النوم ليس مجرد فترة استراحة يومية، بل هو حجر الأساس لصحة الجسم والعقل... ولعمر طويل. فالنوم الكافي والجيد يؤدي دوراً حاسماً في حماية القلب، تعزيز المناعة، وإبطاء علامات الشيخوخة. وعلى العكس، تؤثر قلة النوم مباشرة على طول العمر وجودة الحياة. هذا ما توصّلت إليه دراسة "Sleep insufficiency and life expectancy at the state-county level in the United States, 2019–2025"، إذ اكتشف الباحثون فيها أنّ النوم كان أقوى المؤشرات على متوسط العمر المتوقع، متفوقاً على عوامل أكثر شهرة مثل النظام الغذائي، والنشاط البدني، أو العزلة الاجتماعية (كان التدخين العامل الوحيد الذي كان أكثر تأثيراً من النوم)، ما يعني أن الأشخاص الذين ذكروا أنهم يحصلون على سبع ساعات نوم أو أكثر ليلاً كانوا أكثر احتمالاً للعيش أطول من أولئك الذين يحصلون باستمرار على أقل من سبع ساعات نوم في الليلة.
قلة النوم وطول العمر...
أكدت دراسة "Cardiovascular Health and All-Cause Mortality: A Prospective Cohort Study" أنّ ارتفاع ضغط الدم المزمن يزيد من إجهاد الأوعية الدموية ومن خطر الإصابة بنوبات قلبية وسكتات دماغية، ويسرّع من تدهور وظائف المناعة والالتهابات المزمنة. ووجدت الدراسة أنّ الالتهاب المزمن يُعدّ عامل خطر مشتركاً لأمراض القلب وتأخُّر الشفاء؛ فالقلب السليم مع ضغط دم متوازن، ونظام مناعي قوي، معادلة ترتبط ارتباطاً مباشراً بطول العمر وجودة الحياة.
تشرح الدكتورة جوسلين ساسين فاخوري، المتخصصة في الأمراض الباطنية وأمراض الرئة ومشكلات النوم، والأستاذة المحاضرة في الجامعة اللبنانية - الأميركية، في حديث إلى "النهار"، بأنّ "العلاقة بين قلّة النوم وطول العمر ليست علاقة مباشرة إنما مرتبطة بعوامل صحية ونفسية عدة؛ فنوعية وتوقيت وكمية النوم عوامل أساس في هذا الإطار.
كمية النوم
"كيف يستيقظ الشخص صباحاً هو المعيار وليس عدد الساعات"، بحسب فاخوري. فهناك مَن ينام خمس ساعات ويستيقظ نشيطاً، وهناك مَن ينام 10 ساعات ويستيقظ متعباً. لذا، مدة النوم ليست الأساس، إلى جانب العامل الوراثي الذي يؤدي دوراً أيضاً؛ فعدد ساعات النوم قد يكون وراثياً أيضاً. كذلك، كلّما تقدم الإنسان بالعمر تقلّصت عدد ساعات نومه.
توقيت النوم
"جسم الإنسان يتّسم بساعة بيولوجية في دماغه تضبط عمليات حيوية في جسمه، أبرزها النوم وإفراز الغدد"، وفق فاخوري. وتضبط هذه الساعة توقيت النوم، وتلزم الإنسان بأن ينام ويستيقظ في أوقات ثابتة، إذ إن هذا الانتظام يؤدي إلى صحة جيدة. إضافة إلى التوقيت، يتألف النوم من دورات، وكل دورة تستغرق 90 دقيقة؛ وبين كل دورة وأخرى يستيقظ الإنسان بشكل بسيط؛ وفي كل دورة يمرّ الإنسان خلال نومه بمرحلة النوم الخفيف، ثم العميق، وبعدها مرحلة حركة العين السريعة.
وخلال دورات النوم، يؤثر الانتقال بين كل ودورة وكل مرحلة وأخرى في نوعية النوم.
الساعة البيولوجية ضابط إيقاع نومك... وجسمك!
"توقيت النوم ونوعيته وكميته عوامل، إن لم تكن منتظمة بعضها مع بعض، ستسبّب لصحة الإنسان مشكلات عضوية، مثل مشكلات القلب والضغط مثلاً"، تؤكد فاخوري. والسبب أنّ الساعة البيولوجية تضبط إفراز الغدد، ودقات القلب، وإفراز الأدرينالين، ومضادات التأكسد، وكلّ هذه العمليات مرتبطة بعملية النوم من خلال الساعة البيولوجية. هناك تأثير متبادل لإفراز الهرمونات والنوم، فإذا تأثرت الساعة البيولوجية، يتأثر النوم، ومعه إفراز الغدد في الجسم وعمليات حيوية عديدة. وهنا، يبدأ الجسم بالشعور بأعراض جسدية والمعاناة من أمراض عضوية، مثل القلب والضغط أو أمراض مناعية.
فكلّ إرهاق يصيب الجسم، وفق فاخوري، يقلّل من المناعة؛ وقلّة النوم إرهاق بحدّ ذاتها، إذ عندما يكون الجسم مرهقاً يفرز هرمونات مثل الكورتيزون؛ وكلما ارتفع الإرهاق ارتفع معه الكورتيزون، وقلّت المناعة، ما قد يعرض الإنسان للالتهابات أو مشكلات الغدد مثلاً؛ فمن العمليات الحيوية المضبوطة بالساعة البيولوجية فبركة الدم الأبيض من مصنع الدم. فدور الساعة البيولوجية عامة هو ضبط هذا التناغم بين كل هذه العمليات. إضافة إلى هذه الأمراض، قد تسبّب قلة النوم مشكلات في عمليات الأيض وخسارة الوزن والسمنة؛ فإفراز الأنسولين في الجسم مرتبط أيضاً بالساعة البيولوجية، وعملية الأيض تتأثر بقلة النوم أيضاً؛ فكلّما كان النوم أقلّ كانت عملية الأيض أبطأ، وبالتالي ارتفع احتمال الإصابة بالسمنة وصعوبة خسارة الوزن. بالتالي، تؤكد دراسات عديدة أن السمنة الزائدة وأمراض القلب قد ترتبط بحدوث جلطات في القلب أو الدماغ، وكلّها أمراض تؤثر على عمر الإنسان.
نبض