حين تغيّر الشاشات طريقة فهمنا.. هل نعود إلى الورق يوماً؟

صحة وعلوم 07-06-2026 | 10:07

حين تغيّر الشاشات طريقة فهمنا.. هل نعود إلى الورق يوماً؟

تستكشف دراسة جديدة تأثير القراءة على الورق مقابل الشاشة على فهم القصة ونشاط الدماغ، مع التركيز على قصص المانغا اليابانية.

حين تغيّر الشاشات طريقة فهمنا.. هل نعود إلى الورق يوماً؟
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تقارن أثر الورق والشاشة في فهم القصة دماغياً. (النهار)
Smaller Bigger

في زمن أصبحت فيه الشاشات وسيطاً شبه دائم للقراءة، من الهاتف إلى الحاسوب اللوحي والقارئات الإلكترونية، يعود سؤال قديم بصيغة جديدة: هل نستوعب ما نقرأه على الشاشة كما نستوعب ما نقرأه على الورق؟ حاولت دراسة منشورة في مجلة "بلوس وان" الاقتراب من هذا السؤال بتجربة غير مألوفة، لم تكتف بقياس تفضيلات القراء، بل رصدت ما يحدث في الدماغ أثناء فهم القصة.

 

قصص المانغا اليابانية

 

في الدراسة التي أجرّاها باحثون من جامعة طوكيو، استخدمت قصص المانغا اليابانية لاختبار ما إذا كان وسيط القراءة، بين الورق والجهاز اللوحي، يؤثر في فهم السرد وقدرة القارئ على دمج تفاصيل القصة لاحقاً.

اختار الباحثون المانغا لأنها لا تعتمد على الكلمات وحدها، بل تحكي القصة عبر الصور وترتيب المشاهد وتتابع الصفحات وتعبيرات الشخصيات. فالقارئ هنا لا يقرأ نصاً بل يتتبع أحداثاً ومشاعر وحركة داخل الصفحة. لذلك، بدت المانغا مادة ملائمة لاختبار سؤال أوسع: هل يساعد الورق الدماغ على ترتيب القصة في الذهن بطريقة أوضح من الشاشة؟

شارك في التجربة 25 طالباً جامعياً أو طالب دراسات عليا من الناطقين باليابانية، بعد استبعاد بعض المشاركين لأسباب منهجية. قرأ المشاركون النصف الأول من قصص مانغا، إمّا في كتاب ورقي أو على جهاز لوحي، ثم قرأوا النصف الثاني داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، قبل أن يجيبوا عن أسئلة تقيس فهمهم للقصة.

لم تظهر النتائج أن الورق جعل القراء يجيبون بدقة أعلى بشكل واضح. وهذه نقطة مهمة حتى لا تتحول الدراسة إلى شعار بسيط من نوع "الورق أفضل من الشاشة". الفارق الأكثر دلالة ظهر في زمن الإجابة والنشاط الدماغي. فالذين قرأوا النصف الأول على الجهاز اللوحي احتاجوا وقتا أطول عند الإجابة عن الأسئلة التي تتطلب دمج النصفين معاً، مقارنة بمن قرأوا النصف الأول على الورق.

بمعنى آخر، لم تمنع الشاشة الفهم، لكنها جعلت الوصول إليه أكثر كلفة. أما الورق، فبدا كأنه يساعد الدماغ على تنظيم القصة مسبقاً، بحيث يحتاج لاحقاً إلى جهد أقل عند استكمالها وربط أجزائها.

 

لماذا قد يقرأ الدماغ الورق بكفاءة أكبر؟

 

في تصريحات لـ"النهار"، قال كونيوشي إل. ساكاي، أستاذ علم أعصاب اللغة والتصوير الدماغي في جامعة طوكيو، وقائد الدراسة نفسها، إنّ فريقه قارن بين قراءة المانغا في كتاب ورقي وقراءتها على جهاز لوحي إلكتروني، فوجد أن نشاط الدماغ الذي قيس لاحقاً أثناء قراءة المانغا وفهم القصة "كان أقل بعد القراءة على الورق". ويرى ساكاي أن هذه النتيجة العصبية هي الأولى التي تظهر مثل هذا الأثر الفوري للقراءة على الورق.

 

 

 

صورة من دراسة منشورة في مجلة بلوس ون، تُظهر اختلافات نشاط الدماغ المرتبطة بفهم السرد بين القراءة الورقية والقراءة على الجهاز اللوحي
صورة من دراسة منشورة في مجلة بلوس ون، تُظهر اختلافات نشاط الدماغ المرتبطة بفهم السرد بين القراءة الورقية والقراءة على الجهاز اللوحي

 

 

يفسر ساكاي ذلك بأن الكتاب الورقي يمنح القارئ إشارات لا توفرها الشاشة بالطريقة نفسها، مثل ثبات موضع الصفحات، والإحساس بتتابعها، والقدرة على العودة إليها بالتقليب. فالقارئ لا يتعامل مع نص عابر على شاشة، بل مع صفحات لها أماكن محسوسة داخل كتاب يمكن لمسه وتذكر مواضع أجزائه. وبحسب ساكاي، تساعد هذه العناصر الدماغ على ربط المعلومات الجديدة بمواقع ثابتة داخل الكتاب، ما يدعم ترسيخ القصة في الذاكرة وبناء تصور أوضح لمسارها العام.

في المانغا، تكتسب هذه الإشارات أهمية أكبر، لأن القصة لا تُروى بالكلمات وحدها، بل بالمشاهد والإطارات وترتيبها على الصفحة. فموضع كل إطار، وعلاقته بما يسبقه وما يليه، يساعد القارئ على تتبع حركة القصة ومشاعر الشخصيات. من هنا، قد يمنح الورق القارئ إحساساً أوضح بتدفق السرد، لا توفره الشاشة بالسهولة نفسها، خصوصاً حين ينتقل القارئ بين الصفحات بلمسة سريعة تفصل المشهد عن مكانه المادي.

رغم أن لهذه النتائج حدود، تتعلق بأن عينة الدراسة صغيرة نسبياً، ومن بيئة لغوية وتعليمية محددة، كما أن المادة المستخدمة كانت قصص المانغا، لا الروايات أو الكتب الدراسية أو المقالات الإخبارية. لكن ساكاي يرى أن الأثر نفسه قد يظهر مع الروايات ومواد مكتوبة أخرى، لأن بناء القصة وتدفق السياق عنصران مشتركان بينها، بينما تمنح المانغا الباحثين ميزة إضافية، إذ توفر معلومات بصرية غنية تساعد على فهم المشاهد وتتبعها.

يحذر ساكاي، في حديثه لـ"النهار"، من قراءة مبسطة لدراسات الدماغ تفترض أن زيادة النشاط العصبي تعني بالضرورة أداء أفضل. ففي هذه الدراسة، لم يكن انخفاض النشاط في بعض المناطق الجبهية عند القراءة الورقية علامة على ضعف المعالجة، بل مؤشراً إلى أن الدماغ احتاج إلى جهد أقل لفهم القصة ودمج أجزائها.

وقال نيل كوهن، أستاذ مشارك في قسم الاتصال والإدراك بجامعة تيلبورغ في هولندا، لـ"النهار" إن المانغا والقصص المصورة من أكثر أشكال السرد البصري تعقيداً، لأنها تبني المعنى من تتابع الصور وعلاقة الإطارات بعضها ببعض، لا من الكلمات وحدها، موضحاً أن تصميم الصفحة وترتيب الإطارات يؤثران في حركة العين والذاكرة العاملة أثناء القراءة. ويرى كوهن أن الدراسة تضيف إلى أبحاث أظهرت أن الدماغ يتعامل مع الصور المتتابعة بطريقة قريبة من اللغة المكتوبة، ما يدعم فكرة أن "قراءة القصص المصورة هي قراءة"، مع الحذر من تعميم النتائج.

ربما لا تدعو النتائج إلى التخلي عن القراءة الرقمية، لكنها تذكرنا بأن الكتاب الورقي ليس مجرد وعاء قديم للنص، بل تجربة معرفية كاملة، تتداخل فيها الصفحة والملمس والموضع وذاكرة التقليب. قد لا نعود إلى الورق كما كنا، لكن الدراسة تشير إلى أن شيئاً جوهرياً في تجربة القراءة الورقية ما زال يحتفظ بقيمته.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/5/2026 5:11:00 PM
اتخذ المجلس المركزي لمصرف لبنان قراراً بتمديد العمل بالتعميمين لمدة سنة إضافية، تبدأ في تموز المقبل وتنتهي في تموز 2027
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.