في زمن الحرب... معارك الصحة النفسية تفرض وقعها المتفاوت على المجتمع

صحة وعلوم 17-04-2026 | 06:18

في زمن الحرب... معارك الصحة النفسية تفرض وقعها المتفاوت على المجتمع

في حالات القلق والخوف والرهاب، التي لا تترافق مع اكتئاب حاد، قد يكتفي الشخص بالعلاج النفسي من دون الحاجة إلى تدخل دوائي.
في زمن الحرب... معارك الصحة النفسية تفرض وقعها المتفاوت على المجتمع
الصحة النفسية.
Smaller Bigger

على مدى أكثر من عشر سنوات، كرّس البروفيسور وديع نجا عمله في قسم الطب النفسي في الجامعة اللبنانية، ولا يزال حتى اليوم يواصل مهمته التعليمية، ناقلاً لطلابه أسس هذا الاختصاص وتشعباته، خصوصاً في ما يتعلق بالحالات التي تتطلب متابعة ورعاية طويلة الأمد.

 

في عالمٍ يخوض فيه كثيرون حروباً غير مرئية، اختار نجا أن يكون في الخط الأمامي لمواجهة الألم النفسي، مسانداً من أثقلتهم الاضطرابات النفسية، ومؤكداً أن هذه الأمراض لا تقلّ أهمية عن سواها من الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى رعاية مستمرة.

 

يرى نجا أن مقاربة الصحة النفسية لا تكتمل إلا من خلال النظر إلى ثلاثة أطر أساسية تحكم حياة الإنسان: العائلة، سواء كان الفرد أعزب أو متزوجاً؛ المجتمع، بما يشمله من علاقات وصداقات وحياة عاطفية؛ والعمل أو المسار التعليمي، تبعاً لمرحلة العمر. ومن خلال هذه الأبعاد، يمكن قراءة المؤشرات النفسية التي تظهر على الشخص.

 

ويشير إلى أن هذه العلامات تشكّل في كثير من الأحيان "جرس إنذار" يستدعي التوقف وإعادة التقييم، إذ لم يعد الأمر مجرّد قلق عابر أو خوف طبيعي يرافق الظروف الصعبة، كالحروب والأزمات والخسارات أو المرض، بل قد يكون مؤشراً إلى اضطراب أعمق.

 

وبالتالي، تكمن اللحظة الفاصلة حين تبدأ هذه الأعراض بالتأثير على قدرة الفرد على الاستمرار في حياته اليومية، سواء على الصعيد العائلي أو المهني أو الاجتماعي. عندها، تصبح استشارة الاختصاصي النفسي أو الطبيب النفسي خطوة ضرورية لا يمكن تأجيلها.

 

التحديات النفسية في ظل الحرب(صورة تعبيرية)
التحديات النفسية في ظل الحرب(صورة تعبيرية)

 

يبقى السؤال الأكثر شيوعاً: هل نلجأ إلى معالج نفسي أم إلى طبيب نفسي؟ سؤال يطرحه كثيرون، وغالباً ما يربكهم في كيفية طلب المساعدة.

 

في هذا السياق، يوضح نجا أن المعالج النفسي يشكّل الخطوة الأولى في كثير من الحالات، إذ يقوم بإجراء تقييم شامل للحالة. وإذا تبيّن أن الشخص يحتاج إلى متابعة طبية، يُحال إلى الطبيب النفسي، في إطار تعاون متكامل بين الاختصاصيين. وينطبق الأمر نفسه بالعكس، حيث قد يوصي الطبيب النفسي بالمتابعة مع معالج نفسي إلى جانب العلاج الدوائي.

 

وفي الواقع، غالباً ما يتطلب العلاج الجمع بين المقاربتين معاً. ولتبسيط الصورة، يشبّه نجا الحالة بالأمراض المزمنة، موضحاً أن من يعاني من السكري أو ارتفاع ضغط الدم لا يكتفي بتناول الدواء فقط، بل يحتاج أيضاً إلى نظام غذائي متوازن ونمط حياة صحي، بما في ذلك ممارسة الرياضة، للسيطرة على المرض.
وبالمثل، فإن الاضطرابات النفسية لا تُعالج بالأدوية وحدها، بل تتطلب أيضاً متابعة نفسية تساعد الفرد على فهم حالته والتكيّف معها، بما يضمن استقراراً حقيقياً ومستداماً.


في حالات القلق والخوف والرهاب، التي لا تترافق مع اكتئاب حاد، قد يكتفي الشخص بالعلاج النفسي من دون الحاجة إلى تدخل دوائي. إلا أنّ الصورة تختلف عندما تتفاقم هذه الاضطرابات وتبدأ بالتأثير على مجرى الحياة اليومية، أو حين يترافق القلق مع اكتئاب متوسط إلى شديد، إذ تصبح المتابعة المشتركة مع الطبيب النفسي والمعالج النفسي ضرورة أساسية.

 

لكن، هل تظهر الأعراض مباشرة بعد الصدمة؟ يوضح الطبيب النفسي أن الاستجابة النفسية للصدمة لا تسير في اتجاه واحد، بل قد تتخذ مسارين مختلفين:

- اضطرابات ما بعد الصدمة

- أو ما يُعرف بـ"النمو ما بعد الصدمة"، وهو تغيّر نفسي إيجابي قد يختبره بعض الأشخاص بعد المرور بأزمة أو حدث صادم.

 

ويشير نجا إلى أن الأعراض قد تظهر فور وقوع الصدمة، كما قد تتأخر وتبرز لاحقاً، تبعاً لطبيعة كل حالة. إلا أن المعيار الأهم لا يكمن فقط في توقيت ظهور الأعراض، بل في مدى تأثيرها على قدرة الفرد على الاستمرار في حياته اليومية، سواء في العمل أو الدراسة أو ضمن محيطه العائلي.

 

فحين تبدأ هذه الأعراض بعرقلة الإنتاجية أو تقويض القدرة على التكيّف مع متطلبات الحياة، تصبح الحاجة إلى التدخل العلاجي، سواء النفسي أو الطبي، أمراً ملحّاً، إذ تبقى التفاصيل اليومية هي المؤشر الأوضح على عمق المعاناة النفسية.

 

الدواء النفسي: وصمة عار

 

لا يُخفي نجا أن الكفاءات البشرية في لبنان، سواء في مجال علم النفس أو الطب النفسي، تتمتع بمستوى عالٍ من الاحتراف. إلا أن التحدّي الأبرز، برأيه، لا يكمن في نقص الاختصاصيين، بل في جودة الأدوية المتوافرة في السوق. فالمشكلة تظهر بوضوح عند اضطرار المرضى إلى الانتقال من الدواء الأصلي إلى الأدوية البديلة (الجنريك)، حيث يلمس كثيرون فرقاً في الفعالية.

 

ورغم التحديات، يلفت إلى أن لبنان يوفّر خيارات متنوّعة في مجال العلاج النفسي، تتراوح كلفتها بين المتدنية والمرتفعة، ما يتيح شريحة واسعة من الخدمات لمختلف الفئات الاجتماعية.

 

ومع ذلك، تبقى "وصمة العار" المرتبطة بالأدوية النفسية العائق الأكبر. فبرغم التقدّم الذي شهده المجتمع اللبناني في نظرته إلى العلاج النفسي، لا يزال كثيرون ينظرون إلى الأدوية النفسية بعين الريبة، ويربطونها بالإدمان.

 

ويستغرب نجا هذا التصوّر، مشدداً على أن التعامل مع الأمراض النفسية لا يختلف عن سائر الأمراض المزمنة. فكما يلتزم المريض بدواء السكري أو الضغط للحفاظ على استقرار حالته الصحية، يحتاج مريض الاضطرابات النفسية أيضاً إلى متابعة علاجية مستمرة. لا فرق بينهما سوى تقبّل المجتمع لهذه الحقيقة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.