عندما تنقل اللعبة رسالة للحد من قلق الطفل ونشر الوعي بالإجراءات الطبية
تسبب الإجراءات الطبية والفحوص حالة قلق لمن يخضع لها، فكيف بالأحرى إذا كان طفلاً؟ تعتبر حالة القلق التي ترافق كل مشكلة تتعلق بالصحة هاجساً للكل بطبيعة الحال. لذلك من الممكن تفهّم المخاوف التي يشعر بها الأطفال في مثل هذه الحالات وهي منطقية تماماً لأن القلق طبيعي في ظروف مماثلة. وللحد من حالة القلق هذه، ولأن ألعاب الأطفال قد تكون الأقرب إليهم في مرحلة عمرية معينة، حرصت بعض الشركات على نقل رسائل من خلالها لتتحول إلى مصدر أمان لهم.

قلق تحاربه الألعاب
أطلقت "ليغو" مبادرة قامت فيها بتوزيع نماذج ألعاب بالتصوير بالرنين المغناطيسي وزعتها على مستشفيات في مختلف أنحاء العالم بهدف التخفيف من القلق الذي يمكن أن يواجهوه في هذه الحالة. الهدف من هذه النماذج مساعدة الأطفال على فهم هذا التدخل بمختلف مراحله بطريقة اللعب والحد من الخوف والحاجة إلى التخدير عند اللجوء إليه. وكانت الشركة أجرت دراسة تبين فيها أن النموذج ساعد فعلاً على الحد من القلق المرافق للفحص، إذ أن حالة القلق طبيعية لدى اللجوء إلى أي إجراء طبي، سواء بهدف التشخيص أم العلاج بين الأطفال بشكل خاص. وغالباً ما يتم اللجوء إلى تخدير الأطفال لتهدئتهم حتى يتمكنوا من الاسترخاء وتجنب التوتر في فترة تقارب 45 دقيقة عند اللجوء إلى التصوير بالرنين المغناطيسي.
تلك ليست المبادرة الأولى التي تلجأ إليها شركة ألعاب لتنقل من خلالها رسائل معينة إلى الأطفال في مواجهة المرض والإجراءات الطبية التي يمكن اللجوء إليها في أي مرحلة عمرية. وكانت شركة "باربي" أطلقت سابقاً مجموعة من الدمى من دون شعر لنشر الوعي بسرطان االأطفال ولمساعدة الأطفال على تقبل هذا االتغيير الذي يمكن أن يتعرضوا بسببه إلى ضغوط نفسية أو صدمة، كما يحصل عندما تحصل هذه الأمور بشكل مفاجئ ومن دون تحضير مسبق.
ومن الوسائل الترفيهية التي قد تعتمد بهدف الحد من الضغوط النفسية التي يتعرض لها الأطفال في حال الإصابة بالمرض تقنية VR المعتمدة أثناء خضوع الأطفال للعلاج الكيماوي. وهي من المبادرات التي سبق أن قامت بها جمعية Chance لدعم الأطفال مرضى السرطان وبدت فاعلة في الحد من الضغط النفسي والألم حتى أثناء الخضوع للعلاج.
مثل هذه الخطوات والمبادرات لا تحصل بطريقة عشوائية، فقد تكون ألعاب الأطفال والدمى الخاصة بهم الأقرب إليهم في مرحلة عمرية معينة، وخصوصاً في فترة المرض أو في الفترات التي يمرون فيها بحالة توتر. فإذا بها تتحول إلى مصدر للأمان عندما تحصل في حياة الطفل تحولات تقلقه ويشعر أن الأمور تخرج من سيطرته.
وفق ما توضحه الاختصاصية في المعالجة النفسية الدكتورة كارول سعادة في حديث إلى "النهار"، من الطبيعي أن يتخوف الطفل من أي إجراء طبي أو فحوص يخضع لها لأسباب عدة منها ما يتعلق بنموه كونه لا يملك القدرة الكافية على فهم الهدف منها أو السبب من وراء إجرائها خصوصاً إذا كان في سن مبكرة. كما أن الخيال الواسع للطفل يمكن أن يدفعه إلى تضخيم الأمور وتعزيز حالة الخوف والقلق التي يمر بها. فقد يعمد إلى تضخيم الأصوات أو الأجواء عموماً ما يجعله يتصور أن الأمور أخطر مما هي في الواقع. حتى أن مفهوم الوقت يختلف لدى الطفل عما هو عليه لدى الراشد. ومدة العلاج أو الفحوص قد تبدو له أطول بكثير مما هي عليه في الواقع ما يزيد من القلق لديه.
من جهة أخرى، للعوامل الحسية دور أيضاً في تعزيز مستويات القلق التي لدى الطفل. فهو قد يشعر بالأمور بطريقة انفعالية وأي تحفيز لحواسه يمكن أن يسبب له انزعاجاً يتخطى ذاك الذي قد يشعر به الراشد.
تضاف إلى ذلك العوامل العاطفية، إذ يعلم الكل أن الطفل يجد صعوبة في الانفصال عن أهله في مراحل معينة. ويمكن أن تفرض الفحوص أو بعض العلاجات أن ينفصل عنهم ما يزيد من الضغوط النفسية عليه. ومنها ما يفرض أحياناً عدم القيام بأي حركة فيشعر بقلق زائد وتوتر، إذ إن للطفل جهازاً عصبياً حسياً يتأثر أكثر من الراشد، إضافة إلى خوفه من القلق والوجع واعتقاده أنه سيتألم أكثر بكثير مما هو عليه الواقع. هي أمور ترتبط بالألم وفقدان السيطرة على الشعور الجسدي تزيد من القلق لديه.
علاقة خاصة مع اللعبة
ثمة علاقة خاصة تربط بين الطفل واللعبة الخاصة به. هذه العلاقة تبدأ من مرحلة عمرية مبكرة وتنمو مع الوقت، فيما يمكن أن تحصل تغييرات في طبيعتها. بالنسبة إلى الطفل هذه العلاقة في غاية الأهمية، إذ تتحول الألعاب إلى أدوات انتقالية ينفصل فيها عن أمه في علم النفس، وهذا ما يعزز الحس بالاستقلالية وتنمية الشخصية. هذه الألعاب تسهل عملية الانفصال بطريقة صحية. إنما بحسب سعادة من الممكن أن يكون لهذه الألعاب دور تثقيفي وتعليمي فتساعد على السيطرة على الإحساس بالخوف، كما عندما يلعب دور الطبيب أو الممرضة فيخفف من الرهبة التي يمكن أن يشعر بها عند التواجد مع طبيب.
كما أن ثمة أدواراً إسقاطية يقوم بها الطفل عند اللعب كما عندما يسقط على اللعبة أحاسيس لديه فيقدمها بشكل مختلف لتخطي صدمات وأمور على المستوى النفسي. انطلاقاً من ذلك، عندما يلعب بألعاب لها أدور تثقيفية طبية، من المؤكد أن ذلك يساعد على الحد من القلق لديه، بما أنه تربطه باللعبة علاقة خاصة. هو يتعرض بذلك تدريجاً إلى أمور تسبب له القلق والخوف بشكل تدريجي ما يخفف من الضغط النفسي الذي يمكن أن يشعر به في حال التعرض مباشرة لأمور معينة في الواقع. هذا هو الدور الذي تلعبه ألعاب مثل "باربي" و"ليغو" أو غيرها عندما يكون لها هدف توعوي تثقيفي فيتخطى هذه الامور بسهولة كبرى.
وبحسب سعادة أثبتت دراسات أن اللعب بهذا الشكل يخفف من التوتر ومن الحاجة إلى التخدير لدى اللجوء إلى هذه الإجراءات الطبية بنسبة 40 في المئة. كما تساعد على الحد من مستويات القلق. لكن يبقى الشرط الأساسي استخدام اللعبة وفق أهدافها واستعمالها بالطريقة الصحيحة للاستفادة من الرسائل التي تحملها. ويمكن ملاحظة ذلك من الأمور التي يخبرها الطفل أثناء اللعب وطريقة تفاعله مع الألعاب، وهنا يكمن دور الأهل والمعالجين النفسيين.
وتضيف سعادة أن هذه الألعاب لها أهمية كبرى في زيادة معدلات التعاطف الإنساني أيضاً لدى الأطفال بغض النظر عما إذا كانوا يخضعون لهذه الإجراءات الطبية. فهم يدركون بذلك أن ثمة أطفالاً غيرهم هم مرضى أو يعيشون مثل هذه التجارب.
نبض