58 عمليّة جراحيّة لإعادة بناء الوجه وناجٍ يروي قصّة المعجزة الكبرى
يتذكر ديريك بفاف، من "هاربور بيتش" بولاية ميشيغان، شعوره بالضغط الكبير خلال سنوات دراسته الجامعية. يتذكر عودته إلى المنزل خلال عطلة الربيع في آذار/ مارس 2014. ومع ذلك، لا يتذكر تلك الليلة التي غيّرت مجرى حياته إلى الأبد.
كأن ذاكرته خانته في تلك الليلة والأسابيع اللاحقة التي تلت الحادثة. كأنه في ذلك اليوم لم يكن هو نفسه، وكأن التفاصيل الصغيرة المهمة رحلت مع طلقة الرصاص التي وجهها إلى نفسه. وفق كلماته في حديث إلى شبكة "سي أن أن" التلفزيونية، "لا أتذكّر أيّ شيء. لا أتذكّر حصولي على السلاح، أو خروجي إلى الخارج، أو إطلاق النار على نفسي، أو الأسابيع التي تلت ذلك".
تندرج قصته ضمن قصص أخرى يرويها أشخاص عانوا نفسياً وتخبّطوا بمشاعرهم وأفكارهم، وتأتي بمثابة إنذار محسوس يُذكرنا بضرورة البحث عن الدعم النفسي المناسب في أوقات الأزمات، وأهمية العائلة والمحيط في تقديم المساعدة لمن يمرون بتجارب صعبة وقاسية.
في تلك الليلة، كانت عقارب الساعة تُشير إلى الواحدة والنصف فجراً حينما لاحظ جيري بفاف، والد ديريك، أن خزانة الأسلحة في المنزل مفتوحة. انتابه القلق والخوف. وابتدأ بتفتيش أرجاء المنزل. وجاءت الصدمة بوجود ابنه مرمياً على كومة من الثلج قرب المرأب.
نُقل ديريك بفاف إلى المستشفى بسرعة، وحينما استعاد وعيه لاحقاً وجد نفسه على سرير المستشفى. ظن أنه تعرض لحادث سيارة. لا مشاهد أخرى في ذاكرته عن يوم حادثة الانتحار.
خلّفت الحادثة خسائر جسدية واضحة. وتركت بصماتها على وجهه المتضرر بشدّة. لقد فَقَدَ ديريك أنفه وشفتيه وأسنانه وأجزاء من جبهته، ما أثّر كثيراً على قدرته على التنفس، والمضغ، والبلع، والابتسام، وحتى القدرة على الرمش.

ديريك بفاف قبل عمليات الترميم
خيار زراعة الوجه
في السنوات التي تلت تلك الحادثة، خضع ديريك لـ58 عملية جراحية لإعادة بناء الوجه. وعلى الرغم من كل هذه العمليات الجراحية التي ساعدته جزئياً، فإنه استمر في معاناة غياب الأنف والفك العلوي والسفلي والأسنان والجفون وأجزاء من عظم الجبهة.
مع ذلك، وفق ما أشارت والدته ليزا فاف "كان لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به، ولم يكن هناك حقاً ما يمكن للمستشفى أو المنشأة القيام به لمساعدته أكثر من ذلك".
وتتذكر ليزا بفاف، والدة ديريك، جيداً أن أحد الأطباء أبلغها أن "الخيار الوحيد لديريك هو زراعة وجه".
يندرج ديريك فاف (30 عاماً) ضمن حفنة صغيرة جداً من الأشخاص في العالم الذين نجحوا في إجراء عملية زراعة وجه غيّرت حياتهم. وتضمّ تلك القائمة آرون جيمس، الذي أجرى أول عملية زراعة عين كاملة، وزراعة وجه جزئياً في العالم، وكاتي ستابلفيلد، التي أصبحت أصغر من يتلقّى زراعة وجه في الولايات المتحدة.
الدكتور سمير مارديني رئيس قسم جراحة التجميل في مايو كلينيك.
50 ساعة من العمل
في مؤسسة "مايو كلينك، روشستر" الصحية بولاية مينيسوتا، أجرى ديريك بفاف عملية زراعة الوجه، علماً بأن المستشفى نفذ أول عملية زراعة وجه في عام 2016.
يؤكد الدكتور سمير مارديني الذي قاد جراحة بفاف، "أُجريت عمليات زراعة وجه لمرضى عديدين في الولايات المتحدة، وأكثر من 50 عملية حول العالم. إن كل واحدة من تلك الحالات فريدة من نوعها، ولا إصابة مشابهة تماماً للأخرى". يترأس مارديني قسم جراحة التجميل في "مايو كلينيك"، ويدير برنامج زراعة الأعضاء الترميمية فيها.
يشير مارديني إلى أنه "حينما تنظر إلى العيب، أي الهيكل الذي تحطّم، والوظائف التي فُقِدّتْ، تجد أنها لا تتشابه بين المصابين. بالتالي، إن كل عملية زراعة وجه تحدث حالياً تعتبر عملية مبتكرة".
أجريت جراحة زراعة وجه ديريك فاف، التي استمرت أكثر من 50 ساعة في شباط/ فبراير في "مايو كلينيك"، بأيدي فريق ضمَّ أكثر من 80 من المتخصصين في الرعاية الصحية.
إجراء يعطي الحياة
في التفاصيل، عمد الفريق الجراحي إلى إزالة وجه المتبرع ثم زرع الأنسجة المأخوذة من المتبرع على وجه بفاف لإعادة بناء هيكل وجهه واستعادة وظائفه. وفق الدكتور سمير مارديني، أُعيد بناء 85 في المئة من وجه بفاف باستخدام الأنسجة المتبرع بها.
ديريك بفاف قبل محاولة الانتحار.
شملت عملية بفاف استبدال وإعادة بناء معظم هيكل الوجه، بما في ذلك جزء من الجبهة، الأنف، عظام الوجنتين، الفك العلوي والسفلي مع الأسنان، الجفون العليا والسفلى، الفم وجميع عضلات الوجه المسؤولة عن التعبيرات الوجهية، بالإضافة إلى الجلد الذي يغطي الوجه والرقبة بالكامل.
كذلك استخدم الفريق الطبي تقنية جديدة في الجراحة الميكروسكوبية لزراعة نظام تصريف الدموع للمتبرع، ما سمح لدموع بفاف بالتدفق طبيعياً إلى أنفه الجديد.
ووفق وصف مارديني، "زراعة الوجه ليست إجراءً ينقذ الحياة، ولكنها إجراء يُعطي الحياة".
ولضمان دقة العملية ونجاحها، وضع الدكتور مارديني وزملاؤه خطة جراحية افتراضية، تضمنت أخذ صور الأشعة المقطعية لوجهَي المتبرّع وبفاف، ثم أجرى الفريق "جراحة رقمية" باستخدام الكمبيوتر ومساعدة مهندسين طبيين، قبل تنفيذ العملية الفعلية.
وأوضح مارديني بالقول "حددنا الأمكنة المقتطعة من العظام، والزوايا التي يجب أن تكون عليها. وفعلنا ذلك بالطريقة نفسها على المتبرّع والمتلقّي كي يتوفر لدينا نماذج مطبوعة للجمجمة، بالإضافة إلى خريطة عن أمكنة للقطع، ما يسمح لنا بتنفيذ الجزء العظمي من العملية بما يتطابق تماماً مع ما خططنا له في الجلسة الافتراضية".

معجزة رؤية نفسه
انتظر ديريك هذه اللحظة بفارغ الصبر. بعد أشهر من الترقب والاستعداد النفسي، استطاع ديريك الذي خضع لعملية زرع وجه غيّرت حياته، رؤية وجهه الجديد في 5 آذار/ مارس 2024، بعد عشر سنوات من تلك الليلة المأسوية التي قلبت حياته رأساً على عقب. وطوال شهر بكامله، عاش بفاف من دون مرايا أو كاميرات، تحضيراً لهذه اللحظة العاطفية الكبرى.
وأكّد الدكتور مارديني أهمية هذه اللحظة في عملية الشفاء. برأيه "لم يكن "الكشف الكبير" مجرد رؤية وجه جديد، بل بداية حياة جديدة. شكَّل ذلك نقطة تحول لديريك الذي عانى تجربة تغافٍ في سنوات، كانت مؤلمة وطويلة، وتضمّنت عشرات العمليات الجراحية.
ووصفت والدته ليزا بفاف لحظة رؤية وجه ابنها الجديد كاملاً، بالكلمات الآتية: "شعرت كأنها معجزة حدثت بعد سنوات من التحديات".
نبض