قابس... مدينة تونسية تدفع ثمن الفوسفات
لم يعد التلوث في مدينة قابس، جنوب تونس، مجرد ملف بيئي تتناوله التقارير والاحتجاجات، فبالنسبة إلى سكانها، أصبح التلوث جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية، في ظل الانبعاثات الصادرة عن وحدات المجمع الكيميائي التونسي، وسط مطالب متكررة منذ سنوات بتفكيك الوحدات الملوِّثة.
يتحدث حاتم الإمام، الذي شارك في عدد من الاحتجاجات المطالبة بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي، لـ"النهار" عن معاناة سكان المدينة، قائلاً إن الهواء في قابس يصبح صعب الاستنشاق في بعض الأيام، بسبب الانبعاثات الصادرة عن الوحدات الصناعية.
ويشير إلى تكرار حالات الاختناق بين السكان، والتي يقول إن وتيرتها ازدادت خلال العام الحالي، وتسببت بنقل طلاب من المدارس إلى المستشفيات في مناسبات عدة.
من مدينة اشتهرت بالواحات إلى بؤرة تلوث
منذ إنشاء المجمع الكيميائي التونسي في قابس عام 1972، ارتبطت المدينة بصناعة تحويل الفوسفات القادم من مناطق التعدين في قفصة، إلى حمض الفوسفوريك والأسمدة.
ويوفر المجمع الشغل لنحو 4 آلاف مواطن، ويمثل أحد أعمدة النشاط الاقتصادي في الجهة.
لكن إسلام الزرلي، الناشط البيئي وعضو حملة "أوقفوا التلوث"، والذي أنجز أخيراً شريطاً وثائقياً عن قابس وملف التلوث، يرى أن المشروع، الذي قُدم عند إنشائه باعتباره رافعة للتنمية في الجنوب، تحوّل مع مرور العقود إلى مصدرٍ رئيسي للنفايات والانبعاثات التي يقول إنها "ألحقت أضراراً واسعة بالبيئة والصحة".
ويستعيد صورة قابس قبل النشاط الصناعي، مشيراً إلى أنها كانت توصف بأنها "جنة"، واشتهرت بالزراعة والصيد البحري والسياحة وعيون المياه العذبة وواحاتها الممتدة.
ويقول إن قابس كانت مدينة سياحية بامتياز، بما تملك من مقومات طبيعية وبيئية منها البحر والغابات والنخيل والصحراء.
لكن، بحسب حديثه، تغير المشهد تدريجاً، وتحولت المدينة من منطقة عرفت بواحاتها وشريطها الساحلي إلى مدينة تعاني من آثار التلوث والانبعاثات الصناعية.
شط السلام... التلوث يصل إلى البحر
في منطقة شط السلام، القريبة من الوحدات الصناعية، تبدو آثار التلوث أكثر وضوحاً. يعيش السكان بالقرب من المنشآت الصناعية، فيما يقولون إن الانبعاثات أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية.
ويُطرح الفوسفوجيبس، وهو أحد مخلفات معالجة الفوسفات، في البحر، بينما تتصاعد من الوحدات الصناعية انبعاثات غازية يقول الإمام إنها تتسبب بحالات اختناق.
وينتج المجمع الكيميائي نحو 6 آلاف طن من مخلفات الجبس الفوسفوري يومياً، فيما يُلقى جزء منها من دون معالجة أولية، وفق الدراسات التي أنجزتها منظمات مختصة...
وتُظهر صور ومقاطع فيديو يلتقطها سكان المنطقة باستمرار حجم التغير الذي طرأ على شاطئ السلام المحاذي للمجمع.
وبالنسبة إلى الزرلي، لم تعد المشكلة قابلة للتأجيل. ويقول إن آلاف الأطنان من الفوسفوجيبس تُلقى يومياً في البحر، وإن ذلك أدى إلى نفوق الكائنات البحرية.
ويشير صيادون إلى تراجع الثروة السمكية، فيما يتحدث سكان عن نفوق كائنات بحرية وتراجع قدرة الأراضي على الإنتاج.
ويوصف خليج قابس بأنه من أهم مناطق تفريخ الأسماك في حوض البحر الأبيض المتوسط، فيما يؤكد صيادون أن التلوث أثّر في الثروة السمكية التي يعتمد عليها عدد كبير من البحارة مصدر رزق.

انتشار الأمراض
ولا تقف تداعيات التلوث عند الصيد البحري والزراعة، فسكان المنطقة يتحدثون عن انتشار الأمراض بسبب الانبعاثات السامة.
ويقول الزرلي إنه لا تكاد تخلو عائلة في المدينة من مريض بسبب التلوث.
ويشير إلى انتشار أمراض السرطان وهشاشة العظام والأمراض التنفسية بين سكان قابس، ويربطها بارتفاع مستويات التلوث في المدينة.

احتجاجات ومطلب واحد
أصبح تفكيك الوحدات الملوثة المطلب الرئيسي لسكان قابس، الذين يرون فيه حلاً لأزمة التلوث المستمرة في المنطقة.
ولا ينظر الزرلي إلى الملف باعتباره أزمة بيئية فحسب، بل باعتباره قضية تمس الصحة والاقتصاد ومستقبل المدينة. ويقول إن سكان قابس يدفعون كلفة صحية وبيئية لصناعة كان يفترض أن تكون جزءاً من التنمية الاقتصادية في المنطقة.
وفي فبراير/شباط 2026، رفضت المحكمة الابتدائية في قابس دعوى تطالب بوقف نشاط المجمع، معللة قرارها بأن الضرر غير ثابت ويحتاج إلى اختبارات علمية.
وفي أكتوبر الماضي، شهدت المدينة ما وصفه ناشطون بأنه أكبر "مسيرة بيئية" في تاريخ تونس، إذ خرج آلاف المحتجين إلى الشوارع للمطالبة بتفكيك الوحدات الملوثة، في تحرك عكس حجم الغضب من الوضع البيئي في المدينة.
ووصلت المطالب إلى السلطة التنفيذية، إذ تحدث الرئيس التونسي قيس سعيّد عن "اغتيال البيئة" في قابس مدى سنوات، مشيراً إلى انتشار أمراض في المدينة، بينها السرطان وهشاشة العظام، إضافة إلى تضرر الواحات ومظاهر الحياة فيها.
وأعلن تكليف لجنة متابعة ملف التلوث في قابس والعمل على إيجاد حلول له، لكن سكان المدينة ما زالوا يتمسكون بمطلب تفكيك وحدات المجمع.
بين التفكيك والإصلاح
في المقابل، يرى خبراء أن تفكيك الوحدات عملية معقدة ومكلفة من الناحيتين التقنية والاقتصادية.
وكان الخبير في التنمية حسين الرحيلي، قال في تصريح سابق لـ"النهار"، إن تفكيك الوحدات التابعة للمجمع الكيميائي التونسي في قابس يمثل عملية مكلفة ومعقدة اقتصادياً وصناعياً.
وأوضح أن تكرار حالات الاختناق يرتبط، في تقديره، بغياب الصيانة والمراقبة لمنظومة معالجة غاز "الأمونياك"، التي تعتمد على تقنية الامتصاص المزدوج.
ورأى أن معالجة مشكلة التلوث في قابس تتطلب اعتماد الجيل الثالث من منظومات صناعة الفوسفات وتحويلها المعتمدة عالمياً، لما توفر من تقنيات تستجيب المواصفات وتحدّ من الانبعاثات، بما يجعل التحكم فيها أكثر سهولة، خصوصاً في ما يتعلق بإجراءات السلامة وسرعة التدخل.
وبعد أكثر من خمسة عقود على إنشاء المجمع الكيميائي، لا تزال قابس التونسية تبحث عن حل يوازن بين النشاط الصناعي وكلفة التلوث.
نبض