شبهات استثمارية واتهامات للوزيرة بـ"تدمير البيئة"... الزين لـ"النهار": إعادة ترسيم المحميات ضرورة
اتهامات بالكذب والاحتيال، وشبهات حول مصالح استثمارية وصناعية على حساب البيئة، في مقابل تأكيدات رسمية أن ما يجري هو تصحيح تقني وقانوني تأخّر عقوداً... هكذا تحوّل تعديل خرائط 11 محمية طبيعية إلى مواجهة شرسة بين وزيرة البيئة تمارا الزين ومعترضين بيئيين، انتهت بتأجيل طرح "بند المحميات" في جدول أعمال مجلس الوزراء لاستكمال البحث فيه، من دون أن يعني ذلك إقفال الملف.
وبحسب مصادر مطّلعة لـ"النهار"، جاء التأجيل بضغط من رئيس الحكومة نواف سلام، بعد اتصالات بدأت في الليلة السابقة للجلسة، وتحرّك نواب، بينهم نجاة عون صليبا وميشال معوض، على خلفية مخاوف من "تهريبة" من هنا وهناك. فأين تكمن الفروق؟ وكيف تفسّر كل جهة ما يجري؟

كيف تغيّرت الخرائط؟
تقول وزارة البيئة إن القوانين التي أنشأت محميات قبل عام 2014 قد حدّدت في مادتها الأولى حدود كل محمية طبيعية شمالاً، وغرباً، وجنوباً، وشرقاً، ونصت على أن تُعدّ ّمحمية طبيعية مشاعات القرى والأراضي ملك الجمهورية اللبنانية داخل هذه الحدود، إلا أنها لم ترفق بها خريطة تبين حدود كل من هذه المحميات، ما صعّب إدارة الأنشطة داخلها وتنظيم استخدامات الأراضي المحيطة بها.
وتؤكد الزين لـ"النهار" أن ما يجري ليس تقليصاً للمساحات، بل تصحيح للخرائط القديمة، التي رُسم بعضها بمقياس 1 إلى 200 ألف، وقد تؤدي إزاحة صغيرة إلى إدخال قرى أو عقارات لم يشملها القانون.
في المقابل، يشير الناشط البيئي بول أبي راشد إلى اختلاف المساحات الواردة في الخرائط المتداولة عن تلك المنشورة سابقاً، بفارق يتجاوز، وفق تقديره، 6 آلاف هكتار في ثلاث محميات وحدها.
الشوف
في محمية أرز الشوف، تبلغ المساحة المنشورة سابقاً 15 ألف هكتار، مقابل 9900 هكتار في الخريطة التي رفعت للحكومة. ويربط أبي راشد هذا التعديل بمحاولات لإقامة مقالع وكسارات ومصانع زفت ومناشر صخور داخل نطاق الحماية أو على مسافة تقل عن 100 متر من عقارات المحمية، ويتحدث أيضاً عن تراخيص لشركة "أكوافينا"، في منطقة الأمان المحيطة بها. فيما تقول رئيسة دائرة الأنظمة الإيكولوجية في وزارة البيئة لارا سماحة لـ"النهار"، إن الفارق ناتج من أعمال تحرير وتحديد استمرت نحو عشر سنوات، بهدف إخراج عقارات خاصة غير حرجية تقع على أطراف المحمية.

صور
أما في محمية شاطئ صور، فيقول أبي راشد إن المساحة المنشورة سابقاً، والبالغة 380 هكتاراً، أصبحت 180 هكتاراً في الخريطة المعدّلة، أي بفارق 200 هكتار. ويشير إلى مشروع عقاري واستثماري على الشاطئ، لافتاً إلى أعمال بناء قرب المحمية وفي منطقة الأمان، ومشروع جسر يتيح الوصول مباشرة إلى شاطئها، يقول إنه طُرح من دون دراسة تقييم الأثر البيئي.
في المقابل، توضح سماحة أن المساحة الإجمالية للمحمية ازدادت على نحو كبير بعد شمول النطاق البحري حتى المياه الإقليمية، وتحديد العقارات الشاطئية بدقة، مع استبعاد عقار تبيّن أنه أُدرج سهواً داخل المدينة ومخيم الرشيدية.

إهدن
في محمية حرج إهدن، تبلغ المساحة المنشورة سابقاً 1700 هكتار، مقابل 1410 هكتارات في الخريطة الجديدة. ويكشف أبي راشد عن مشروع استثماري ضخم يعتزم إقامته رجل الأعمال محمد زيدان في منطقة القرنة السوداء، وهو والد زوجة النائب طوني فرنجية. ويتضمن المشروع مجمّعات سكنية وسياحية. ويشير أبي راشد إلى أن الوصول إليه سيكون من جوار محمية حرج إهدن، معتبراً أن أعمال توسيع الطريق وتزفيتها داخل حرم المحمية التي بدأت قبل نحو أربع سنوات مهّدت لهذا الاستثمار.
في المقابل، تنفي وزارة البيئة وجود أي صلة بين تعديل الخريطة وأيّ مشروع استثماري، وتقول إن التعديل يهدف إلى تصحيح تداخل فني في الخريطة القديمة مع أراضٍ تابعة لبلدة بشناتا في قضاء الضنية.

في مواجهة أزمة المناخ
في سياق الاعتراضات، يحذّر الكاتب البيئي حبيب معلوف من أن أيّ تعديل في خرائط المحميات يجب أن يأخذ في الاعتبار تفاقم أزمة المناخ، من الجفاف وتراجع الموارد المائية إلى مخاطر الحرائق. ويشدّد على أن الغابات والأحراج تؤدي دوراً أساسياً في حماية المياه والتربة والتنوع البيولوجي، وتعزيز قدرة لبنان على التكيّف مع تغيّر المناخ.
ويدعو إلى اعتماد معايير علمية وشفافة لتحديد الأراضي، ومعالجة مسألة الملكيات الخاصة والمشاعات والأملاك العامة بما يوازن بين الحقوق الخاصة والمصلحة البيئية العامة، كي لا تتحوّل إعادة رسم الحدود إلى مدخل لمشاريع أو استثمارات من شأنها إضعاف أهداف الحماية البيئية.
"الوزيرة تدمر البيئة"
لا يقتصر الخلاف على الأرقام، بل يمتد إلى قانونية التعديلات. إذ يقول المهندس عبدالله حداد، منسّق هيئة المبادرة المدنية لـ"النهار"، إن المشروع يتعارض مع رأي مجلس شورى الدولة، معتبراً أن ذلك كان سبباً أساسياً لسحبه من جدول الأعمال.
ويستند حداد إلى قانون إنشاء محمية أرز الشوف رقم 532 الصادر عام 1996، قائلاً إن خريطة رسمية مرفقة به نُشرت بموجب المرسوم الرقم 8803 عام 2002، وتحدّد نطاق الحماية والأنشطة الممنوعة. وبناءً عليه، يرفض القول إن المحمية لم تكن لها خريطة، معتبرا أن التعديلات المقترحة تستثني نطاق عين دارة العقاري، الذي يقدّر مساحته بنحو 25 مليون متر مربع.
ويتهم حداد الوزيرة بـ"الكذب وتدمير البيئة، إذ إنها أعطت تراخيص لإنشاء مصانع زفت ومغاسل رمل ومناشر صخور داخل النطاق القانوني للمحمية". ويدعو الوزارة إلى استعادة التعويضات البيئية المستحقة للدولة عن المقالع في لبنان، والتي يقدّرها بنحو 4 مليارات دولار، بينها 400 مليون دولار في عين دارة، مستنداً إلى المادة 61 من قانون موازنة عام 2019، وإلى دراسات ومسوح أُنجزت بالتعاون بين الجيش اللبناني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة البيئة.
ويتساءل عمّا إذا كانت الدولة قد استعادت أي جزء من هذه الأموال، متهماً الوزيرة بانتهاك قرار قضائي وتشجيع المخالفات، ومطالباً إياها بتحمّل مسؤوليتها أو الاستقالة.
في المقابل، تستنكر الزين طريقة التعامل معها، قائلة إن "هذا التشويش والتضليل معيب جداً، وكأن الوزير في قفص الاتهام"، معتبرة أن المعترضين "خيالهم واسع وركبت في أذهانهم نظرية المؤامرة"، وأنهم يصوّرون الوزارة كأنها أصبحت "سماسرة أراضٍ"، فيما لم يكن أحد، بحسب قولها، يتابع مع الوزارة حين كانت تتحدث عن القصف الذي يطال المحميات.
وتؤكد الزين أن عمل الوزارة يهدف إلى تمكين لجان المحميات من إدارتها بصورة سليمة، بعدما طالبت هذه اللجان بذلك منذ زمن. وتضيف أنه إذا أدّى "التشويش والتضليل" إلى تراجع الحكومة عن الملف، فلن يؤثر ذلك في عملها، مشددة على أن "ما هو قائم حالياً على الأرض هو المخالف للقانون". فيما تكشف أنها ستوجّه إلى لجان المحميات بياناً تقول فيه: "بما أن هذا ما كنتم تسعون إليه ولا تسير الأمور هكذا الآن، فتحمّلوا أنتم مسؤولية النزاعات القانونية، وحلّوا مشاكلكم بأنفسكم".
أما في شأن الشبهات الاستثمارية، فتتساءل: "عن أي استثمارات يتحدثون؟"، مستشهدة بعين دارة، حيث تقول إن المخالفات والمقالع والكسارات قائمة منذ 50 أو 60 عاماً. وترى أن من يريد المخالفة قد لا يردعه وجود محمية، في حين أن تحديد الحدود بدقة يساعد على ضبط الأنشطة وتنظيمها.
إلى ذلك، تلفت إلى أن لجان المحميات تعمل منذ سنوات من دون مساهمات مالية كافية، مؤكدة أنها خاضت معركة في موازنة عام 2026 لتخصيص أموال تساعدها على أداء مهماتها. وتستشهد بإصدار مرسوم لاستحداث المحميات الصغيرة وإعداد تسع خطط إدارة لمحميات في لبنان، وتسأل: "هل نكون نحن من لا يريد المحميات؟" وتؤكد التزام لبنان هدف حماية 30 في المئة من أراضيه بحلول 2030.
وفي ردّها على الاعتراضات النيابية، تقول: "لتطرح مشروع محمية وأهلاً وسهلاً بها، نحن ندعمه في مجلس النواب، ويجوا يطالبوا بتوسيع محمياتهم"، في إشارة إلى النائبة نجاة عون صليبا التي وصفت الزين عبر حساباتها على مواقع التواصل بـ"وزيرة المقالع، وزيرة المحارق، وهلّق وزيرة قضم المحميّات".
في المحصّلة، تبدو المسألة أكبر من مساحة محمية فحسب. فإلى جانب المخاطر البيئية والمناخية، تبرز الثغَر القانونية موضوع الخلاف حتى بين المسؤولين، لتشكّل نقطة ضعف قد يستغلها أصحاب النفوذ لخدمة مصالحهم الخاصة. وإلى حين حسم الملف، يبقى السؤال: هل تُعتمد الخرائط المطروحة، أو تعود إلى طاولة المراجعة لتخرج بصيغة مختلفة؟
نبض