8 تقنيات لمواجهة التغيّر المناخي: أما زالت صالحة؟
في سردية التقنية المناخية، تبدو الحلول أحياناً أكثر نضجاً مما هي عليه في الواقع. نسمع عن مصانع تسحب الكربون من السماء، وطرقات تولّد الكهرباء، وطائرات تحلّق بالهيدروجين، وآلات تنتزع مياه الشرب من الهواء. لكن بين نجاح الفكرة في المختبر وقدرتها على العمل بملايين الوحدات وبكلفة مقبولة، توجد فجوة ضخمة اسمها التطبيق التجاري.
هنا، ربما يكمن السؤال الأهم في السباق المناخي اليوم: "هل يمكن فعل ذلك بالحجم والسعر والسرعة التي يحتاج إليها العالم؟"
ثماني تقنيات واعدة تكشف أن الإجابة أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين.
إنزيمات "تفكك" البلاستيك
إحدى أكثر الأفكار إثارة تقوم على استخدام إنزيمات مصممة خصيصاً لتفكيك بلاستيك PET إلى مكوّناته الكيميائية الأصلية، بدلاً من سحقه وإعادة صهره كما يحدث في إعادة التدوير الميكانيكية.
الفارق جوهري: فإعادة التدوير التقليدية تؤدي تدريجياً إلى تراجع جودة المادة، فيما تسمح التقنية الإنزيمية، نظرياً، بإعادة بناء البلاستيك من جديد بجودة تصلح لإنتاج عبوات جديدة.
لكنها لا تزال في مرحلة الاختبارات والمشروعات التجريبية؛ أي أن العلم أثبت الإمكان، فيما لم يثبت الاقتصاد بعد القدرة على إنشاء مصانع ضخمة تنافس البلاستيك الجديد سعراً وحجماً.
خرسانة تبتلع ثاني أوكسيد الكربون
يُعد الإسمنت أحد أصعب القطاعات في معركة خفض الانبعاثات. ولهذا برزت تقنية تقوم على حقن ثاني أوكسيد الكربون في الخرسانة الطازجة، حيث يتحول الغاز كيميائياً إلى كربونات الكالسيوم ويبقى محبوساً داخل المادة.
الميزة الإضافية أن العملية قد تمنح الخرسانة قدراً من القوة، ما يجعل الكربون جزءاً من المنتج نفسه بدلاً من إطلاقه إلى الجو.
هذه ليست تقنية مستقبلية بالكامل؛ فهي مستخدمة تجارياً بالفعل. لكن المشكلة أن كمية الكربون المخزنة تبقى صغيرة مقارنة بالانبعاثات الهائلة الناتجة من إنتاج الإسمنت. إنها خطوة مفيدة، لا علاجاً كاملاً.
تحلية المياه بالشمس
تحلية مياه البحر بالتناضح العكسي ليست جديدة. الجديد هو محاولة تشغيلها بالطاقة الشمسية، خصوصاً في المناطق النائية والجافة.
تقنياً، الأساس متين: محطات التناضح العكسي تؤمّن أصلاً مياه الشرب لمئات الملايين حول العالم. أما دمجها بالطاقة الشمسية، فيفتح الباب أمام توفير المياه من دون الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري أو شبكات الكهرباء التقليدية.
لكن النجاح الأكبر حتى الآن يظهر في المنشآت الصغيرة وعلى مستوى القرى والمجتمعات المحدودة، فيما يبقى الانتقال إلى نطاقات أوسع تحدياً مرتبطاً بالتخزين والكلفة واستمرارية الطاقة.
سحب الكربون مباشرة من الهواء
هذه ربما أكثر التقنيات التي تختصر الفارق بين ما تسمح به الفيزياء وما يسمح به الاقتصاد.
في منشآت الالتقاط المباشر من الهواء، تمرر مراوح كميات هائلة من الهواء عبر مواد كيميائية تلتقط ثاني أوكسيد الكربون. ثم تستخدم الحرارة لتحرير الغاز وتركيزه تمهيداً لتخزينه تحت الأرض.
التكنولوجيا تعمل بالفعل. المشكلة أنها باهظة الثمن: تشير التقديرات الواردة إلى أن الكلفة الحالية قد تكون أقرب إلى ألف دولار للطن منها إلى الهدف المنشود البالغ نحو 100 دولار.
بمعنى آخر، لا تتمثل العقبة في معرفة كيفية التقاط الكربون، بل في جعل العملية رخيصة بما يكفي لتطبيقها على مليارات الأطنان.
استخراج ماء الشرب من الهواء
الفكرة جذابة للغاية: أجهزة تبرد الهواء أو تستخدم مواد ماصّة للرطوبة، ثم تكثف بخار الماء وتحوله إلى مياه صالحة للشرب.
وصل بعض هذه الأنظمة بالفعل إلى السوق. إلا أن المفارقة قاسية: الأماكن الأشد حاجة إلى المياه هي في كثير من الأحيان الأكثر جفافاً، أي حيث تحتوي كل وحدة من الهواء على كمية أقل من الرطوبة.
وهكذا ترتفع كمية الطاقة المطلوبة لإنتاج كل ليتر، فيما ينخفض الإنتاج. التقنية تعمل، لكنها قد تكون الأضعف تحديداً حيث تبدو الحاجة إليها الأكبر.

طاقة الأمواج... مورد ضخم يصعب ترويضه
الأمواج كثيفة الطاقة ويمكن التنبؤ بها في كثير من الحالات أكثر من الرياح. وعلى الورق، يبدو البحر محطة كهرباء هائلة تنتظر من يستغلها.
المشكلة ليست في استخراج الطاقة من الحركة، بل في صناعة أجهزة تستطيع البقاء لسنوات داخل واحد من أقسى البيئات على الأرض.
الملح والتآكل والعواصف والأمواج العنيفة تحول الصيانة إلى تحدٍّ هندسي ومالي. وبعد عقود من النماذج التجريبية، لا تزال طاقة الأمواج ضئيلة جداً مقارنة بطاقة الرياح.
الطائرات الهيدروجينية: الفيزياء تصطدم بالحجم
يتميز الهيدروجين بطاقة كبيرة جداً لكل كيلوغرام، وهي خاصية تبدو مثالية للطيران. لكن لكل ليتر، كثافته الطاقية منخفضة، ما يعني الحاجة إلى خزانات ضخمة.
والهيدروجين السائل يجب حفظه عند نحو 253 درجة مئوية تحت الصفر، ما يتطلب أنظمة تبريد وخزانات معزولة وبنية تحتية جديدة كلياً في المطارات.
ولهذا تراجعت الجداول الزمنية المتفائلة. وتُظهر المعلومات أن «إيرباص» دفعت توقيت دخول الطائرات الهيدروجينية الخدمة إلى الأربعينيات.
الفكرة لم تمت، لكنها أبعد عن المطارات التجارية مما كان يُعتقد قبل سنوات قليلة.
الطرق الشمسية: حين تفشل الفكرة الجميلة
أما المثال الأكثر وضوحاً على أن الابتكار لا يعني النجاح فهو الطرق الشمسية. الفكرة كانت بسيطة ومغرية: لماذا لا نستبدل الإسفلت بألواح شمسية تولّد الكهرباء؟
لكن الألواح على الطرق تكون أفقية بدلاً من توجيهها نحو الشمس، وتتعرض للظل والأوساخ وأوزان المركبات والصدمات والتشققات. والنتيجة كهرباء أقل وكلفة أعلى بكثير من وضع الألواح نفسها في حقل أو فوق سطح مبنى.
لذلك جرى تفكيك عدد من المشروعات التجريبية أو التخلي عنها.
التكنولوجيا ليست عصاً سحرية
القاسم المشترك بين هذه التقنيات الثماني ليس النجاح أو الفشل، بل درس أكثر أهمية: الأزمة المناخية ليست في حاجة إلى اختراعات مذهلة فقط، بل إلى اختراعات يمكن تصنيعها وتمويلها وصيانتها ونشرها على نطاق هائل.
بعض الحلول، مثل تخزين الكربون في الخرسانة والتحلية بالطاقة الشمسية، دخلت بالفعل مرحلة الاستخدام الواقعي. وبعضها، مثل الالتقاط المباشر من الهواء والطيران بالهيدروجين، أثبت أن الفيزياء ممكنة فيما لا يزال الاقتصاد يرفض المعادلة. وهناك أفكار، مثل الطرق الشمسية، قد يكون التخلي عنها أكثر عقلانية من الاستمرار في تمويلها.
وفي النهاية، قد لا تكون أفضل تقنية مناخية تلك التي تبدو الأكثر إثارة في صورة مستقبلية، بل تلك التي تستطيع فعل شيء أكثر بساطة وصعوبة في آن واحد: أن تعمل، وأن تكون رخيصة، وأن تبقى تعمل عندما نحتاج إليها.
نبض