عَبَر الإعصار الساحل... فنقلت السيول الخطر إلى داخل عُمان
تتواصل مخاطر الأمطار والسيول في عُمان بعد ضعف الأعاصير عند الساحل، مع تأثير الأمطار الغزيرة والأودية على المدن والسهول الداخلية.
قد ينخفض تصنيف الإعصار ومؤشر خطورته المرتبط بقوة الرياح بعد وصوله إلى اليابسة، من دون أن يتراجع الخطر الفعلي بالوتيرة نفسها. فبينما تهدأ الرياح قرب الساحل، قد تواصل الأمطار فوق المرتفعات تغذية السيول، لتنقل الأودية الخطر إلى مدن ومناطق بعيدة من مركز العاصفة.
وتكشف أعاصير غونو ومكونو وشاهين وجهاً آخر للكوارث المدارية في البيئات الجافة، حيث تستطيع عاصفة واحدة إسقاط أمطار غزيرة فوق المرتفعات، فيما تواصل الأودية نقل المياه إلى المدن والسهول حتى بعد تراجع قوة الإعصار.

وأعادت دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" في 24 أيلول/سبتمبر الجاري هذه المفارقة إلى الواجهة، بعدما خلصت إلى أن الأعاصير الأقوى باتت تضعف بوتيرة أسرع عقب وصولها إلى اليابسة، بينما باتت الأعاصير الأضعف تستمر فوق اليابسة مدة أطول.
وضمّت عينة الدراسة حالات من شمال المحيط الهندي، بما فيه بحر العرب. ويتتبع هذا التقرير المخاطر التي قد تظل قائمة في سلطنة عُمان بعد عبور الإعصار الساحل، مستعيناً بدراسات إقليمية وآراء خبراء لفهم كيف تهدأ الرياح، فيما تواصل الأمطار والسيول طريقها إلى الداخل.
ما بعد الساحل
حلّلت الدراسة 885 إعصاراً مدارياً وصل إلى اليابسة بين عامي 1979 و2024. وأظهرت الاتجاهات الزمنية أن الأعاصير الأقوى باتت تضعف بعد وصولها إلى اليابسة بسرعة أكبر بنسبة 18.6%، فيما باتت الأعاصير الأضعف تستمر فوق اليابسة مدة أطول بنسبة 14.5%.
ولا تعني هذه النتيجة أن الأعاصير الأضعف أشد خطراً بالضرورة، أو أنها تظل مؤثرة داخل عُمان في كل مرة. كما أن الدراسة تقيس اضمحلال رياح الأعاصير، ولا تقيس مباشرة استمرار الأمطار والسيول. لكنها تدفع إلى التساؤل عن حدود الاعتماد على سرعة الرياح وحدها في تقدير الخطر، خصوصاً عندما ينخفض تصنيف الإعصار، فيما تستمر الأمطار وتتدفق السيول بعد وصوله إلى اليابسة.

ولتفسير كيفية وصول بعض أعاصير بحر العرب إلى عُمان، تقول الأستاذة المشاركة في علوم الأرض ورئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية في جامعة خليفة، الدكتورة ديانا فرانسيس، لـ"النهار"، إن الرياح واسعة النطاق هي التي توجه حركة الأعاصير.
فقد يعرقل مرتفع جوي قوي شمال بحر العرب تحرك العاصفة نحو الهند أو باكستان، ويدفعها غرباً، بينما قد يسهم منخفض حراري عربي قوي ومتمركز في موقع غير معتاد في سحبها نحو اليابسة عند اقترابها من عُمان.
وتضيف فرانسيس أن دفء المياه وارتفاع المحتوى الحراري للمحيط يساعدان الإعصار على الحفاظ على قوته خلال انتقاله غرباً، خصوصاً عندما يكون الاختلاف في سرعة الرياح واتجاهها بين طبقات الجو محدوداً.
وأظهرت دراسة شاركت فيها فرانسيس عام 2022 أن شاهين وغونو كانا الإعصارين الوحيدين اللذين دخلا بحر عُمان وضربا الساحل الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية بين عامي 1900 و2021. ورغم ندرة هذا المسار، ترى فرانسيس أن الظروف الجوية التي أنتجته يمكن أن تتكرر، فيما قد تسمح البحار الأكثر دفئاً للأعاصير المستقبلية بالحفاظ على قوة أكبر أثناء تحركها شمالاً.
ولا يتوقف الخطر عند مسار مركز الإعصار. فبحسب فرانسيس، قد يضعف المركز فوق عُمان، بينما تبقى الرطوبة ودوران العاصفة الأوسع نطاقاً نشطين. ويتحكم هذا الدوران في حركة أحزمة المطر، فيما تحدد التضاريس المناطق التي يشتد فيها الهطول.

وعندما تجبر جبال الحجر الهواء الرطب على الارتفاع، تزداد الأمطار فوق السفوح المواجهة للرياح وأحواض التصريف. ثم تنقل الأودية المياه إلى السهول والمناطق الساحلية، ما قد يؤدي إلى فيضانات في مناطق بعيدة من مركز الإعصار.
خطر يأتي من بعيد
فيما تفسر فرانسيس كيفية استمرار الرطوبة والأمطار بعد ضعف الإعصار، يوضح عميد البحث العلمي والأستاذ المشارك في الهندسة المدنية والمعمارية بكلية الهندسة في جامعة السلطان قابوس، الدكتور غازي علي الرواس، كيف تتحول هذه الأمطار إلى سيول تنتقل عبر الأودية.
ويقول الرواس لـ"النهار" إنه لا يوجد فاصل زمني ثابت بين ذروة الهطول فوق المرتفعات ووصول ذروة السيل إلى المدن والسهول، إذ يتوقف ذلك على مساحة الحوض المائي وشكله، وانحدار الأودية، وطول مسارات الجريان، وطبيعة التربة والغطاء الأرضي.
وقد يتراوح هذا الفاصل من عدة ساعات إلى عدة أيام في الأحواض الكبيرة. ويختلف زمن الاستجابة حتى داخل الحوض نفسه من حالة مطرية إلى أخرى. فكلما كانت الأمطار أغزر وأكثر تركزاً خلال فترة قصيرة، تسارع تشكل الجريان السطحي، وقل الوقت الفاصل بين ذروة الهطول ووصول السيل إلى المناطق الواقعة أسفل الحوض.
ويضيف الرواس: "قد تكون الأجواء مستقرة نسبياً في موقع ما، في حين تتشكل السيول نتيجة أمطار هطلت في الأجزاء العليا من الحوض". ويشير إلى وادي عدي، الذي يمتد تأثيره نحو المناطق الساحلية في محافظة مسقط، ووادي الحواسنة، الذي ينحدر من المرتفعات باتجاه سهل الباطنة ويؤثر في مناطق من ولايتي الخابورة وصحم.
انخفاض التصنيف لا يعني انتهاء الخطر
ويشدد الرواس على أن تصنيف الإعصار وسرعة رياحه عنصران مهمان، لكنهما لا يكفيان وحدهما لتقدير حجم الخطر. فالتقييم الأدق ينبغي أن يشمل كمية الأمطار المتراكمة وشدتها وتوزيعها، ودرجة تشبع التربة، وحالة الأودية وقدرتها على تصريف المياه.
وبعد تشبع الأرض، قد تنتج أمطار إضافية، حتى إن كانت أقل شدة، جرياناً سطحياً وسيولاً أكبر من المتوقع.
ويوضح أن التوسع العمراني قد يزيد أثر الكمية نفسها من الأمطار، إذ تقل قدرة الأرض على امتصاص المياه عندما تحل المباني والطرق والأسطح غير المنفذة محل الأراضي الطبيعية والزراعية. ويؤدي ذلك إلى زيادة الجريان السطحي وتسريع وصول المياه إلى المناطق المنخفضة، خصوصاً عندما لا تصاحب التوسع شبكات تصريف مناسبة وممرات آمنة للأودية.
وهكذا، يصبح انخفاض تصنيف الإعصار مؤشراً إلى تراجع قوة رياحه، لا إعلاناً بانتهاء الخطر. وفي عُمان، حيث ترتبط المرتفعات بالمدن والسهول عبر شبكة واسعة من الأودية، ينبغي أن يظل خطر الأمطار والسيول جزءاً من التحذيرات، حتى بعد ضعف مركز العاصفة وعبوره الساحل.
عدّلت الصياغة لتكون أكثر انسياباً وجاهزية للنشر، مع الحفاظ على المعلومات والأرقام والاقتباسات، وإبراز الفكرة الأساسية في العنوان والعناوين الفرعية بما يخدم البحث عن موضوعات الأعاصير، عُمان، السيول، والأمطار الغزيرة.
نبض