هل "نظام الطيّبات" آمن؟ كل ما يجب معرفته عن النّّظام الغذائي المثير للجدل
نظام الطيبات هو نظام غذائي أثار الكثير من الجدل حول سلامته وفعاليته.
بين من يراه "نظاماً غذائياً ثورياً" ومن يحذّر منه بوصفه اجتهاداً غير علمي قد يهدد الصحة، يواصل "نظام الطيبات" إثارة الجدل في عدد من الدول العربية، إذ أصدرت نقابة الأطباء المصرية في آذار/مارس بياناً حاداً أكدت فيه أن هذا النظام "لا يستند إلى أدلة علمية أو تجارب سريرية معتمدة"، واتخذت إجراءات تأديبية شملت منع مطوّره ضياء الدين العوضي من مزاولة مهنة الطب وإغلاق عيادته.
توفي العوضي في نيسان/أبريل عن عمر يناهز 47 عاماً إثر جلطةٍ قلبية.
في 11 أيار/مايو، أعلن شاب مصري عن وفاة صديقه محمد عبد الوهاب من محافظة المنوفية، وهو مصاب بالسكري، قائلاً إنه كان قد توقف عن تناول الأنسولين التزاماً لتوصيات مرتبطة بنظام "الطيبات" الذي روّج له العوضي. وأثارت الواقعة تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت تداولت فيه وسائل إعلام وشهادات لأسر مرضى، تقارير عن حالات أخرى انتهت بالوفاة أو استدعت دخول المستشفى بعد اتباع النظام. إلا أن تحديد العلاقة المباشرة بين هذه الحالات والنظام يتطلب تقييماً طبياً لكل حالة على حدة.
ما هو "نظام الطيبات"؟
"نظام الطيبات" هو نظام غذائي وضعه الطبيب المصري والأستاذ السابق في كلية الطب بجامعة عين شمس الراحل ضياء الدين العوضي. يقوم على فكرة تقسيم الأطعمة إلى "طيبات" و"خبائث"، حيث تُعتبر الطيبات أطعمة سهلة الهضم لا تترك فضلاتٍ في الجسم، بينما تُصنّف الخبائث أطعمة يُعتقد أنها تسبب الالتهابات ومشكلات صحية.
ويعتمد النظام على قواعد أساسية مثل:
• تناول الطعام فقط عند الشعور بالجوع الحقيقي.
• التوقف قبل الشبع.
• تقليل عدد الوجبات.
• اعتماد فترات صيام أو صيام متقطع.
• تجنب خلط أنواع كثيرة من الطعام في الوجبة الواحدة.
• التركيز على أطعمة يراها النظام خفيفة على الجهاز الهضمي.
ويشمل النظام إرشادات تتعلق بشرب الماء، إذ يُنصح فيه بـ:
• شرب الماء عند الحاجة أو عند الشعور بالعطش فقط.
• تجنب الإكثار من الماء أثناء الوجبات.
• عدم التزام جداول ثابتة لشرب الماء.
ويضع النظام قيوداً على مجموعة واسعة من الأطعمة مثل البقوليات (الفول، العدس، الحمص)، البيض، العديد من أنواع الخضار، وبعض منتجات الألبان، إضافة إلى بعض الزيوت والأطعمة التي يعتبرها ثقيلة أو غير مناسبة للهضم، في المقابل يسمح بتناول بعض الأطعمة التي تُصنّف تقليدياً غير صحية مثل الحلويات والشوكولا والمشروبات الغازية إذا كان الجسم يتقبلها من دون أعراض.
ومن أبرز آراء العوضي أن الدجاج الأبيض غير مناسب للاستهلاك البشري ويحتوي على هرمونات ومضادات حيوية قد تسبب اضطراباتٍ صحية، وأن بعض الزيوت النباتية قد يكون أخطر من التدخين بسبب ترسبها في الشرايين، وأن اللبن السائل غير ملائم للبالغين ويرتبط بمشكلات هضمية وحساسية. كما يرى أن السمن البلدي من الدهون المفيدة ولا يسبب انسداد الشرايين، ويعتبر تناول الفاكهة بعد الوجبات سبباً لاضطراب الهضم والتخمّر داخل الأمعاء.
ويرتبط بفكرة عامة مفادها أن كثيراً من الأمراض المزمنة ناتجة من اضطرابات في الهضم وتراكم "الفضلات"، لذلك يدعو إلى تغيير شامل في نمط الأكل وتقليل الاعتماد على الأدوية والعلاجات التقليدية.
هل يثق الناس بنظام "الطيبات"؟
استطلعت "النهار" آراء عدد من الأشخاص حول نظام "الطيبات"، فجاءت المواقف متباينة بين من رأى فيه تجربة ناجحة، ومن أبدى تحفظات عنه استناداً إلى اعتبارات صحية وعلمية.
يتحدث رامي بحماسة عن تجربته التي بدأت قبل نحو شهر، قائلاً: "منذ شهر وأنا أتبع نظام الطيبات، وكانت نتائجه ممتازة جداً". ويعزو ذلك إلى الابتعاد عن بعض الأطعمة مثل الدقيق الأبيض والمعجنات والبيض والدجاج، مضيفاً: "بمجرد قطعها ستشعر براحةٍ نفسية وجسدية كبيرة".
في المقابل، ترفض سالي، وهي صيدلانية تعاني التهاب القولون التقرحي منذ 15 عاماً، تعميم النظام على الجميع. وتوضح أن حالتها الصحية تفرض عليها الاعتماد على اللحوم البيضاء، ما يجعل تطبيق بعض محظوراته أمراً غير ممكن. كما تشدد على أن "الغذاء عامل مساعد لتحسين جودة الحياة، لكنه ليس بديلاً من الدواء مطلقاً".
أما عمر، فيرى أن بعض نتائج النظام قد يكون مرتبطاً باستبعاد عددٍ كبير من الأطعمة، قائلاً: "من الطبيعي أن يفقد الإنسان وزنه ويشعر بخفة وتحسن عام في البداية". لكنه يرفض فكرة وجود نظام غذائي واحد يناسب الجميع، معتبراً أن الأفضل هو مراقبة استجابة الجسم وتجنب الأطعمة التي يلاحظ كل شخص أنها لا تناسبه.
الانتقادات العلمية للنظام
يكشف الدكتور الصيدلي محمد ياسين (من مصر) لـ"النهار" أن نظام "الطيّبات" لا يستند إلى مرجعٍ علمي واضح، ولا دراسات محكمة منشورة تثبت فعاليته، مشيراً إلى تشابه جزئي بين بعض أفكاره ومفهوم النظام الغذائي المخفوض الفودماب (Low-FODMAP diet) المستخدم طبياً لتخفيف أعراض القولون العصبي، عبر تقليل بعض أنواع الكربوهيدرات القابلة للتخمّر، وهو نظام يُستخدم عادةً لمدة محدودة تمتد بضعة أسابيع قبل إعادة إدخال الأطعمة تدريجاً.
ويضيف ياسين أن هذا النوع من الحميات لا يُصمم كعلاج طويل الأمد أو كبديل من العلاج الطبي، وأن أي تحسن في قراءات السكر أو الضغط لدى الأشخاص الذين يتبعون حمية غذائية يعود غالباً إلى فقدان الوزن وتحسن نمط الحياة، من دون أن يعني ذلك الشفاء أو إمكان إيقاف الأدوية. كما يؤكد أن تقييم الحالة الصحية يعتمد على الفحوصات المخبرية مثل السكر التراكمي ووظائف الكلى، وليس على الشعور الشخصي بتحسن الهضم أو الخفة.
التغذية العلاجية تفكك شيفرة نظام "الطيبات"
عند سؤالها عن السر الكامن وراء شعور الكثيرين بـ"الخفة" أو التحسن السريع بعد اتباع نظام "الطيبات"، تفكك اختصاصية التغذية العلاجية وموازنة المعادن، آية علامة، في حديث الى "النهار" هذا الالتباس الشائع علمياً وسلوكياً. فهي تُميّز تمييزاً حاسماً بين التعافي الصحي الفعلي ومجرد الشعور الموقت بالراحة، عازيةً هذا الأخير إلى الشروط المرافقة لتطبيق النظام لا إلى النظام نفسه.
وتشير إلى أن بروتوكول "الطيبات" يعتمد في أساسه على ثلاث ركائز سلوكية: الصيام المتقطع، الامتناع عن الأكل إلا عند الجوع الشديد، والتوقف قبل الوصول إلى مرحلة الشبع الكامل. وتؤكد أن مجرد التزام أي شخص هذه العادات الثلاث كفيلٌ تلقائياً أن يمنحه شعوراً فورياً بالخفة؛ فتختفي النفخة، وتتراجع حدة الحرقة والإمساك، ويتحسن النوم.
وتفسر هذا التحسن الأولي بأنه رد فعل طبيعي للجسم على تصحيح سلوكياتٍ غذائية يومية خاطئة؛ فمعظم الناس يتناولون ثلاث وجبات رئيسية تتخللها وجبات خفيفة مستمرة، ولا يتوقفون عن تناول الطعام إلا عند بلوغ مرحلة الشبع المفرط. بالتالي، فإن هذا الشعور بالراحة يرتبط غالباً بتصحيح عادات غذائية خاطئة أكثر من ارتباطه بعلاج أمراض أو تحقيق شفاء طويل الأمد.
وفي سياق متصل، تعرّج علامة على الاستشهاد بالجانب الديني الذي يروج له هذا النظام، موصّفة الأمر من منظور الاستحباب النبوي في تناول الطعام. فالمبدأ القائم على إبقاء مساحة للنَفَس (ثلث للطعام، ثلث للشراب، وثلث للهواء) وعدم بلوغ الشبع الأقصى، هو أصل سلوكي صحي، والفوائد المجناة منه تعود الى اتباع هذه القاعدة السلوكية الإسلامية، ولا تعني بالضرورة صوابية القيود الغذائية الصارمة التي يفرضها نظام "الطيبات" على الجسم، والتي قد تؤدي على المدى الطويل إلى خلل في موازنة المعادن والوظائف الحيوية.
فخ "الحذف العشوائي" في "نظام الطيبات"
في المقابل، لا تنكر علامة وجود حالات فردية شعرت بتحسنٍ حقيقي ومستدام بعد اتباع نظام "الطيبات"، لكنها تضع هذا التحسن في سياقه العلمي الدقيق الذي يختلف تماماً عن فكرة "الشفاء الشامل" التي يروج لها هذا النظام. وتوضح أن هذا الشعور بالارتياح يعود ببساطة إلى مبدأ "التحسس الخفي"؛ فبعض الأشخاص قد يعانون حساسية حيال البيض مثلاً من دون علمهم، وعندما يفرِض عليهم النظام قطع البيض نهائياً، تتوقف الأعراض المزعجة تلقائياً ويشعرون بالتحسن.
وينطبق الأمر نفسه على من يعانون عدم تحمل "اللاكتوز" أو بروتين "الكازين" الموجود في الحليب ومشتقاته. فبمجرد تطبيق آلية الإقصاء والحذف لهذه المصادر، يرتاح الجسم من العبء الهضمي والمناعي الذي كان يعانيه سابقاً. لكن كون شخص ما قد تحسنت صحته بعد قطع الحليب أو البيض، لا يعطي مبرراً علمياً لإطلاق حكم عام بأن هذه الأغذية مضرة لجميع البشر ويجب إقصاؤها.
وتحذر من المخاطر البعيدة المدى لهذه الأنظمة الإقصائية؛ فمنع أطعمة أساسية غنية بالقيم الغذائية كالبقوليات والبيض وبعض الخضار، في مقابل السماح بأطعمة أقل صحة ومصنّعة (مثل النوتيلا وغيرها) لمجرد أنها لا تسبب أعراضاً هضمية فورية، يعكس خللاً بنيوياً في فهم احتياجات الجسم.
تنتقل اختصاصية التغذية العلاجية إلى الجانب الأكثر خطورة في نظام "الطيبات"، محذرةً من أن أي نمط يعتمد على الحذف الشامل والإقصاء الدائم لمجموعات غذائية كاملة، يُعرض الجسم لنقصٍ حاد في المعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة والألياف.
وتوضح أن اللجوء العلمي الى حذف بعض الأطعمة يكون موقتاً ولحالات محددة جداً وتحت إشراف مختص؛ كاتباع حمية مخفوضة الفودماب لمرضى القولون العصبي (IBS)، ثم إعادة إدخال الأطعمة تدريجاً.
وتستغرب المفارقة الصادمة في نظام "الطيبات"؛ فبينما يمنع أطعمة طبيعية غنية كالبيض والدجاج والحليب والبقوليات، يشرّع في المقابل تناول أطعمة مصنعة غنية بالسكر والدهون المهدرجة والمواد الحافظة كـ"النوتيلا" والمربيات التجارية، إلى جانب الأجبان المعلبة (المثلثات والكاسات) التي هي عبارة عن دهونٍ صافية تفتقر إلى البروتين.
وتحذر من أن حرمان الجسم مصادر البروتين المتنوعة، وتقنين اللحوم، يؤدي مباشرة إلى نقص البروتين وضمور العضلات، وهي كارثة حقيقية، خصوصاً لمن تجاوزوا سن الثلاثين، بحيث يفقد الإنسان طبيعياً نحو 1% من كتلته العضلية سنوياً. وتشدد على أن خسارة الكتلة العضلية ترفع أيضاً من مخاطر الكسور والهشاشة.
البيض والحليب في دائرة الاتهام الزائف
في تفنيدها العلمي لأهمية الأطعمة المحظورة في هذا النظام، تُبرز القيمة الحيوية الفائقة لمادتين أساسيتين:
• البيض: يُعد بروتيناً كاملاً يحتوي على كل الأحماض الأمينية الأساسية التي يفتقدها الجسم ولا يستطيع تصنيعها، وهي الحجر الأساس لبناء العضلات والكولاجين والإنزيمات والهرمونات والنواقل العصبية. كما يتميز باحتوائه على مادة "الكولين" (Choline) الضرورية جداً لصحة الدماغ والعيون، وبخاصة لدى الأطفال، فضلاً عن كونه مصدراً مغذياً ورخيص الثمن ومتوافراً للجميع.
• الحليب ومشتقاته: يُصنف كوب الحليب أو اللبن الطبيعي كـ"غذاء كامل" ووجبة متكاملة في ذاتها، نظراً الى احتوائه على نسبٍ عالية ومتوازنة من البروتينات والسكريات (اللاكتوز) والدهون الصحية إذا كان كامل الدسم.

قاعدة ذهبية... ما هي؟
وتشدد على قاعدة ذهبية في علم التغذية الحديث: "ليس هناك نظام غذائي واحد يناسب البشر جميعاً"، بل يجب أن تكون التغذية مخصصة وفردية (Personalized) لكل شخص بحسب حالته الصحية وما يتلاءم مع جسمه. وتضرب مثالاً على ذلك أن أطعمةً فائقة الفائدة مثل البصل والثوم أو التفاح، قد تكون مضرة جداً وتسبب النفخة والآلام لمرضى القولون العصبي لأنها تغذي بكتيريا الأمعاء لديهم. وحتى بالنسبة الى مرضى السكري، تؤكد أن النهج العلمي لا يقوم على الحرمان المطلق بل على التوجيه الذكي؛ كاستبدال النشويات البسيطة بالقمح الكامل، مع السماح بكمياتٍ صغيرة ومدروسة من الأطعمة المفضلة لديهم ضمن نظام البدائل.
رسالة تحذير من "تجارة الترندات"
وتوجه رسالةً حاسمة الى الرأي العام، محذرةً من الانسياق وراء "الترندات الرائجة" التي تحولت إلى مشاريع تجارية تدر أموالاً طائلة على أصحابها على حساب صحة الناس. وفي مواجهة ادعاءات مؤسس نظام "الطيبات" بالاستغناء التام عن الأدوية والاعتماد الحصري على الغذاء، تضع علامة النقاط على الحروف علمياً: "صحيح أن الإنسان هو ما يأكل، وأن الغذاء هو المرآة التي تعكس صحتنا الجسدية والنفسية ومزاجنا ومناعتنا وطاقتنا، لكن الغذاء وحده لا يكفي في مواجهة حالاتٍ مرضية تستدعي تدخلاً طبياً ودوائياً عاجلاً".
وتؤكد أن نظام الحياة الصحي منظومة متكاملة تشمل الغذاء المتوازن والرياضة والنوم الكافي والقدرة على إدارة ضغوط الحياة، مشيرة إلى أن الطب والدواء ليسا ضد الغذاء بل يكملان بعضهما البعض. فالطبيب المحترف يبدأ بتعديل نمط حياة المريض وغذائه ونومه، ويصرف الدواء عند الحاجة، فيما يبقى طلب وقف العلاج والاعتماد على الغذاء وحده أمراً خاطئاً وخطيراً. وتضرب مثالاً على ذلك مرضى السكري من النوع الأول الذين لا يمكنهم الاستغناء عن الإنسولين، وكذلك مرضى ارتفاع ضغط الدم الذين قد يؤدي وقف أدويتهم إلى مضاعفات خطيرة.
وفي سياق تفكيك خلفيات نظام "الطيبات"، تتساءل: "على أي أساس يُحرم على الناس طعامٌ أحلّه الله في كتابه الكريم؟ لقد منحنا رب العالمين خيارات هائلة ومتنوعة من الأطعمة، فكيف يُمنع البيض والدجاج والبقوليات الغنية بالبروتين والألياف الأساسية لصحة الأمعاء، ويُسمح في المقابل بالعصائر المعلبة والنوتيلا والأجبان المصنعة الخالية من أي قيمة غذائية؟".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
وصول الجيش الإسرائيلي في احتلال الأراضي اللبنانية إلى مستويات الاحتلال الناجم عن اجتياح 1982، دفع إلى خروج أصوات من داخل البيئة الحاضنة الأوسع تجرأت على معارضة الحزب...
نبض