تستهدف القنابل والغارات المباني والبنى التحتية والأفراد في الحروب، فيما تأتي الحرب النفسية من ضمنها لتستهدف معنويات الخصم فتشكل جزءاً لا يتجزأ منها. تعتمد فيها دعايات ووسائل وأدوات متنوعة تستند إلى معطياتٍ ترتبط بعلم النفس وتحديداً علم النفس الحربي، وأيضاً علم الاجتماع وغيره من العلوم. واليوم، أصبحت تشكل جبهةً مهمة في الحروب الحديثة تعتمد عليها بشكل أساسي الأطراف المتنازعة كأداةٍ استراتيجية وفاعلة وفنٍ للتلاعب بالعدو من أجل كسب المعركة.
وتشهد الحرب مع اسرائيل في كل مرة حرباً نفسية شرسة تستخدم فيها أدوات عديدة لكسر المعنويات وإضعاف الطرف الآخر، سواء من خلال الخطابات الترهيبية أم من خلال رمي المناشير أو التهديدات المباشرة المتكررة، أم نشر الفيديوهات التي تنقل مشاهد دقيقةً لعمليات استهداف.
الحرب النفسية عبر التاريخ
الحرب المعنوية أو الحرب السيكولوجية أو الحرب النفسية مصطلحات عدة تدور في فلكٍ واحد، وقد تناولها العلماء طويلاً في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الحربي. حتى أن البعض أطلق عليها تسمية الحرب الباردة أو حرب الأفكار، لكن أياً تكن التسمية التي تطلق عليها، هي تعرف بكونها من أشكال الصراعات الهادفة إلى التأثير على الخصم وإضعاف معنوياته وتغيير أفكاره، لتحل محلها أفكار أخرى في خدمة من يشن هذه الحرب النفسية.
ليس مفهوم الحرب النفسية حديثاً بل اعتمدت في العصور القديمة مع فيليب الثاني المقدوني ضد أثينا وحتى مع الإغريق، وفي العصور الوسطى وفي حقبات عديدة أخرى تم فيها اللجوء إلى الحرب النفسية لبث الرعب في نفوس الأعداء، عبر التهويل وإطلاق الشائعات لإضعاف معنويات المقاتلين. لكن مصطلح الحرب النفسية ورد أولاً في التاريخ مع الكاتب الألماني الكولونيل بلاو في عام 1930بعنوان "ما معنى الدعاية؟" الذي تناول فيه أسس الحرب النفسية. بعدها، في الحرب العالمية الثانية، شاع استخدام مصطلح الحرب النفسية في نطاقٍ أوسع من الحلفاء ودول المحور. وفي نسخةٍ للبحرية الأميركية في عام 1946 جاء: "المهمة الأساسية للحرب النفسية هي فرض إرادتنا على إرادة العدو بغرض التحكم بأعماله بطرقٍ غير الطرق العسكرية ووسائلٍ غير الوسائل الاقتصادية". ومع التطور الذي لحق بأدوات الحرب النفسية، أصبحت لا تقل قسوةً عن الحروب العسكرية لما لها من تأثيرٍ على المعنويات والمشاعر والأفكار ضمن الخطة التي تضعها الأطراف المتنازعة.
حرب من نوع آخر
في الحرب الدائرة حالياً بين اسرائيل وأميركا، من جهة وإيران و"حزب الله" من جهة، يجري الاعتماد إلى حدٍّ كبير على أدوات الحرب النفسية ووسائلها. وليست هذه المرة الأولى التي تشكل فيها الحرب النفسية أداةً أساسية في الحرب الدائرة بين هذه الأطراف. فإسرائيل تركز على إنذارات الإخلاء والقصف والرسائل المباشرة لبث الرعب في النفوس والضغط على المدنيين وعلى "حزب الله" وإيران، وعلى الاغتيالات المدروسة لقياداتٍ معينة بهدف رفع مستويات الخوف، وعلى الحرب الإعلامية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر نشر فيديوهاتٍ تظهر حجم الدمار الذي تحمل مسؤوليته إلى "حزب الله" وإلى إيران. ومن الوسائل التي اعتمدتها أيضاً اسرائيل في إطار الحرب النفسية المناشير التي رميت فوق عدد من مناطق بيروت. علماً أن المناشير تستخدم غالباً في الحروب لكسر معنويات الناس والعدو. لكن الجديد فيها هذه المرة أنها حملت رمز استجابةٍ سريع يقود إلى أرقامٍ للتواصل المباشر أو إلى صفحاتٍ على وسائل التواصل.
إما من جانب "حزب الله" وإيران، فيجري التركيز على فيديوهات استهداف مواقع عسكرية والخطابات السياسية التي تحمل لغة التهديد والترهيب والتهديدات المباشرة للعدو بهدف التأثير النفسي.
تشير الاختصاصية في المعالجة النفسية لانا قصقص في حديث إلى "النهار" إلى أن معظم الأدوات المعتمدة في الحرب النفسية حالياً هي حسية، ويُعتبر تحليق الطيران الحربي على علو مخفوض وجدار الصوت وطائرات الاستطلاع وأصواتها من وسائل الضغط والتخويف التي تعتمد على نطاقٍ واسع. هذه الأدوات تجعل الجهاز العصبي في حالة استنفارٍ دائم لدى الناس عموماً. كما أن الإنذارات بالإخلاء من وسائل الضغط النفسي التي تعتمدها إسرائيل بشكلٍ أساسي، إضافةً إلى الأدوات الرقمية التي ترتبط بوسائل التواصل الاجتماعي ومنها المناشير التي تحمل تحذيراً أو أنها قد تعتمد وسيلةً للاستقطاب أو الشائعات عن هجماتٍ محتملة لبث الرعب في النفوس وزعزعة ثقة الطرف الآخر. وتشكل وسائل التواصل الاجتماعي وسيلةً مهمة معتمدة اليوم في الحرب النفسية، إلى جانب الاتصالات التي يتلقاها الناس والصور والرسائل إلى الناس لزعزعة الإدراك ونشر حالة ارتباكٍ، فيظهر من ذلك العدو أنه يملك القدرة المطلقة من خلال كل هذه الأدوات. وبقدر ما تعتمد هذه الأدوات مع قرب جغرافي معين، بحسب قصقص، يزيد تأثيرها على الجهاز العصبي للناس، إضافةً إلى تكرارها واستمراريتها. من دون أن ننسى أن الغموض وعدم اليقين يزيدان من الإحساس بفقدان السيطرة لدى الطرف الآخر الذي يعيش تحت أثر هذا النوع من الضغوط. كما أن الهشاشة النفسية بسبب التاريخ الطويل من الصدمات في حروبٍ سابقة وضعف الوصول إلى الخدمات في لبنان مثلاً أو في أي بلد آخر، يزيدان من تأثير هذه الوسائل.
الحرب النفسية...آثار مباشرة واضحة
بالنسبة إلى الناس عموماً، يختلف أثر الوسائل المعتمدة في الحرب النفسية عنه لدى الأطراف المتنازعة. تشير قصقص إلى آثارٍ مباشرة واضحة: القلق-الخوف- التوتر-اضطرابات النوم والأكل- فرط اليقظة واستنفار الجهاز العصبي وصعوبة التركيز واتخاذ قرارات -الإنهاك النفسي- ضعف الأداء الوظيفي- إضطرابات ما بعد الصدمة على المدى البعيد واكتئابٍ وقلق مزمن .
يعتبر الأطفال الأكثر تأثراً بمثل هذه الظروف وأيضاً النازحون ومن لهم تاريخ طويل من الصدمات. لكن من هم في الخطوط الأمامية يعانون الإجهاد بشكلٍ خاص بسببها. لكن يبقى الهدف الأساسي لهذه الأدوات إضعاف معنويات الخصم وخفض الرغبة بالمقاومة ورفع احتمال الاستسلام والانسحاب وتراجع القدرة على اتخاذ القرارات الصائبة. كما أنها في الوقت نفسه، تسعى أيضاً إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وهي وسيلة تعتمدها إسرائيل بشكلٍ واضح في حروبها لخلق حالةٍ من الإرباك بسبب الأخبار المضللة التي تزيد من الضغوط والتوتر بين الأشخاص فتنشر الشك والخوف.
لكن رغم الأثر الكبير الذي تتركه الحرب النفسية ووجودها البارز في الحروب والصراعات، تشكك قصقص في كونها قد تغير في مسار الحروب بشكلٍ منعزل ومستقل. فثمة عوامل عديدة تلعب دوراً في تحديد مسار الحرب من عمليات عسكرية واستعمال القوة والمفاوضات والأثر الاقتصادي وسياقاتٍ عديدة أخرى تحدد هذا المسار. إلا أن هذا لا يمنع أن الحرب النفسية تلعب دوراً لا يمكن الاستهانة به في الحروب ومع تطور أدواتها في العصر الحديث زادت فاعليتها بشكلٍ واضح، فيما تبرز أهمية الحرص على التماسك المجتمعي كون التفكك يخفض القدرة على المواجهة. كما يجب التنبه إلى عدم الانجرار وراء الأدوات النفسية التي يعتمدها العدو.
نبض