الكتلة العضلية سلاح بيد مريض السرطان... هكذا يجري بناؤها؟
يتعرض مريض السرطان لأضرارٍ عديدة، منها ما ينتج من المرض في ذاته ومنها ما يأتي من الآثار الجانبية للعلاجات التي يخضع لها. ويعتبر تراجع الكتلة العضلية من المشكلات التي يواجهها مرضى السرطان ونادراً ما يجري تسليط الضوء عليها، رغم ما تؤدي إليه من نتائج. مواجهة هذه المشكلة، أياً يكن، سبببها ضرورية تجنباً للأضرار البعيدة المدى التي يمكن أن يتعرض لها المريض جراء ذلك. هذا ما شددت عليه الخبيرة في التغذية الرياضية وتغذية مرضى السرطان ماري-جوزيه ديمرجيان ضمن محاضرةٍ نظمتها جميعة "بربارة نصار لدعم مرضى السرطان".
تراجع الكتلة العضلية... مشكلة مهمَلة
غالباً ما لا يجري التركيز على العضلات لدى مريض السرطان باعتبار أن ثمة نقاطاً كثيرة أخرى تعتبر من الأولويات في مرحلة المرض والعلاج. لكن للكتلة العضلية والحفاظ عليها أهمية كبرى لمريض السرطان ولأي شخص آخر. في الواقع، لا تقتصر أهمية العضلات ودورها على تعزيز القدرة على الحركة، بل لها دور جوهري أيضاً في:
-ضبط مستوى السكر في الدم.
-مكافحة الالتهابات.
-تعزيز القدرة على التعافي بالنسبة إلى مريض السرطان بشكل خاص وتحسين جودة الحياة خلال مرحلة المرض وبعدها.
-الحماية من الإصابات والكسور.
-تعزيز القدرة على التمتع بالاستقلالية في الحياة.
-الحدّ من التعب.
-الحدّ من الآثار الجانبية للعلاج، إضافةً إلى تقصير مدة الوجود في المستشفى. علماً أن العضلات تشكل العضو النشط الأكبر في الجسم وهي موجودة في كل من مواضع الجسم، ويؤثر الانخفاض في معدلاتها في موضعٍ معين على مختلف مواضع الجسم.
ويعتبر مريض السرطان بشكل خاص عرضةً للإصابة بضعف الكتلة العضلية لأسباب عديدة:
-الالتهابات التي يمكن أن يصاب بها بمعدلاتٍ زائدة، إذ يحفز السرطان الجسم على إفراز موادٍ إلتهابيةٍ تؤدي إلى تكسر العضلات.
-قلة الأكل نتيجة فقدان الشهية والغثيان، ما يؤدي إلى تراجع كميات السعرات الحرارية والبروتينات التي يحتاجها الجسم، فيستخدم العضلات مصدراً للطاقة. حتى أنه في هذه المرحلة يزيد احتمال التعرض لسوء التغذية بسبب قلة الأكل وانخفاض الشهية ما يؤدي إلى انخفاض الوزن.
لكن، توضح ديمرمجيان أنه في هذه الحالة ليس من الضروري أن يكون خفض الوزن مرتبطاً بالدهون، بل يمكن أن تكون له علاقة بانخفاض مستوى العضلات في الجسم. وهذا قد لا يظهر من حيث الشكل.
-قلة النشاط الجسدي نتيجة الإرهاق والتعب في مرحلة المرض والعلاج وطول فترات الركود. يؤدي ذلك إلى خسارة العضلات وضعفها، وعندما يظهر لدى مريض انخفاض في العضلات، تتراجع معدلات القوة في الجسم مختلف المواضع، كما تتراجع أيضاً المناعة والقدرة على تحمل العلاج وحتى على التعافي السريع. حتى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن زيادة الكتلة العضلية تزيد من قدرة الجسم على التعافي ومقاومة المرض والعيش بعد الإصابة بالمرض، بما أن ذلك يساعد على الحدّ من الالتهابات وعلى زيادة مضادات الأكسدة في الجسم. حتى أنه تبين أن الأشخاص الذين لهم معدلات أعلى من الكتلة العضلية لهم معدلات عيش تزيد بنسبة 70 في المئة بعد التعافي بخمس سنوات.
في مواجهة خسارة الكتلة العضلية
نظراً إلى أهمية الكتلة العضلية بالنسبة إلى مريض السرطان بشكلٍ خاص، من المهم الحرص على الحفاظ عليها وعلى تعزيزها لتحسين فرص التعافي وللاستفادة من كل إيجابيتها. وتعتبر التغذية سلاحاً مهماً في مواجهة خسارة الكتلة العضلية إلى جانب النشاط الجسدي.
أولاً: في التغذية
تشير ديمرمجيان إلى أن البروتينات تحتل المرتبة الأولى بين مختلف المجموعات الغذائية لجهة أهميتها للكتلة العضلية، فهي تبني العضلات وتحميها. كما أنها تساعد في الحفاظ على القوة في الجسم وتجنب خسارة الكتلة العضلية وتسريع عملية التعافي وتحسين صحة الخلايا. والمقصود بالبروتينات تلك التي من مصادر نباتية مثل العدس والفول والحبوب بأنواعها، وأيضاً المصادر الحيوانية مثل اللحوم بأنواعها واللبن والبيض. لكن تعتبر البروتينات ذات المصدر الحيواني من البروتينات الممتازة كون الجسم يمتصها بمعدلاتٍ أعلى وبشكلٍ أفضل من البروتينات النباتية. كما أنها تحتوي على الأحماض الدهنية الأساسية التي لها أهمية كبرى للعضلات والخلايا. لكن في حال الرغبة في التركيز على البروتينات النباتية، من الأفضل تناول أنواعٍ عدة في الوقت نفسه للاستفادة من أحماض أمينية عدةٍ فيها، وبالتالي يجب عدم التركيز على نوعٍ واحدٍ من البروتينات النباتية. وتنصح ديمرجيان بتوزيعها خلال النهار في كل وجبة، بدلاً من تناولها كلها في وجبةٍ واحدةٍ حتى يتمكن الجسم من الاستفادة منها، بخاصة في فترة العلاج.
أما النشويات فتشكل مصدراً للطاقة في الجسم ومن دونها لا يقوم الجسم بوظائفه بشكلٍ كاملٍ وطبيعي. حتى أن النشويات تخفف الإحساس بالتعب وتساعد على امتصاص البروتينات بشكلٍ أفضل، إضافةً إلى كونها تساعد على تحسين المزاج. لذلك، من المهم التركيز على النشويات في الوقت نفسه في حال الرغبة في تعزيز الكتلة العضلية لأنها تلعب دوراً مهماً في ذلك أيضاً رغم الأفكار السائدة. هذا ما يساعد على تأمين الغذاء الكامل للجسم، مع أهمية التركيز على النشويات المركبة، أي تلك التي بالحبوب الكاملة مثل خبز الشوفان أو خبز القمحة الكاملة أو البرغل والرز الاسمر والفاكهة والخضر.
وتعتبر الدهون أيضاً مهمةً لدعم الصحة والطاقة وهي تدعم الهرمونات في الجسم وتؤمن إحساساً بالشبع لوقتٍ أطول، وهذا ما يعتبر مهماً بشكلٍ خاصٍ لمن يتناولون علاجاً بالكورتيزون. في الوقت نفسه هي تساعد على الحدّ من الالتهابات، خصوصاً إذا كانت تحتوي على الأحماض الدهنية أوميغا 3 مثل الجوز والبذور والسمك الغني بالدهون مثل السلمون والمكسرات النيئة لتأمين الطاقة للجسم. إضافةً إلى زيت الزيتون الذي يعتبر مهماً للطهو أو يضاف إلى الأكل على البارد.
وهنا نصيحة: يمكن لمن يعاني من فقدان الشهية في مرحلة المرض تناول وجباتٍ عدةٍ صغيرةٍ خلال النهار بدلاً من التركيز على وجباتٍ كثيرة، شرط دعمها بالبروتينات والدهون الصحية والنشويات المركبة.
ثانياً: في النشاط الجسدي
يعتبر النشاط الجسدي في غاية الأهمية أيضاً لتعزيز الكتلة العضلية، فهي تساعد على تحسين حساسية الإنسولين في الجسم عبر استخدام السكر للرياضة والطاقة. كما يساعد النشاط الجسدي على الحدّ من الالتهابات والحفاظ على الكتلة العضلية وتعزيز مستوياتها. أما أنواع الرياضة المثالية فهي تمارين التحمل مثل المشي وركوب الدراجة، فهي تساعد على تعزيز قدرات الجسم والاستقلالية للمريض. وتنصح ديمرجيان بممارستها من 3 إلى 5 مرات في اليوم مع إمكان البدء بما لا يزيد عن 15 دقيقة وتجري زيادتها تدريجاً.
أما تمارين القوة فترتبط برفع الأوزان أو التي تعتمد فيها الشرائط المطاطة بهدف الحفاظ على القوة لدى مريض السرطان. ويمكن ممارستها بمعدل 3 إلى 5 مرات بدءاً بـ15 دقيقة وبحسب قدرة الجسم. لكن يبقى الشرط الاساسي استشارة الطبيب أولاً قبل البدء بممارسة الرياضة.
نبض