الولادة في المنزل...بين الحرية الشخصية والمخاطر المحتملة
بدأت بعض النساء في أوروبا وأميركا الشماليّة استكشاف ما يُعرف بـ"الولادة الحرّة"، من دون إشراف طبّي أو مساعدة مهنيّة، بالاعتماد على الحدس، والروحانيّة، والتّأمّل والمعتقدات الشخصيّة. لاقت هذه الظاهرة رواجاً متزايداً، غذّته منصات التّواصل الاجتماعيّ والمجتمعات البديلة التي تُقدّم الولادة بوصفها تجربة غريزيّة عميقة أكثر من كونها حدثاً طبّياً. وأسهمت الضغوط الماليّة في فتح النّقاش حول الولادة الحرّة في بعض الدول، خصوصاً لدى النّساء اللّواتي لا يملكنَ تأميناً صحياً، ما قد يدفع بعضهنَّ في أوضاع اجتماعيّة هشّة أو غير موثّقة إلى تجنّب النّظام الطبّي.ورغم بقاء هذه الظاهرة محدودة الانتشار نسبياً، فإنّ النّقاش حولها بات يبرز بشكل متزايد في لبنان أيضاً.

الأبعاد النّفسيّة والاجتماعيّة للولادة الحرّة
بحسب المعالجة النفسيّة باسكال ج. حوراني فإنّ مشاعر الخوف وفقدان السيطرة، إلى جانب التّجارب السلبيّة السابقة داخل المستشفيات، يُمكن أن تُؤثّر بعمقٍ على قرارات الحمل والولادة. ففي بعض المساحات الإلكترونيّة، تُقدَّم الولادة ضمن ما يُسميه المختصون "السرديّة البطوليّة"، إذ تُصوَّر النّساء اللّواتي يلدنَ من دون مساعدة أكثر قوّةً وتمكناً. كما توضح أنّ هناك عدداً من الآليات الذهنيّة التي قد تُفسّر تجاهل بعضهنَّ النّصائح الطبّية، من بينها إنكار الخطر نفسياً، التّحيّز التّأكيديّ، الاعتماد على قصص النجاح الفرديّة، التّقليل من احتماليّة المضاعفات، النّظر إلى التّوصيات الطبّية بوصفها تهديداً للاستقلاليّة واتّخاذ قرارات عاطفيّة.
تجربة القابلات في لبنان والمملكة المتّحدة
ترى القابلة القانونيّة ومستشارة الرضاعة الطبيعيّة لولو عبد الساتر أنّ الولادة المنزليّة الآمنة تستلزم تقييماً طبّياً مسبقاً ودقيقاً قبل بدء المخاض، يشمل فحوصات الألتراساوند، مراقبة الجنين، تقييم وضع المشيمة، إضافةً إلى التّأكّد من تصنيف الحمل ضمن فئة منخفضة الخطورة.
وخلال مرحلة المخاض، تُعدّ المراقبة المستمرّة عنصراً أساسياً، إذ تتابع القابلات نبض الجنين، شدّة الانقباضات، توسّع عنق الرّحم، إلى جانب رصد أيّ مؤشّرات قد تستدعي تدخّلاً طبّياً عاجلاً أو نقلاً إلى المستشفى.
كما تُشير إلى أنّ بعض النّساء اللّواتي يخترنَ الولادة الحرّة في لبنان يهدفنَ إلى الحصول على بيئة أكثر هدوءاً ودعماً نفسياً، إضافةَ إلى عدم الإفصاح عن خطط الولادة تجنّباً للضغوط الاجتماعيّة.
قد يلجأ بعضهنَّ أيضاً إلى ممارسات تقليديّة وغير طبّية أثناء المخاض، مثل الأعشاب، مشروبات القرفة، تناول الموز والتّمر، الصلاة والتّأمّل.
في المقابل، توضّح القابلة القانونيّة المسجّلة في بريطانيا منال مظلوم أنّ النّساء يخضعنَ لتقييم شامل وفقاً لمستوى الخطورة قبل الموافقة على خيار الولادة المنزليّة، بما يضمن تحديد الحالات المناسبة طبّياً، لضمان سلامة الأم والطفل عبر رعاية مبنيّة على الأدلة العلميّة والإستعداد للتّدخّل في حالات الطوارئ.
في هذا الإطار، تُستخدم أحياناً بعض أساليب تخفيف الألم غير التقليديّة، مثل غاز Entonox، المورفين أو الكوديين، الولادة في الماء، العلاج بالعطور، تدليك منطقة العجان وأجهزة TENS.
ومن الجدير بالذكر أنّ مضاعفات الولادة أو فقدان الطفل قد تترك آثاراً نفسيّة طويلة الأمد، ما يجعل الدّعم النفسيّ والاستعداد العاطفيّ جزءًا أساسيًاً من رعاية الأم.
تجارب واقعيّة
تروي امرأة لبنانيّة أنّها فكّرت في الولادة الحرّة بعد تجربة صادمة داخل المستشفى جعلتها تشعر بالعجز، قبل أن تختار لاحقاً الولادة بإشراف قابلة مؤهّلة، مع وضع خطّة طوارئ عند الحاجة.
وفي حالة أخرى، واجهت امرأة مضاعفات أثناء الولادة في المنزل، غير أنّ النّقل السريع إلى المستشفى أسهم بإنقاذ حياة الطفل.
الإحصاءات والواقع الحاليّ
تُشير تقديرات حديثة بين عامَي 2020 و2026 إلى أنّ الولادات غير المرافَقة طبّياً لا تزال نادرة في الدول ذات الدخل المرتفع.
في لبنان يعتمد عدد من المستشفيات آليات تهدف إلى تسهيل الوصول إلى خدمات الولادة الآمنة، فيما تُقدَّر كلفة الولادة عادةً بين 600 و3000 دولار، تبعاً للمستشفى، والحالة الطبّية ونوع الولادة.
وفي خِضَم النّقاش المتصاعد حول الولادة الحرّة، يُشدّد المختصون على أنّ حقّ المرأة في اتّخاذ القرار لا ينبغي أن ينفصل عن معايير السلامة والرّعاية الطبّية المسؤولة، بل يستند إلى معرفة دقيقة، دعم نفسيّ وبيئة صحيّة آمنة تحفظ كرامتها وخياراتها في آنٍ معاً.
نبض