أخبار بلا صحافيين... كيف تُهدّد آلاف المواقع المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مستقبل الإعلام؟

النهار تتحقق 02-08-2026 | 09:15

أخبار بلا صحافيين... كيف تُهدّد آلاف المواقع المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مستقبل الإعلام؟

يدق هذا الصحافي الفرنسي جرس الانذار، لأن آلاف المواقع الإخبارية المنشأة بالذكاء الاصطناعي تلوّث الإنترنت ومحرّكات البحث، وتعمل "أسلحةً للتضليل الجماعي"، وتهدّد مستقبل الإعلام والصحافيين.
أخبار بلا صحافيين... كيف تُهدّد آلاف المواقع المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مستقبل الإعلام؟
روبوت يقف امام ميكروفونات (صورة تعبيرية).
Smaller Bigger

يخوض الصحافي الاستقصائي الفرنسي جان مارك ماناك مهمة شاقة في ملاحقة "تسونامي" من المعلومات تغرق الفضاء الرقمي يومياً، عبر آلاف المواقع الإخبارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، والتي تنتج آلياً كميات ضخمة من المحتوى قد يكون مضللًا أو غير موثوق به. هل فقد العالم السيطرة على منظومة الإعلام؟ وكيف يعيد هذا المدّ الرقمي تشكيل المشهد الصحافي ويهدد مستقبل المهنة؟

يرفع ماناك صفارة الإنذار، محذراً من "آلةٍ ساحقة" تجتاح المجال الإعلامي، وتحقق لمن يقفون خلفها أرباحاً كبيرة، بينما يقع ملايين المستخدمين ضحية استغلالٍ مقلق يلوّث منظومة المعلومات. ولا يطاول هذا الخطر الجمهور فحسب، إنما أيضا يمتد إلى ما يُعرف بالإعلام التقليدي.

 


مقالة حرّكت كلّ شيء 

جان مارك ماناك صحافي استقصائي على الإنترنت منذ أواخر التسعينات. لم يلتحق بكلية الصحافة، على ما يروي، واكتشف الإنترنت كأنه نوع من الغرب المتوحش، و"كان الأمر مذهلاً حقاً"، بتعبيره. قبل ذلك، عمل في مجال الأفلام التجريبية، وهو مجالٌ مختلفٌ تماماً.

 

وعندما اكتشف الإنترنت، أدرك أنه "كنزٌ من المعلومات". يقول في بودكاست على موقع نكست Next الذي يعمل فيه: "حالفني الحظ عام 1998 بالعمل في غرفة أخبارٍ مزوّدةٍ خدمة إنترنت فائقة السرعة، بينما كنا نستخدم آنذاك أجهزة Minitel+. وعندما اكتشفت الإنترنت الفائق السرعة، انبهرتُ بكمّ المعلومات التي يُمكنني العثور عليها. وسرعان ما وجدتُ نفسي، مصادفة تقريباً، أقوم بالتدقيق في الحقائق والصحافة الاستقصائية".

 

وكانت الشرارة عندما كاد ماناك أن يقع ضحية مقالٍ كان في الواقع مُولّداً بواسطة الذكاء الاصطناعي. ففي نهاية عام 2023، كاد أن يرسل مقالاً إلى المحرر بناءً على مقالٍ أعجبه جداً، "إلا أنني لم أكن أعرف الموقع الإلكتروني. وانتابني الفضول، فبحثتُ عن هوية صاحبه، واكتشفتُ أن صورة الرجل مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأنه لا يملك أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن مقاله كان ترجمة فرنسية لمقالٍ من صحيفة "واشنطن بوست"، وهو أمرٌ لم يذكره. إذن، كنتُ أتعامل مع موقعٍ إخباري مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، ينتحل الأفكار، ويكذب، ويتعامل مع قرائه باستخفاف. لذلك بدأتُ بتجميع قائمة بهذه المواقع في ملف نصي، لأنني أُفضّل استخدام الملفات النصية في كل شيء".

وبحلول ربيع عام 2024، أمكنه تحديد نحو 70 موقعاً عبر تنبيهات "غوغل". باختصار، كلما تلقى ماناك تنبيهات من "غوغل" بأسماء نطاقات غريبة لم يكن يعرفها، تحقق منها. ويقول: "استفدتُ من ورشة عمل في كلية صحافة، مع الطلاب، لجمع معلومات من الجمهور للتحقق من الحقائق. واكتشفنا أن أكثر من 25% من هذه المواقع تنتحل الأفكار. وواصلتُ تجميع قائمة بمواقع الأخبار التي يتم انشاؤها بالذكاء الاصطناعي.

 

وبحلول أيلول أو تشرين الأول، كان لديّ 250 موقعاً. لذا طلبتُ المساعدة من CheckNews، فريق المدققين في موقع Liberation الفرنسي، لأنني شعرتُ أنه مع وجود 250 موقعاً، لن أتمكن من التحقق منها جميعاً بمفردي".

في كانون الاول، أصبح لديه 500 موقع. و"عندما نشرنا أخيراً التقرير الأول في شباط، أشرت إلى 1000. واليوم، "تجاوز عدد المواقع التي حدّدتها 15 الفاً باللغة الفرنسية وحدها"، على ما يقول لـ"النهار"، رداً على سؤال عن نتائج تحقيقاته بشأن هذه المواقع. 


صورة توضيحية (تصميم النهار)
صورة توضيحية (تصميم النهار)

 

 

 

والى جانب هذه المواقع باللغة الفرنسية، وجد ماناك 1500 بالإنكليزية، وأكثر من 200 بالألمانية، و130 بالإسبانية، و"نحو 14 بالعربية"، على أفاد "النهار"، و"من المؤكد أن عددها أكثر بكثير".

 

كيف يكتشف ماناك هذه المواقع؟ 

على غرار الشرطيين الذين يحققون في الجرائم، على اختلاف انواعها، يهتم ماناك بالبيانات الوصفية. كذلك، لا يستخدم أياً من برامج كشف المحتوى التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، "لأنني أعلم أنها تُصدر الكثير من النتائج الإيجابية والسلبية الخاطئة، لذا لا أثق بها"، على قوله. 

ومع ذلك، يجد أن "البيانات الوصفية لا تكشف أي شيء". ويقدّم مثلاً. "فقد تم حظر موقع إلكتروني على بوابة MSN. وحتى العام الماضي، كان كتّاب الموقع ينشرون ما معدله خمس مقالات يومياً. ومنذ تشرين الثاني، وصل العدد إلى 500 مقال يومياً. من المستحيل على أي شخص نشر 500 مقال يومياً. أحد المعايير هو عدد المقالات وتواتر نشرها. كذلك هناك مواقع تنشر مقالًا باسم كتاب الثامنة صباحاً، والتاسعة صباحاً، والعاشرة قبل الظهر، والحادية عشرة قبل الظهر، والظهيرة، والأولى بعد الظهر. وهذا أمرٌ غير معقول". 

 

ما يعنيه ماناك هو أن عملية إنتاج المقالات آلية للغاية الى درجة أنه يصعب تصديق أنها بشرية. ويشرح: "عادةً ما يكون لكل مؤسسة إعلامية رئيس تحرير. لكن الكثير من هذه المواقع لا يملك ذلك، أو أن العديد منها يستخدم رؤساء تحرير وهميين. هل للصحافي اسمٌ أصلاً؟ غالباً ما يكون مجرد اسم أول، من دون صورة، أو أن الصورة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعندما يكون هناك اسم أول واسم عائلة، يكون هناك أحياناً ملف تعريف على لينكدإن، إلا أن هذا الملف زائف". 


وما يلاحظه أيضاً هو أن "معظم من يملكون اسماً أول واسم عائلة لا يملكون حساباً على لينكدإن، ولا أي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا وجود لهم على الإنترنت. ويقتصر وجودهم الرقمي الوحيد على هذا الموقع تحديداً".

في عملية الكشف عن المقالات والمواقع الإلكترونية التي يتم إنشاؤها كلياً أو جزئياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، أمكن تحديد علامات عدة تتشارك فيها: 

تستخدم تعابير أو أنماطاً أو تخيلات نموذجية لمحتوى الذكاء الاصطناعي العام. المقالات موقعة باسم صحافيين وهميين و/أو ذوي إنتاجية فائقة غير بشرية. تتضمن مجرد ترجمات و/أو إعادة صياغة لمقالات أخرى (من دون الإشارة إليها). تستخدم صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لا تفي بالمعايير الصحافية.  تكرر عبارات مطمئنة أو وعظية بدلًا من عرض الحقائق وتأكيدها. نُشرت على موقع إلكتروني من دون إشعاراتٍ قانونية (أو إشعارات وهمية) ومن دون محرر. تستغل سمعة "أسماء النطاقات المنتهية الصلاحية" لاستهداف أخبار "غوغل" واكتشافها. تشبه المحتوى المُحسّن لمحركات البحث أكثر من المقالات الصحافية.

 

صورة تعبيرية- روبوت يشتغل على الكومبيوتر
صورة تعبيرية- روبوت يشتغل على الكومبيوتر



إزاء هذا المشهد الذي يُظهر "الكثير من الأمور غير المتسقة"، طوّر ماناك إطاراً تحليلياً متكاملاً، الأمر الذي يعني أنه "بالتركيز على البيانات الوصفية، وعلى الحاوية، وليس على المحتوى، يمكنني الحصول على مجموعة من المؤشرات التي تُمكنني من معرفة ما إذا كان المحتوى مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي أم بواسطة إنسان".



السؤال من يقف وراء هذه المواقع؟ 

أطلق معظم هذه المواقع متخصصون بتحسين محركات البحث: "في البداية، كان الهدف هو استهداف خدمة "غوغل ديسكوفر" Google Discover، التي أصبحت المصدر الرئيسي لحركة المرور إلى المواقع الإخبارية، مما مكّن بعضها من جني مئات أو آلاف الدولارات يومياً". 


وفقاً لماناك، فإن "أكثر من 75% من المواقع الإخبارية (الفرنسية) التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلقها 300 محرر على الاقل"، على ما جاء في تقرير للرابطة العالمية لناشري الأخبار، "معظمهم من الافراد، أو المؤسسات الصغيرة جداً. يدير نحو 100 منهم مزارع روابط لأكثر من 20 موقعاً إخبارياً، بعضها أكثر من 100، أو حتى أكثر من 10 آلاف (لأغراض الربط الشبكي/تحسين محركات البحث/الجغرافيا)".

كذلك، يقوم مزيد من شركات الإعلام بـ"تطوير" قدرات صحافييها، أو حتى استبدالهم. "فقد أعلنت إحدى مجموعات الإعلام الفرنسية الرئيسية الثلاث على الإنترنت أخيراً أنها ستفصل 40 بالمئة من موظفيها، واكتشفنا أن 50 بالمئة من الصحافيين على بعض مواقعها الإلكترونية لم يكونوا موجودين بالفعل، وتم إنشاؤهم بواسطة الذكاء الاصطناعي"، يقول ماناك. 

في الوقت ذاته، يتجه مزيد من شركات الإعلام والصحافيين "الحقيقيين" إلى محتوى الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتيح لهم ذلك نشر عدد أكبر من المقالات يومياً. مثلاً، يعتمد اثنان من أكبر محرري الأخبار الفرنسيين بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأطلقا خطوط أعمالٍ لتحسين محركات البحث التوليدية (GEO) لبيع خدمات تحمل علامات تجارية مصممة خصيصاً للظهور في الإعلانات الطويلة الأجل (LLM) وعبر روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

حتى توصيات غوغل ديسكفر التي تعتبر الهدف الرئيسي، لم تسلم. ويذكر ماناك أنه "في الصيف الماضي، كان نحو 20% بين أكثر 1000 موقع إخباري توصيةً من ديسكفر، مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وكذلك 33% من أفضل 120 موقعاً إخبارياً تقنياً أوصت بها غوغل نيوز".


وفي وقت يقع فيه ملايين الناس ضحيةً لهذا الاستغلال المقلق الذي يلوث منظومة المعلومات، يُدرّ هذا التضليل أرباحاً طائلة. "فقد ربح اثنان من هؤلاء المحررين أكثر من مليوني دولار في ثلاثة أشهر فقط من موقع واحد على منصة "ديكسوفر" باللغة الإنكليزية، لأن خوارزمية التوصيات في "غوغل" لم تفهم أن الناس يقضون وقتاً أطول في قراءة مقال مُضلّل، ويفعلون ذلك للتدقيق فيه وكتابة شكاوى للمحررين، وليس لأنهم يُعجبون بمحتواه"، بتعبير ماناك. 


"ثعلب أعمته أضواء سيارة"

يدق ماناك ناقوس الخطر بسبب السرعة والنطاق والتأثير غير المسبوق لاكتشافاته. "لقد رأيتُ خبيراً واحداً في تحسين محركات البحث ينشر آلاف المقالات يومياً، ليصل إلى جمهورٍ يفوق جمهور جميع وسائل الإعلام الفرنسية الكبرى مجتمعة، بمقالاتٍ تتهم زوراً بعض المتاجر الكبرى ببيع لحومٍ مسرطنة، وأطعمة فاسدة مغسولة بالمبيض أو مُعاد تجميدها، وغيرها من العناوين المُضللة التي "وهّمها" الذكاء الاصطناعي الذي كان يستخدمه.

كذلك رأيتُ صحافيين حقيقيين يكتبون مقالاتٍ تضمنت أخباراً زائفة من صنع بعض مواقع الأخبار التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومواقع إخبارية محلية منسوخة من مواقع أخبار تعتمد على الذكاء الاصطناعي طورتها شركاتٌ تُطلق على نفسها اسم شركات إعلامية ناشئة". 

إضافة الى ذلك، "تنشر مواقع الأخبار المنشأة بالذكاء الاصطناعي العديد من النسخ الزائفة المختلفة حول أحداث إخبارية حقيقية بهدف تضليل الناس، وعلينا مواجهة ذلك والتصدي له". 


الهدف الأساسي لماناك هو رفع مستوى الوعي حول انتشار هذه المواقع، ومساعدة من يرغبون في تجنب الوقوع ضحية للمحتوى المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي. ولهذا السبب طوّر موقع Next الذي يعمل فيه، إضافة تُنبه المستخدمين عند زيارتهم موقعاً نُشرت مقالاته، كلياً أو جزئياً، بواسطة الذكاء الاصطناعي. كذلك تسمح هذه الاضافة للمستخدمين بالإبلاغ عن المواقع التي يبدو أنها مُنشأة بالذكاء الاصطناعي.


إزاء حجم تطور الذكاء الاصطناعي وسرعته، يشعر ماناك أنه "يواجه تسونامي بملعقةٍ صغيرة. لكن التوقف عن العمل ليس خياراً مطروحاً، لأن المخاطر المرتبطة بهذه الوسائط المُولّدة بالذكاء الاصطناعي جسيمة للغاية"، على قوله. 

"هناك خطر التضليل وانتشار الأخبار الكاذبة، بالطبع، لكن الأمر خطير جداً أيضاً على ما يُسمى الإعلام التقليدي. ففي مقابل هذه المواقع الإلكترونية الزائفة التي تحظى بشعبية كبيرة رغم ذلك، خسرت هذه الوسائل مئات الملايين من مشاهدات الصفحات، وبالتالي عائدات الإعلانات. إنها مشكلة حقيقية لاقتصاد الإعلام".

لدى ماناك انطباع بأن "مهنة الصحافة  تُشبه إلى حدٍ ما ثعلباً في الليل أعمته أضواء سيارة مُقتربة". ويجد أن "هذا التطور الهائل للذكاء الاصطناعي التوليدي يحدث بسرعة فائقة، لدرجة أنه قبل أن نفهم ما يجري، وما المشكلة وكيفية التعامل معها، نجدها مُعقدة للغاية. يتألف يوم العمل من ثماني ساعات فقط، ولكن في المقابل تقف آلة ساحقة. وستُصبح مسألة الثقة هذه رصيداً اقتصادياً وسياسياً مهماً. إلى أي مدى يُمكنني الوثوق بالشخص الذي أتحدث إليه؟ وإلى أي مدى يُمكنني الوثوق بهذه الوسيلة الإعلامية؟". 


الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/31/2026 11:21:00 PM
كشفت التحقيقات الأمنية في ريف درعا ملابسات مقتل الطفلة نور، بعدما اعترف عمها بارتكاب الجريمة، فيما أوقف والدها وعمها الثاني بتهمة التستر عليها
كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
لبنان 7/31/2026 2:17:00 PM
ليس خافياً أن الدعم الأوروبي للمشروع يرتبط بتشجيع تعزيز الرقابة على الحدود والحد من عمليات تهريب السلاح والممنوعات والعبور غير الشرعي.