القلق الجماعي واضطراب ما بعد الصدمة... آثار نفسية للحرب لا تظهر بوضوح
الدمار والضحايا والتداعيات الاقتصادية هي نتائج مرئيّة كارثية للحروب، إلا أن ما تخلّفه من آثار نفسية عميقة من لحظة اندلاعها حتى ما بعد انتهائها لا تقلّ خطورة. فهي تؤدي إلى جروح عميقة لا تلتئم بسهولة ولو مع مرور الوقت. قد لا يتعامل الجميع مع مثل هذه الظروف بالطريقة نفسها، وعوامل عديدة تؤدي دوراً في اختلاف أثر الحرب بين شخص وآخر في ما تسبّبه من صدمات نفسية وآثار على المديين القريب والبعيد.
القلق الجماعي أولى النتائج
التهديد بالموت والتهجير وفقدان الممتلكات والتعرّض لإصابات جسدية والعنف المحيط وفقدان الأهل والأخبار السلبية المتداولة حول الحرب، كلّها عوامل تترك أثرها على كل فرد، وإن بنسب متفاوتة. هذا ما يعرّض كثيرين لصدمات نفسية قد تمتد بتداعياتها على المدى البعيد وتخلّف ذكريات مؤلمة يصعب تخطيها. بالنسبة إلى المواطن اللبناني هو يتعرّض من سنوات عديدة لصدمات متتالية بسبب الأزمات والأحداث التي يمر بها. ورغم كل ما يقال عن الصفات التي يتسم بها من صمود وصلابة، يؤكد الخبراء أن الأزمات المتتالية والصدمات كلّها تجعل منه أكثر هشاشةً من الناحية النفسية في الواقع ولا تزيده صموداً كما يعتقد البعض. وقد بلغ مرحلة لم تعد فيها الإصابات الجسدية هاجساً له، بل أصبح الهمّ الأساسي تلك الجروح النفسية التي يصعب أن تلتئم مع مرور الزمن وما قد تخلفه الصدمات النفسية التي يتعرض لها. والوضع لا يبدو أقل صعوبة في دول الخليج التي تتعرّض للضربات الإيرانية المتواصلة منذ أيام. تسبّبت هذه الضربة بحالة من الذعر والخوف، خصوصاً أنها دول تنعم بحدّ أقصى من الاستقرار والأمان ولم تواجه سابقاً مثل هذه الظروف. ففي هذه الدول، يواجه المواطنون والمقيمون شعوراً بوجود تهديد يرتبط بمرور الصواريخ فوق المناطق السكنية وحصول انفجارات في أماكن تعج بالسكان الذين كانوا يعيشون بأمان. هذا ما أدى إلى تفاقم المخاوف في ظل حالة من عدم الاستقرار والقلق وإلى حالة من الذعر بين السكان مع سماع دويّ الانفجارات غير المسبوقة واهتزاز المباني وظهور كرات النار في السماء. في ظل هذه الاستهدافات، أصبح الاستقرار النفسي للمواطنين والمقيمين مهدداً.
يضاف إلى ذلك أن استهداف المطارات الآمنة والتغيير في مواعيد الرحلات وإغلاق المجال الجوي أدّت إلى حالة ارتباك وإلى زعزعة الشعور بالأمان.
وتُعدّ حالة القلق الجماعي من النتائج النفسية المباشرة لمثل هذه الظروف الصادمة. وبحسب المحللين النفسيين هي عبارة عن استجابة نفسية وعصبية طبيعية نتيجة التهديد المستمر والدمار وفقدان الأمان. أما الأعراض التي تنتج من هذا الأثر المباشر للحرب والقلق الجماعي المرتبط به فهي:
- الاضطراب النفسي وسيطرة الخوف الدائم والشعور بالعجز والحزن الشديد.
- الانفصال عن الواقع.
- صعوبة السيطرة على المشاعر.
- الذعر.
- اليقظة.
- التوتر المزمن.
- الغضب.
- العزلة لدى الأطفال أو السلوك العدواني لديهم. ويمكن أن يؤثر ذلك على نموّهم الجسدي والنفسي.
في مثل هذه الظروف قد يكون من الصعب تخطي حالة القلق التي تسيطر بسبب صدمات الحرب المباشرة والضغوط وحالة عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بالأحداث. لكن في الوقت نفسه، قد تساعد بعض الإجراءات على الحد من الأعباء التي تفرضها الظروف بكل ما لها من تداعيات:
- تفريغ المشاعر مع الأصدقاء والعائلة.
- التطوّع الاجتماعي والتكافل والانطلاق في مبادرات إنسانية لتقديم المساعدة.
- الرعاية الذاتية وممارسة تمارين الاسترخاء والتأمل واليوغا قدر الإمكان.
اضطراب ما بعد الصدمة أثر نفسي بعيد الأمد
يُعد اضطراب ما بعد الصدمة من الآثار النفسية التي يمكن أن تترتب عن ظروف الحرب والهجمات والقصف وما يرافقها من توتر وضغوط نفسية. وبحسب الاختصاصية في المعالجة النفسية لانا قصقص، اضطراب ما بعد الصدمة هو اضطراب نفسي يتطور لدى الشخص بعد التعرّض لتجربة صادمة فردية أو جماعية مهددة للحياة مثل الحرب، علماً بأن اضطراب ما بعد الصدمة مصطلح استُخدم أولاً في عام 1980 بعد حرب فيتنام ومعاناة الجنود الأميركيين أعراضاً معيّنة بعد عودتهم إلى منازلهم وحياتهم الطبيعية.
وفي اضطراب ما بعد الصدمة، غالباً ما يسترجع الإنسان الذكريات المرتبطة بالصدمة وكأنها تتكرّر ويعود إليها باستمرار. أيضاً يعاني كوابيس وقلقاً مستمراً ويقظة مفرطة وانفعالاً زائداً أو ارتباكاً زائداً أو تشاؤماً وعزلة وشعوراً باليأس وتقلبات في المزاج وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية. ويسترجع المكان الذي تعرّض فيه للصدمة حتى بعد انتهائها. أيضاً يتجنب الأماكن والأنشطة التي تعزز تلك الذكريات المرتبطة بالصدمة. حتى إنه يفضّل عدم الحديث عن الحدث لتجنب استعادة تفاصيله والتفكير فيه. ويمكن أن يتعرّض من يعاني اضطراب ما بعد الصدمة لأعراض جسدية، بحسب قصقص، مثل ضربات القلب والدوخة.
مع الإشارة إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة يظهر عادة خلال أسبوع إلى ثلاثة أشهر من الصدمة. لكن عندما يكون الإنسان في قلب الصدمة والحرب، لا يظهر الاضطراب الآن بل في مرحلة لاحقة.
بحسب قصقص، ثمة عوامل معينة تؤثر على تطوير هذا الاضطراب لدى البعض مثل طبيعة الحدث وحدّته والاستعداد النفسي لدى الشخص ونظام الأمان لديه. وتجدر الإشارة إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة يظهر على أثر أحداث صادمة ومهددة للحياة والاستقرار النفسي. لكن ليس كل من يتعرّض للصدمة عرضةً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة. وقد يختلف ذلك بحسب الخصائص الفردية والاجتماعية وبحسب حدة الصدمة وطبيعتها.
أما الأكثر عرضةً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة فهم:
- النساء قد يكنّ أكثر ميلاً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.
- من لهم تاريخ من الصدمات المتكررة.
- من سبق أن كانت لهم تجارب اضطرابات نفسية على أنواعها كالانفصام وغيره.
- من لا يتوافر الدعم اللازم لهم في المحيط.
- من عانوا إهمالاً في الطفولة.
- من يعملون في قطاعات معيّنة كالإنقاذ والقطاع الصحّي.
- الجنود والمقاومون لأنهم يتعرضون باستمرار لمواقف مهددة للحياة.
ومَن سبق أن تعرّض لصدمات متكررة أكثر عرضة لإصابات نفسية وآثار تؤثر فيه. لكن نظام الدعم في المحيط قد يساعد على الحد من وقع الصدمة.
متى تكون هناك حاجة إلى اللجوء إلى مساعدة نفسية؟
تبرز الحاجة إلى اللجوء إلى المساعدة النفسية عندما تنتهي الصدمة وتستمر الأعراض لأكثر من شهر، خصوصاً إذا تزايدت الأعراض مع مرور الأيام وتمنع الشخص عن القيام بأنشطته المعتادة ويتعرّض لنوبات من الغضب والعدوانية مع صعوبة في التحكم بالنفس. أيضاً في حال وجود أفكار سلبية وأفكار انتحارية من المهم التوجّه مباشرة إلى اختصاصي في المعالجة النفسية. مع الإشارة إلى أنه في أيام الحرب والصراعات لا يُقدَّم العلاج النفسي بل تكون هناك إسعافات نفسية أولية. وتُعدّ كل الأعراض المرافقة لهذه المرحلة طبيعية ما دامت الحرب مستمرة، بما أن الجسم يتفاعل مع الصدمة بطريقة تؤمّن الحماية فيظهر ذلك في أعراض مثل:
- ضربات القلب السريعة.
- القلق.
- ألم رأس.
- ضيق تنفس نتيجة التفاعل مع الصدمة والحدث الذي يتكرر يومياً.
أما عندما تنتهي الحرب فيبدأ البحث في تأثيراتها وتداعياتها.
نبض