يحتوي على هرمون الكورتيزول ويساعد الجسم على التخلص من السموم ومن التوتر العاطفي. في المقابل، هو يساعد على إنتاج مواد الأندورفي والأوكسيتوسين التي تخفف الألم وتساعد على تحسين المزاج.
لذلك، لا بد من إعادة التذكير بأهمية تخطي هذه الأفكار السائدة التي تربط بين التعبير عن المشاعر والضعف، والحرص على التربية على أساس صحي يدعو إلى التعبير بحرية وعدم كبت المشاعر وعدم تحمل الضغوط النفسية بصمت كما يفعل الرجل عامةً. فكل ما يتعرض له تهديد خطير لا لحصحته النفسية فحسب إنما أيضاً لصحته الجسدية وحياته ويهدد بإصابته بمشكلات عديدة خطيرة مرتبطة بالتوتر والضغط النفسي.
نبض