العناية بالنفس في ظروف الحرب...أنانية أم مرونة نفسية؟

العناية بالنفس في ظروف الحرب...أنانية أم مرونة نفسية؟
العناية بالنفس لتعزيز المرونة النفسية
Smaller Bigger

في ظروف الحرب الدائرة في المنطقة ولبنان، يبدو تحصين الصحة النفسية المتضررة من الخطوات الصعبة. ففيما تتزايد الضغوط النفسية والأعباء التي يصعب تخطيها في ظل سيطرة أخبار الحرب والدمار والقصف والخطر، تبدو العناية بالنفس ضرورية في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى، لأن منها تبدأ عملية تعزيز الحصانة النفسية، وفق ما أوضحت الاختصاصية في المعالجة النفسية جيزال نادر. لكن، في الوقت نفسه، تبرز أهمية تحقيق التوازن بين العناية بالنفس وتقديم المساعدة للآخرين بما أن الحسّ الإنساني يفرض التعاطف مع الآخرين، خصوصاً المتضررين مباشرةً.


ما مدى أهمية العناية بالنفس لتحصين الصحة النفسية؟
يتأثر الجميع نفسياً في فترة الحروب بسبب الخوف وحالة عدم الاستقرار وعدم الشعور بالأمان والقلق والصدمات واضطراب ما بعد الصدمات، وصولاً إلى الشعور بالذنب الذي يعانيه من ليسوا متضررين بشكل مباشر. في هذه المرحلة، تبدو العناية بالنفس كالتهمة التي تلاحق من يقوم بها، إذا كان من غير المتضررين مباشرة باعتبارها قلة اهتمام بما يحصل من كوارث.  لكن لا بد من التمييز بين العناية بالنفس من أجل تحقيق المرونة النفسية، من جهة، والاستهتار بمشكلات الآخرين، من جهة ثانية، بحسب نادر.
تعتبر المرونة النفسية هي قدرة الإنسان على التكيف مع الظروف الصعبة، وحفاظه على التوازن بعد الصدمات والضغوط. وتشدد نادر على أن المرونة النفسية لا تعني عدم التأثر بما يحصل، بل إن الشخص المعني يتأثر، ويؤثر ذلك في مزاجه في مرحلة أولى، ثم مزاجه يعود ليتحسن، وفق حركة تشبّهها بالموجة وحركتها، فيكون هناك تأثر وحزن وربما بكاء في مرحلة أولى، في الوقت الذي يكون هناك قدرة على النهوض بسرعة تختلف بحسب قوة الصدمة وتأثيرها. لكن الصدمة يمكن أن تدوم قرابة شهر حتى يكون هناك نهوض بعدها بفضل المرونة النفسية التي يتحلى بها الإنسان، وهو وضع سليم يؤكد التوازن. 

كيف تؤثر الحروب في الصحة النفسية للأفراد؟

تتسبب الحروب بأعراض عديدة لدى الكثير من الناس منها:
- القلق المزمن.
- الاكتئاب.
-اضطراب ما بعد الصدمة، خصوصاً عند رؤية مشاهد الدمار وسماع أصوات القصف أو عيش لحظات خطرة، إذ يولد ذلك صوراً تتجمع في الذاكرة،  ثم تعود مجدداً في كل مرة يتم فيها عيش ظروف مشابهة، بما فيها من أصوات ومشاهد. كذلك، تسبب ردود فعل مشابهة، وإن لم يكن الخطر المباشر موجوداً.
-الإحساس بالذنب بسبب التعاطف، ولو كان الشخص بعيداً عن الخطر، لأن فكرة الحرب لدى الجميع هي فكرة مخيفة وتؤثر بشكل جماعي في الجميع.


في حال عدم الاهتمام بالذات ورعاية النفس تزيد الضغوط النفسية وتتأثر الصحة النفسية بمعدلات كبيرة، بل من الممكن أن تظهر الأحاسيس السلبية المرتبطة بتداعيات الحرب على الصحة النفسية بمعدلات مرتفعة. بحسب نادر، عندما تطول الحرب لا يمكن إهمال الصحة النفسية بسبب ظروف الحرب، لأن لذلك تداعيات لا يمكن الاستهانة بها، كما لا يمكن اعتبار العناية بالنفس رفاهية عندها. لذلك، أياً كان دور الشخص المعني، سواء كان من العاملين في الصفوف الأمامية أم صحافياً في التغطية الميدانية أم من العاملين في المجال الصحي أم من المتضررين أم من غير المتضررين بشكل مباشر، فمن المهم العناية بالنفس والحفاظ على الصحة النفسية لحماية الجهاز النفسي من الانهيار وتنظيم المشاعر وجمع الطاقة اللازمة وتعزيز القدرة على المواجهة لتقديم المساعدة إلى الآخرين عند الحاجة. وهذا ما يعرف أيضاً بالصمود النفسي.

ما الخطوات التي تدخل في إطار العناية بالنفس والحفاظ على الصحة النفسية؟
-النوم بمعدلات كافية وتوفير الراحة للجسم.
-متابعة الأخبار بشكل محدود، وبقدر ما تكون هناك حاجة لذلك.  
-الحفاظ على روتين يمكن قدر الإمكان من ممارسة النشاطات التي جرت العادة أن تتم ممارستها، إذا كانت الظروف تسمح بذلك.
-التحدث عن المشاعر والتعبير عنها من دون ضوابط. 
-الصلاة وممارسة الطقوس الروحانية المعتادة لمن اعتاد ذلك.
-تخصيص أوقات معينة، ولو ساعة في اليوم، للقيام بعمل أو نشاط بعيداً عن أجواء الحرب والظروف التي تفرضها.
-ممارسة تمارين التنفس والتأمل، ولو لدقائق معدودة، لتهدئة الذات وتعزيز القدرة على التصرف بهدوء عند الحاجة.
-في حال عدم القدرة على التأقلم يجب طلب المساعدة النفسية المختصة.
توضح نادر بأن المرونة النفسية تكون على مستويات متفاوتة، وهي تختلف إلى حد كبير بين شخص وآخر. فالعض يتحلى بمستويات مرونة عالية بعكس آخرين ليست لهم هذه الميزة. وهذا التفاوت يرتبط بعوامل عديدة:
-عوامل وراثية.
-عوامل اجتماعية.
-عامل التربية.
التعرض المتكرر للصدمات يعلّم الشخص كيفية التعامل معها بمعدل أكبر ممن لم يعيشوا تجارب مماثلة سابقاً. وقد يكون هذا ما يميز المواطن اللبناني عن المواطن في الخليج، الذي لم يعش تجارب مماثلة سابقاً. وقد أصبح هناك مفهوم علمي شهير عن اللبنانيين هو موضوع دراسات كثيرة في علم النفس الاجتماعي وهو "ظاهرة المرونة اللبنانية" باعتبار أن اللبنانيين من الشعوب التي عاشت حروباً كثيرة. وفي هذا الإطار، تشير نادر إلى حالة النمو في ما بعد الصدمة، إذ يزيد مستوى تقدير الحياة وتخطي التجارب المرة فتتعزز عندها العلاقات الإنسانية، ويكون هناك إحساس أعلى بالهدف وبالأولويات في الحياة، فيكون قد استفاد إيجاباً على المستوى النفسي من تجربة الحرب بدلاً من أن تكسره وتقوده إلى الانهيار.
وتشير نادر إلى دراسةٍ، تابعت لمدة 10 سنوات مدنيين كانوا قد تعرضوا إلى قنابل عنقودية في حرب 2006، ومن نتائجها أن نسبة اضطراب ما بعد الصدمة بلغت 98 في المئة بعد الحرب مباشرة، فيما انخفضت بعد 10 سنوات بنسبة 43 في المئة. أما العوامل التي ساعدت على ذلك فهي الدعم العائلي والإيمان والروابط الاجتماعية، ما يؤكد أن اللبنانيين يتحلون بمرونة نفسية كبيرة. كذلك، بينت دراسة أجريت بعد انفجار مرفأ بيروت على 419 طالباً جامعياً أن نسبة 31,5 في المئة عانوا اضطراب ما بعد الصدمة، بسبب جائحة كورونا، ونسبة 26 في المئة بسبب انفجار المرفأ بيروت، ونسبة 40,3 في المئة بسبب الأزمة الاقتصادية، ما أكد أن القلق والاكتئاب يزيدان من اضطراب ما بعد الصدمة، فيما الاستقرار المالي والدعم يقللان من الأعراض.
لذلك، لا بد من تأكيد أن الاهتمام بالذات ليس عبارة عن أنانية بل هو نوع من المقاومة والصمود ليؤدي كل إنسان دوره في الحياة، وليتمكن من النجاة ومتابعة حياته بعد هذه التجربة المرة.

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/6/2026 10:26:00 PM
ماكرون: فرنسا تعمل لمنع اتساع النزاع وتدين استهداف قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان
المشرق-العربي 3/6/2026 10:01:00 PM
رويترز: المخابرات التركية طلبت من MI6 المساعدة في حماية الرئيس السوري أحمد الشرع… وأنقرة تنفي.
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن