خريطة الأمان الأسري: كيف نبني الطمأنينة داخل البيت في أوقات الحرب؟
في زمنٍ تتقدّم فيه الحروب إلى تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد الأسئلة المرتبطة بصحة الأطفال النفسية هامشية أو مؤجّلة. بين أصوات القصف، وتدفّق الأخبار العنيفة، والتوتّر الذي يتسرّب إلى البيوت، يجد الأهل أنفسهم أمام تحدٍّ مضاعف.
فكيف يحمون أبناءهم من الخوف فيما هم يواجهون القلق نفسه؟ وكيف يواكبون المراهقين في مرحلة حسّاسة تتشكّل فيها آراؤهم وهويّتهم وسط انقسامات حادّة ومشاهد مربكة؟
من هذا الواقع، تضيء الأخصائية النفسية ريهام منذر على دور الأسرة في صناعة الأمان النفسي، وعلى أثر تصرّفات الكبار وكلماتهم في تشكيل نظرة الأبناء إلى العالم وإلى أنفسهم.

ريهام منذر: الأمان في الحرب يبدأ من الأهل
حذّرت ريهام منذر من أن تأثير القصف على الأطفال لا يرتبط فقط بالأصوات والانفجارات، بل أيضاً بالطريقة التي يتعامل بها الأهل مع هذه اللحظات أمام أولادهم، معتبرة أن ردود فعل الكبار تترك أثراً نفسياً عميقاً لدى الصغار.
وقالت منذر إن الخوف والارتباك في ظروف الحرب يبقيان ردّ فعل طبيعيَّين، لأن الإنسان ليس آلة، ولأن الجسد مبرمج على حماية نفسه، خصوصاً بعد فترات طويلة من التوتر والعيش تحت تهديد مستمر.
وأوضحت أن الأطفال لا يخافون من أصوات القصف فحسب، بل يراقبون أيضاً سلوك الأهل عند سماعها، ويتأثرون مباشرة بحالتهم النفسية والعصبية. وأضافت أن صراخ الأهل أو دخولهم في حالة هلع لا يوصل للطفل رسالة وجود خطر فقط، بل قد يرسّخ داخله شعوراً بانعدام الأمان الكامل.
ولفتت إلى أن الطفل، وفق علم النفس العصبي، لا يملك بعد القدرة الكاملة على تنظيم مشاعره بمفرده، بل يستمد هذا التنظيم من البيئة المحيطة به، ولا سيما من والديه أو مقدّمي الرعاية. فإذا كان الراشد في حالة انهيار نفسي، ينعكس ذلك سريعاً على الطفل.
وشدّدت منذر على أن الذكاء العاطفي لا يعني غياب الخوف، بل القدرة على إدارة ردود الفعل في الظروف الصعبة، مشيرة إلى أن المطلوب ليس إنكار المشاعر، بل التدرّب تدريجياً على تهدئة النفس أمام الأطفال، حفاظاً على إحساسهم بالأمان.
وختمت بالتأكيد أن الأطفال قد لا يتذكرون صوت الانفجار بقدر ما سيتذكرون كيف كان أهلهم يتصرفون في تلك اللحظة، معتبرة أن هذا التحدي صعب، لكنه ليس مستحيلاً في حال اعتمد الأهل الخطوات الآتية:
- تهدئة الجسم أولاً: خذوا نفَساً بطيئاً وزفيراً أطول خلال ثوانٍ
- تخفيف ردّة الفعل الخارجية: حافظوا على نبرة صوتٍ هادئةٍ وحركةٍ أبطأ
- الطمأنة قبل أي تفسير: قولوا للولد: "أنا حدّك" وامنحوه تواصلاً ولمسة أمان، قبل الشرح أو التحليل
ريهام منذر: لماذا يرى الأطفال العالم مكاناً مخيفاً؟
في سياق متّصل، لفتت ريهام منذر الى الأثر النفسي المتزايد للتعرّض المستمر للأخبار العنيفة ومشاهد الحروب على الأطفال، معتبرة أن نظرة كثير من الأولاد إلى العالم بوصفه مكاناً "قبيحاً" ليست مبالغة، بل نتيجة مباشرة لما يختبرونه يومياً.
وأوضحت منذر أن الأطفال اليوم ينشأون في بيئة يسودها "التعرّض المزمن للتهديد"، من حروب وقصف وعنف وأخبار ومقاطع مصوّرة، حتى وإن لم تكن الأحداث تدور في البلد الذي يعيشون فيه، لافتة إلى أن دماغ الطفل لا ينجح دائماً في التمييز بين كونه في خطر فعلي، أو مجرّد مشاهدته للخطر.
وأشارت إلى أن ترك هذه الفكرة تتجذّر في ذهن الطفل قد لا يقتصر على الخوف الآني، بل قد يؤدي إلى ترسيخ قناعة بأن العالم مكان غير آمن، ما ينعكس في أشكال نفسية مختلفة، منها القلق المزمن، وفقدان الأمل، والنظرة السوداوية إلى الحياة، أو ما يُعرف بالخمود العاطفي والجمود النفسي.
وشدّدت منذر على أن دور الأهل لا يكون عبر إنكار الواقع أو تجميله، ولا من خلال ترك الطفل يغرق في مشاهد القسوة، بل عبر مساعدته على رؤية الصورة الكاملة. وقالت إن من المهم مصارحة الطفل بأن هناك أموراً صعبة تحدث، لكن في المقابل يوجد خير وأشخاص يساعدون ويحاولون حماية الآخرين والعمل من أجل الأمان.
ودعت إلى منح الأطفال جرعة من الأمل ونظرة متوازنة إلى المستقبل، مع ضرورة الحدّ من تعرّضهم للمحتوى الصادم، مؤكدة أن ليس كل ما يُنشر يجب أن يصل إليهم، ولا كل مقطع يجب أن يشاهدوه، لأن قدرتهم على التحمّل أقل من قدرة البالغين.
وختمت منذر بالتأكيد أن الطفل لا يتعلّم كيف يرى العالم من نشرات الأخبار، بل من عيون أهله، فإذا رأى فيهم اليأس والخوف تبنّى النظرة نفسها، أما إذا لمس منهم توازناً وإيماناً بوجود الخير رغم الصعوبات، فسيتعلّم أن يعيش الواقع من دون أن ينكسر.
ريهام منذر: كيف نتعامل مع آراء المراهق السياسية؟
من جهة أخرى، شدّدت منذر على أهمية طريقة تعامل الأهل مع الآراء السياسية التي يعبّر عنها المراهقون، معتبرة أنّ هذه المرحلة العمرية ترتبط بتكوين الهوية الشخصية والبحث عن الانتماء والشعور بقيمة الصوت الفردي.
وأوضحت منذر أنّ المراهق في هذه السنّ يحاول الإجابة عن أسئلة داخلية عميقة تتعلّق بهويته ومكانه في العالم، ما يجعل من الطبيعي أن يبدي مواقف وآراء حيال القضايا العامة والسياسية.
وحذّرت من مواجهة هذه الآراء بالسخرية أو الاستهزاء أو التخويف أو الرفض العنيف، مشيرة إلى أنّ هذا الأسلوب لا يدفع المراهق إلى تغيير رأيه، بل يرسّخ لديه شعوراً بأن التعبير عن الذات غير آمن. وأضافت أنّ النتيجة قد تكون إمّا الانسحاب والصمت، أو التمسّك بالرأي بطريقة دفاعية أكثر قد تقوده إلى مزيد من التشدّد.
ودعت منذر الأهل إلى اعتماد الحوار القائم على الفهم قبل الرد، من خلال طرح أسئلة تساعد على الاستماع إلى وجهة نظر المراهق وفهم خلفياتها، بدلاً من الرد الفوري أو إصدار الأحكام.
كما شدّدت على ضرورة الفصل بين الرأي والهوية، بحيث يمكن الاختلاف مع المراهق مع الاستمرار في احترام حقّه في التفكير والقراءة والتحليل ومحاولة تكوين موقف مستقل.
وفي السياق نفسه، رأت منذر أنّ الدور الأساسي للأهل لا يكون في تلقين الأبناء ماذا يفكّرون، بل في تعليمهم كيف يفكّرون، عبر تشجيعهم على مساءلة مصادر المعلومات، والتحقّق من صدقيتها، ومناقشة الآراء المقابلة، وفهم تأثير الأفكار على المجتمع. واعتبرت أنّ هذا النهج يعزّز التفكير النقدي بدلاً من التبعية الفكرية.
كذلك نبّهت إلى خطورة الانفعال أثناء النقاشات العائلية، موضحة أنّ ارتفاع الصوت والتوتّر يعرقلان التفكير المنظّم ويجعلان التعلّم والتنظيم العاطفي أكثر صعوبة.
وختمت منذر بالتأكيد أنّ الهدف في الحوار مع المراهق ليس الفوز بالنقاش، بل جعله يشعر بأنّه مسموع ومأخوذ على محمل الجدّ، لأن الطريقة التي يُستقبل بها رأيه اليوم قد تتحوّل إلى الطريقة التي سينظر بها إلى نفسه طوال حياته.
نبض