طقس أشد عنفاً وكوارث طبيعية متنقلة... ماذا يقول العلم؟

بيئة ومناخ 03-09-2026 | 08:21

طقس أشد عنفاً وكوارث طبيعية متنقلة... ماذا يقول العلم؟

استعراض تأثير الاحترار العالمي وظاهرة إل نينيو على الكوارث الطبيعية في آسيا وأوروبا، مع التركيز على الفيضانات والعواصف والانهيارات الجليدية.

طقس أشد عنفاً وكوارث طبيعية متنقلة... ماذا يقول العلم؟
(النهار)
Smaller Bigger

في أيام قليلة، تحركت خريطة الكوارث من آسيا إلى أوروبا. في جبال الهيمالايا، خلّف انهيار جليدي هائلاً سيولاً كارثية في النيبال والتبت. وفي اليابان، تحولت الأمطار الاستثنائية إلى فيضانات وانهيارات أرضية. ثم وصلت صور أخرى من أوروبا: إعصار قمعي في جنوب فرنسا، وعواصف رعدية عنيفة، وبَرَد بلغ قطر بعض حباته نحو 10 سنتيمترات في كاتالونيا الإسبانية.

العلم لا يضع هذه الأحداث كلها في سلة واحدة. لكل كارثة محركها الجوي أو الجيولوجي المباشر. لكن القاسم المشترك الذي يثير قلق علماء المناخ هو البيئة التي تحدث فيها: غلاف جوي أكثر حرارة ورطوبة، محيطات شديدة السخونة، وظاهرة "إل نينيو" قوي يتجه نحو ذروته في الخريف.

 

اليابان: 361 مليمتراً في يوم واحد

في مدينة هيمي بمحافظة توياما اليابانية، هطل 361.5 مليمتراً من المطر خلال 24 ساعة، فيما أصدرت وكالة الأرصاد اليابانية أعلى درجات التحذير، المستوى الخامس، في أجزاء من توياما وإيشيكاوا. وطُلب من أكثر من 380 ألف شخص الانتقال إلى مناطق آمنة بعدما فاضت الأنهار وحدثت انهيارات طينية، وفقاً لتقرير نشرته "غارديان" البريطانية. التفسير الجوي المباشر واضح نسبياً: كميات ضخمة من الرطوبة تدفقت من بحر اليابان، وتكوّنت نطاقات مطرية شديدة التركيز. وقبلها بأيام كان إعصار "ساوديل" قد مر بجنوب غربي اليابان مصحوباً برياح وأمطار غزيرة.

هذه الصورة مهمة لأن ارتفاع حرارة الهواء يزيد كمية بخار الماء التي يستطيع حملها. ويقدّر تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالرطوبة ترتفع بنحو 7 في المئة مع كل درجة مئوية إضافية من الاحترار. لذلك، عندما تتوافر آلية ترفع الهواء وتكوّن السحب، تصبح هناك كمية أكبر من المياه يمكن أن تسقط خلال فترة قصيرة. وتؤكد الهيئة أن التأثير البشري ساهم بالفعل في اشتداد الأمطار الغزيرة المرصودة في آسيا وأوروبا.

 

(النهار)
(النهار)

 

أوروبا: وصفة مثالية للعواصف الشديدة

في غرب أوروبا اجتمعت ثلاثة مكونات شديدة الفاعلية: منخفض جوي تحرك بمحاذاة الساحل الغربي للقارة، وعدم استقرار جوي مرتفع، وقصّ رأسي قوي للرياح، أي تغير واضح في سرعة الرياح أو اتجاهها كلما ارتفعنا في الغلاف الجوي. هذه البيئة مثالية لتكوين العواصف الرعدية المنظمة والخلايا الفائقة القادرة على إنتاج البَرَد الكبير والأعاصير القمعية. وفي قرية بوماس الفرنسية، ألحق إعصار قمعي أضراراً بنحو  300 منزل وأصاب 39 شخصاً، وسُجلت في المنطقة هبات تجاوزت 100 كيلومتر في الساعة. أما في كاتالونيا فسُجل بَرَد وصل قطره إلى نحو 10 سنتيمترات، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس".

هنا تبرز إحدى أهم الفروق العلمية: الاحترار العالمي يزيد الطاقة والرطوبة المتاحتين للعواصف، كما تتوقع النماذج ازدياد البيئات ذات عدم الاستقرار القوي في مناطق عدة. لكن العلماء ما زالوا أكثر تحفظاً في ربط "إعصار قمعي منفرد أو موجة بَرَد محددة" بتغير المناخ. تصنف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الثقة في الاتجاهات الطويلة الأمد للأعاصير القمعية والبَرَد بأنها منخفضة، لأن تكوين هذه الظواهر يعتمد أيضاً بشدة على القص الهوائي والديناميات المحلية.

مع ذلك، أعطت دراسة أوروبية حديثة مثالاً لافتاً: عند مقارنة ظروف عاصفة بَرَد ضربت غرب أوروبا عام 2025 بمناخ أبرد في الماضي، وجد الباحثون زيادة تقارب 200 جول/كغ في طاقة الحمل الحراري (CAPE)، مع ارتفاع احتمال البَرَد بنحو 30% في المناخ الحالي، بحسب Royal Meteorological Society.

 

ماذا عن نيبال؟

كارثة نيبال مختلفة. تشير صور الأقمار الاصطناعية والتحليلات الأولية إلى انهيار جزء كبير من نهر جليدي من ارتفاع يقارب 5200 متر، وسقوطه نحو 1200 متر إلى الوادي، مولداً سيلاً من الجليد والصخور والطين. عالم الأرض دان شوغار من جامعة كالغاري رصد ذوباناً سريعاً للثلوج قبيل الانهيار، لكنه شدد على أن تحديد مقدار مساهمة تغير المناخ في هذا الانهيار تحديداً يحتاج إلى دراسة إضافية. 

 

 

 

نشر الجيش النيبالي مروحيات ومستجيبين للكوارث في المنطقة المتضررة بالفيضانات. (أ ف ب)
نشر الجيش النيبالي مروحيات ومستجيبين للكوارث في المنطقة المتضررة بالفيضانات. (أ ف ب)

 

السياق، مع ذلك، مقلق: تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أنهار نيبال الجليدية ذابت خلال العقد الأخير بسرعة أعلى بنحو 65 في المئة مقارنة بالعقد السابق. الحرارة تضعف الجليد والتربة الصقيعية والصخور، فتزداد احتمالات الانهيارات والسيول الجليدية المتسلسلة.

 

"سوبر إل نينيو": لم يعد مجرد توقع

التطور الأهم أن "إل نينيو" موجود بالفعل ويشتد. وفي 13 آب/أغسطس، رفع مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) احتمال تحوله إلى حدث "شديد جداً" خلال خريف وشتاء 2026-2027 إلى "أكثر من 90%. وتقدّر احتمالاً يبلغ 69% لأن تبلغ شدته بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر مستوى تاريخياً يفوق +2.5 درجة وفق مؤشر RONI. 

يقول ناثانيال جونسون، عالم الأرصاد في مختبر الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي إن جميع السيناريوهات الثلاثين في نموذج SPEAR تتوقع أن ينافس هذا الحدث أقوى موجات إل نينيو المسجلة تاريخياً، مع ذروة محتملة بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الثاني/يناير. يمكن أن يكون تأثير "إل نينيو" أوضح في اليابان، لأنه يغيّر موقع المرتفع شبه الدائم في شمال المحيط الهادئ ومسارات الجبهات والأعاصير المدارية. أما في أوروبا، فالرابط أكثر تعقيداً وأقل مباشرة؛ العامل الحاسم في العواصف الأخيرة بقي المنخفض الجوي وعدم الاستقرار والقص الهوائي.

الأشهر المقبلة تحمل سبباً إضافياً للقلق: منظمة الأرصاد العالمية تتوقع تزامن "إل نينيو القوي" مع محيطات عالمية شديدة الحرارة وطور إيجابي لمؤشر المحيط الهندي، وهذه تركيبة تستطيع إعادة توزيع الأمطار والجفاف والحرارة على مساحات هائلة، وفقاً لـ World Meteorological Organization.

 

هل صنع التغير المناخي الـ"سوبر "إلـ نينيو""؟

ليس تماماً. "إلـ نينيو" ظاهرة طبيعية تحدث عندما ترتفع حرارة المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي وتتغير معها الرياح والتيارات الجوية، فتتحرك أنماط الأمطار والجفاف والحرارة على مسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات. ولا تقول الأدلة العلمية الحالية إن الاحترار العالمي يجعل "إلـ نينيو" أكثر تكراراً أو أقوى بالضرورة. حتى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد أنه لا توجد حتى الآن أدلة كافية على زيادة تكرار الظاهرة أو شدتها بسبب تغير المناخ.

 

كرة برد في كاتالونيا، إسبانيا. (أ ب)
كرة برد في كاتالونيا، إسبانيا. (أ ب)

 

لكن، هنا تكمن المشكلة الحقيقية: "إلـ نينيو" اليوم يعمل في نظام مناخي مختلف تماماً عن النظام الذي كان موجوداً قبل قرن. فالغلاف الجوي أشد حرارة، والمحيطات تختزن كميات أكبر من الطاقة، والهواء الدافئ يستطيع الاحتفاظ بمزيد من بخار الماء. لذلك يستطيع "إلـ نينيو" أن يدفع نظاماً مناخياً مشحوناً أصلاً بالحرارة والرطوبة نحو تطرف أكبر.

بمعنى آخر: تغير المناخ لا يحتاج إلى أن يصنع "إلـ نينيو" حتى يجعل آثاره أخطر. وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن تصبح التقلبات في الأمطار المرتبطة بظاهرة ENSO، التي تضم "إلـ نينيو" و"لا نينيا"، أشد قوة في عالم أكثر دفئاً.

قد يكون ما نراه اليوم مقدمة لموسم مضطرب، لكن خطأ التصور أن "إل نينيو" يشغّل مفتاح الكوارث في كل مكان. الأدق علمياً أن الاحترار العالمي يرفع سقف ما تستطيع العاصفة فعله، فيما يعيد "إل نينيو" ترتيب المكان والزمان اللذين تتركز فيهما الطاقة والرطوبة. وعندما تتزامن الاثنتان، تصبح الاحتمالات المناخية أشد تطرفاً، والكوارث التي كانت نادرة أشد قدرة على تجاوز ما صُممت المدن والبنى التحتية لمواجهته.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 9/2/2026 12:14:00 PM
لم تتسلّم عناصر "الحرس الوطني" رواتبها لمدة 5 أشهر بسبب تراجع إرسال الأموال من إسرائيل. لكن المصدر يرصد عودة تقاضي العناصر للرواتب منذ بداية آب الماضي.
المشرق-العربي 9/2/2026 11:25:00 PM
كان سليمان من أكثر الشخصيات غموضا وحساسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس السوري السابق.
النهار تتحقق 9/2/2026 9:02:00 AM
بدت النيران مشتعلة بقوة في أحد المواقع. هذه المشاهد "عاجلة الآن"، كتب مستخدمون.