منع الأطفال من "السوشال ميديا" في مصر.. أسئلة صعبة عن إمكان التنفيذ
في الأيام الأولى لانعقاده، التقط مجلس النواب المصري تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تقييد وصول الأطفال إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فأعاد فتح الملف تحت قبته بوصفه محاولة لتنظيم الاستخدام وفق المراحل العمرية. وبين خطاب "الحماية" ومخاوف الخصوصية واستغلال البيانات، عاد النقاش ليركز على أخطار التنمر الإلكتروني، والمحتوى غير الملائم، والإدمان الرقمي وتداعياته على التحصيل الدراسي.
وبالتوازي، أعلن المجلس، في بيان رسمي، الاتجاه إلى حوار مجتمعي لصوغ ضوابط أكثر تحديداً، بعد ساعات من الإشارات الرئاسية إلى تجارب خارجية، بينها أوستراليا وبريطانيا وفرنسا، باعتبارها أمثلة على اتجاه عالمي يتصاعد لتقييد حسابات القصّر أو تقنين الوصول.
دولياً، تبرز أوستراليا كنموذج ينقل عبء المسؤولية إلى المنصات نفسها، عبر تعديل اتحادي على قانون السلامة على الإنترنت، يثبت حداً أدنى للعمر عند 16 عاماً، ويلزم مزودي "المنصات الخاضعة" اتخاذ "خطوات معقولة" لمنع من هم دون ذلك من إنشاء الحسابات أو الاحتفاظ بها.
وبحسب هيئة مفوض السلامة الإلكترونية الأوسترالية، دخلت القيود حيز التطبيق في 10كانون الأول/ ديسمبر 2025، وتشمل منصات كبرى مثل فايسبوك وانستغرام وسناب شات وتيك توك وإكس ويوتيوب، مع قابلية تحديث القوائم دورياً، وهي تفاصيل استحضرت في النقاش المصري بوصفها مرجعية مقارنة لاختبار ما يمكن تطبيقه وما يتعثر عند حدود الإنفاذ والخصوصية.
في المقابل، تظل التجربة المصرية محاطة بأسئلة تتعلق بإمكان التنفيذ والتحقق العمري وقابلية الإلزام عبر الحدود، وصولاً إلى أثر أي قيود على استخدامات رقمية يومية لا تنفصل عن التعليم والخدمات. في هذا السياق تتقصى "النهار" الإجابة عن هذه التساؤلات عبر مقابلة مع استشاري التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين في وزارة الاتصالات المصرية الدكتور محمد حجازي.
ثغرات التطبيق
يقول حجازي إن المنصات نفسها تضع قيوداً عمرية مكتوبة في الشروط والأحكام، بعض الخدمات لا يتيح الاستخدام لمن هم دون 13 عاماً، وأخرى ترفع الحد إلى 16 عاماً. لكن التطبيق على الأرض يكشف ثغرة كبيرة، كثيرون من أولياء الأمور يغيرون تاريخ الميلاد لفتح حسابات لأطفال أصغر سناً، كما يفعل بعض المراهقين، فتتحول القاعدة إلى قواعد بلا أدوات تحقق من تنفيذها.
ويضيف: "من هنا تظهر أول نقطة حاسمة في أي تشريع مقترح، ما نطاقه تحديداً؟ هل يستهدف منصات التواصل الاجتماعي فقط، أم يشمل الألعاب، أم يمتد إلى خدمات الإنترنت عموماً؟ لأن تعميم المنع على "الإنترنت" يصطدم فوراً بواقع تعليمي وخدماتي لا يمكن تجاهله، مدارس تستخدم الأجهزة اللوحية ومنصات التعليم الرقمي مثل Google Classroom، وحياة يومية تقوم على حسابات أساسية في أنظمة التشغيل والبريد والخدمات".
ثم تأتي معضلة التحقق العمري، يوضح حجازي: "إذا قيل إن المنصات يجب أن تمنع من هم دون 16 عاماً، فكيف سيتم التحقق؟ عبر مستندات رسمية، أم عبر فتح الكاميرا؟". ويحذر من أن الامتثال قد يدفع نحو توسيع جمع البيانات، بما يخلق قواعد معلومات بيانات حساسة عن المجتمع. ويضيف أن التحقق بالكاميرا قد ينتهي عملياً إلى معالجة بيانات بيومترية عالية الحساسية، وهو مسار يرفع تكلفة الخصوصية بدل أن يقلل الأخطار.
تظهر بدائل وسطية مثل اشتراط موافقة ولي الأمر، وهي مقاربة جرى الحديث عنها في تجارب أوروبية. لكن حتى هذه الصيغة لا تحسم إمكان التنفيذ، ولا تمنع الالتفاف عليها، كما أنها تعيدنا إلى سؤال المسؤولية المشتركة وحدود الولاية داخل كل أسرة.
وفي المقابل، قد تلجأ المنصات إلى تحليل سلوك الحساب لتقدير عمر المستخدم، لكن ذلك يفتح باباً قانونياً آخر، لأن "تحليل السلوك" يعني معالجة بيانات على نطاق أوسع، وقد يتجاوز الغرض الذي وافق عليه المستخدم، فتتحول الحماية إلى توسع غير مبرر في الرصد.
الدكتور محمد حجازي.
حلول صعبة
ثمة تحذير يتعلق بإلزام المنصات تطبيق القواعد الجديدة؛ يقول حجازي: "هذه منصات عابرة للحدود وليست موجودة على أرض الدولة بالمعنى التنفيذي المباشر. فما الأداة الرادعة عملياً؟ الحجب مثلا خيار شديد التكلفة سياسياً واقتصادياً، وقد يقدَّم باعتباره تقييداً للحريات، خصوصاً أن الحديث هنا عن وسائل اتصال وتعبير، لا عن خدمة هامشية.
ويتابع: "حتى لو افترضنا إمكان تقليل وصول القصّر إلى منصات بعينها، يبقى سؤال الخدمات الرقمية الأساسية، وحسابات الهواتف والأنظمة، واحتياجات الأسرة للتواصل مع الأبناء على مدار اليوم. وعندما نبحث عن تصور قابل للتطبيق، يظهر نموذج نظري واحد تقريباً، يتمثل بوجود جهة وطنية وسيطة للتحقق قبل الدخول إلى المنصات عبر آليات "إعرف عميلك" إلكترونياً (eKYC) وهوية رقمية تصدر محلياً.
لكن هذا الحل يفتح بدوره أسئلة صعبة، هل ستقبل المنصات الربط أصلاً؟ وكيف يمكن تعميمه على منصات وألعاب وخدمات لا حصر لها من دون خلق بنية رقابية ثقيلة، أو من دون تعريض بيانات المواطنين لمخاطر مضاعفة؟".
ويحذر من أي نقل حرفي للتجارب الدولية سيكون أمراً مضللاً، لأن البيئة العملية والتنظيمية هي الفارق. على سبيل المثال في الاتحاد الأوروبي مثلاً، تلعب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) دوراً محورياً في ملف بيانات الأطفال، كما أن آليات التعاون القضائي والتنفيذي داخل الاتحاد تجعل الإنفاذ أكثر واقعية.
ويقول حجازي في ختام حديثه لـ"النهار": "خارج هذا السياق، يصبح التشريع وحده أضعف من أن يحل المشكلة، ما لم يأت من ضمن رؤية متماسكة توازن بين حماية القصّر، وحق الخصوصية، وضرورات التعليم والخدمات، وقابلية التطبيق الفعلية".
نبض