جفاف أوروبا يرفع كلفة الكهرباء والنقل: أزمة المياه تتحول إلى أزمة اقتصادية
تقرير وكالة البيئة الأوروبية يسلط الضوء على تأثير جفاف الأنهار على الصناعة والطاقة في أوروبا عام 2026، مع توصيات لإدارة المخاطر وتحسين استمرارية الإنتاج.
لم تحتج المصانع الأوروبية إلى تضرّر مبانيها كي تتعطّل أعمالها. كان انخفاض مياه الأنهار كافياً لتقليص الشحنات، وتعقيد إنتاج الكهرباء، ورفع كلفة التشغيل. هذه العلاقة بين الماء والنشاط الاقتصادي تتصدّر إحاطة نشرتها وكالة البيئة الأوروبية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تستخلص دروس الاضطرابات المناخية خلال العام. الجديد هو التقييم الذي يجمع الوقائع ويربطها، وليس حدوث تلك الاضطرابات يوم نشره.
لماذا يهم؟ لأن الماء يدخل في حسابات الاقتصاد بأكثر من طريقة: ممرّ لنقل المواد الأولية، ومصدر للطاقة الكهرومائية، ووسيلة لتبريد محطات الكهرباء. وعندما يتراجع المورد نفسه، قد تفقد الشركة جزءاً من قدرتها على النقل والتصنيع معاً. بذلك، تصبح إدارة الجفاف مسألة تتعلق باستمرار الإنتاج والأسعار والقدرة التنافسية، إلى جانب حماية الموارد الطبيعية.
بالأرقام: الراين ينقل الأزمة
تُظهر الإحاطة كيف أصاب جفاف الصيف أحد أهم الممرات الصناعية الأوروبية:
- حملت بعض الصنادل العابرة لمنطقة كاوب نحو 20% فقط من حمولتها المعتادة بحلول أواخر تموز/يوليو، أي قرابة 250 طناً.
- ارتفعت أجور نقل الطن بالصنادل الناقلة للسوائل بين روتردام وكارلسروه من نحو 45 يورو أواخر حزيران/يونيو إلى 150–155 يورو في 31 تموز.
- وعلى خط منطقة أمستردام–روتردام–أنتويرب إلى بازل، صعدت الكلفة من نحو 35 إلى 277 يورو للطن بحلول منتصف آب/أغسطس.
اقتصادياً، يعني ذلك أن الرحلة تستمر أحياناً، لكن بكفاءة أقل وكلفة أعلى لكل طن. وتواجه الشركات خياراً صعباً: امتصاص الزيادة من أرباحها، أو محاولة تمريرها إلى الزبائن، أو خفض الإنتاج عندما تصبح الإمدادات غير كافية.

داخل المصانع: البدائل لا تسدّ الفجوة
أعلنت "كوفيسترو" القوة القاهرة لبعض منتجات موقع دورماغن، بعدما عجز النقل بالشاحنات والقطارات عن تعويض كامل القدرة النهرية المفقودة. وأفادت "إيفونيك" بتأثر الإنتاج في مارل، بينما حوّلت "سالزغيتر" شحنات الفحم من روتردام إلى السكك الحديدية. وقدّر ممثل قطاع البناء الألماني أن تعويض صندل واحد قد يحتاج إلى 150 شاحنة.
وهنا تظهر كلفة الاعتماد على مسار واحد. فوجود طريق بديل على الخريطة لا يضمن توافر المركبات والسائقين والمواعيد اللازمة. وقد تشتري الشركة خدمة أغلى، من دون أن تستعيد انتظام إمداداتها أو قدرتها السابقة على التسليم.
الكهرباء تحت الضغط نفسه
يربط الدانوب بين الملاحة وتبريد محطات نووية، بينها "باكس" في المجر و"تشيرنافودا" في رومانيا. ووفق تحليل نشرته "كوفاس" في أيلول/يبتمير، تمثّل المحطتان نحو 40% و20.5% من توليد الكهرباء في البلدين، على التوالي. وأربك انخفاض المياه تشغيلهما، ما زاد الحاجة إلى الاستيراد أو الاستعانة بمحطات غاز أعلى كلفة. وأشار التحليل إلى أن الكهرباء المستوردة في رومانيا كانت تكلف ضعفي الكهرباء المنتجة محلياً إلى ضعفين ونصف.
نقلت وكالة "رويترز" عن شركة "فيربوند" النمساوية أن ظروف الجفاف خفّضت أرباحها بنحو 370 مليون يورو خلال النصف الأول من 2026، مقارنة بسنة ذات ظروف مائية طبيعية. وهذه المقارنة مهمة: الرقم يعبّر عن أثر نقص المياه قياساً إلى ظروف اعتيادية، وليس بالضرورة عن تراجع الأرباح بالقيمة نفسها مقارنة بالعام السابق.
ما الذي تقترحه الوكالة؟
تدعو وكالة البيئة الأوروبية إلى تقييم المخاطر عبر الشبكات وسلاسل الإمداد، وإجراء اختبارات ضغط منتظمة، وتجهيز مسارات بديلة وأنظمة احتياط وإنذار مبكر. وتوصي بتنسيق أوضح بين المشغّلين والسلطات، وبناء القرارات الاستثمارية على المناخ المتوقع مستقبلاً، مع الجمع بين الصيانة والتحديث والتغييرات الأوسع عند الحاجة.
عملياً، يمكن ترجمة هذه التوصيات إلى سؤال اقتصادي واحد: هل تستطيع المنطقة الصناعية مواصلة العمل إذا انخفض النهر، وتقلّص إنتاج الكهرباء، وازدحمت الطرق في الوقت نفسه؟ اختبار كل شبكة منفردة قد يعطي صورة مطمئنة، فيما يبقى اعتمادها على الشبكات الأخرى مصدر ضعف.
وبالنسبة إلى المستثمر، يغيّر هذا السؤال طريقة حساب جدوى المشروع: كم يوماً يستطيع العمل بإمدادات محدودة؟ وما كلفة المخزون الإضافي أو النقل البديل مقارنة بخسارة التوقف؟ هذه قراءة اقتصادية للدروس المعروضة، وليست تقديراً جديداً للخسائر. وهي تجعل الإنفاق الوقائي جزءاً من حساب العائد، لا بنداً بيئياً منفصلاً عنه.
ما الذي نراقبه؟
انتقال هذه التوصيات إلى خطط تشغيل واستثمارات قابلة للاختبار. فالإحاطة تعرض دراسات حالة، ولا تقدّم جردة شاملة لخسائر 2026. ومعيار نجاح الاستجابة سيكون قدرة الخدمات المترابطة على الاستمرار عندما تتعرّض للضغط معاً.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض