اقتصاد وأعمال
08-06-2024 | 09:09
فخّ "التّجربة المجانيّة"
ثمة شركات تعيش على نعمة النسيان: يعرضون تجربة مجانية مؤقتة لخدمة ما، فيقبلها المستهلكون، وينسون إلغاءها. إنه الفخ الاقتصادي الناعم.
(تعبيرية)
"عزيزي العميل. أنت مهم جداً بالنسبة إلينا، لذلك نمنحك تجربة مجانية أسبوعاً. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي لحظة". عزيزي القارئ، حين تقرأ هذه الجملة أو تسمعها، تأكد أن ما تعنيه حقاً: "عزيزي العميل، أنت صيد ثمين بالنسبة إلينا، لذلك سنرمي لك الصنارة، فتعلق بها كما السمكة في الماء"... إلى آخر الكلام.
حسناً. إلى الآن، هذا مفهوم، وممكن، ومقبول. لكن، عزيزي العميل، هل تتذكر كم مرة قبلت بالتجربة "المجانية"، وأدخلت بيانات بطاقتك الإلكترونية، أو "محفظتك الإلكترونية" مواكبةً للحداثة المذهلة، ونسيت إلغاء الاشتراك... فتأتي بعد عام، أو عامين، وتسأل: أين تسرّب هذا المال من حسابي المصرفي؟".
الفخ الأحمر!
إنها مسألة مضحكة، تسميها لورا كيلي "فخاً" في مقالة ظريفة بمجلة "ذا أتلانتيك". تسأل كيلي في صدر مقالتها: "هل لديك ’تجارب مجانية‘ منسية منذ زمن طويل، تحولت إلى اشتراكات ناشطة، وصارت ثقباً في بطاقتك الائتمانية؟ إن كان جوابك نعم، فأنت - مثل كثيرين آخرين – تساهم في ازدهار اقتصاد الاشتراكات، وعلى الشركات التي تركتك غافلاً عن اشتراكك المنسي أن ترفع لك أسمى آيات الشكر والتقدير".
في منتصف العقد الأول من القرن العشرين، بدأت حمى الـ"إشتراك"، ويسّرتها المواقع الإلكترونية بزر صغير، لكن جذاب، تلوّنه في العادة بالأحمر: Subscribe. ومع انتشار هذه الظاهرة، "جذبتنا التجارب المجانية، فوقعنا أحياناً في شركها"، كما تقول كيلي التي تعترف بأن التجريب قبل الشراء أمر منطقي، "لكن شريطة ممارسة هذا الحق بعدل، عندها تكون التجربة المجانية مفيدة للطرفين، الشركة والمستهلك".
وتنسب كيلي في مقالتها إلى نيل ماهوني، الخبير الاقتصادي في جامعة ستانفورد، قوله لها في رسالة إلكترونية إن العديد من المنتجات سلع تجريبية، "ولا يمكننا أن نعرف إن كنا نريد اقتناءها فعلياً إلا بعد أن نجربها، فربما لا تلائمنا". يضيف لها: "فكري في عينة مجانية من المثلجات اللذيذة، فأنت لا ترغبين في شراء علبة كاملة إلا إن كنت تعرفين أنك تحبين نكهتها".
لكن المثلجات ليست مثالاً ملائماً، "فجميع التجارب المجانية تقريباً تتحول إلى اشتراكات مدفوعة في غفلة منا، إذ ننسى أننا تسجّلنا وقبلنا بالتجربة المجانية المؤقتة"، كما يقول ماهوني.
نقمة النسيان
في عام 2022، وجدت دراسة استقصائية أن نحو 40 في المئة من المستهلكين الذي جربوا "المجانية" ظلوا مشتركين في الخدمة من دون أن يستخدموها، لأنهم – بكل بساطة - نسوا أمرها تماماً. وهذه المشكلة منتشرة على نطاق واسع، حتى ابتكر لها أحدهم تطبيقاً يمكنه تتبع الاشتراكات وتنبيه المشترك إليها وإلغاء غير المستخدم منها. لكن، هل يحتاج هذا التطبيق إلى اشتراك؟ هل يعرض تجربة مجانية؟
في بعض الأحيان، ندفع باهظاً ثمن تورّطنا غير المقصود في اشتراكات مدفوعة. تقول كيلي: "بحسب بحث أجراه ماهوني نفسه، إغفال الاشتراكات ونسيانها طويلاً يرفد اقتصاد الاشتراكات بأموال كثيرة". وتنقل كيلي عن ماهوني قوله: "بالنسبة إلى بعض خدمات الاشتراك، ينتج النسيان زيادةً في إيرادات الشركات ربما تصل إلى ثلاثة أضعاف، وصعبٌ أن نقتنع بأن هذه الاشتراكات يمكن أن تستمر على ما هي عليه إن تنبّه إليها المشتركون".
على الضفة الاقتصادية الأخرى، "التجربة المجانية" أداة ازدهار للشركات. تقول كيلي في "ذا أتلانتيك": "منحُ المستهلكين فرصة تجريب خدمة ما مجاناً، أو بكلفة منخفضة، يمكّن العلامات التجارية من جذبهم، وضمهم إلى قاعدة بياناتها، وإمطارهم بالرسائل الإلكترونية، والتعرف إلى تفضيلاتهم، وأخيراً دفعهم إلى الاعتياد على استخدام الخدمة". تضيف: "يحب المستثمرون أن تُعد الشركات نماذج الاشتراك، فخلافاً لعمليات الشراء لمرة واحدة، يمكن الشركات استخدام نماذج الاشتراك للتخطيط للمستقبل"، بحسب دانييل مكارثي، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال بجامعة إيموري.
لا معاملة عادلة
لكن، ماذا لو قرر المتسوق ألا يستمر في الخدمة؟ تقول كيلي إنه "لا يحظى دائماً بمعاملة عادلة". وتضيف: "إذا كان النسيان عائقاً شائعاً أمام التملّص من فخ التجربة المجانية، فإن العائق الأكثر شراً يتمثل في أن بعض الشركات يجعل إلغاء الاشتراك بعد انقضاء مدة التجربة المجانية أمراً صعباً جداً. وإن تم تحويلك يوماً إلى مجموعة من الصفحات الإلكترونية التي تسألك إن كنت متأكداً من الإلغاء، فأنت تعرف ما أعنيه. فتكتيكات الاستجداء (من فضلك لا تتركنا!) قد تنحرف إلى حد بلوغ مستوى التلاعب النفسي، حتى تدرك أن الداخل مفقود والخارج مولود... تقريباً".
تحاول السلطات القانونية والاقتصادية في الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات صارمة بحق شركات تمارس هذا التلاعب. ففي العام الماضي، اقترحت لجنة التجارة الفدرالية إضافة بند في المواقع الإلكترونية الخدمية سمته "النقر للإلغاء"، لتكون عملية إلغاء الخدمة سهلةً، كسهولة الاشتراك فيها تماماً. ويقول ماهوني: "على الشركات أن تكون أكثر إنصافاً في تعاملها مع عملائها. فعلى سبيل المثال، يمكنها تذكير المستهلك برسالة بشأن الرسوم المتكررة، خصوصاً إذا لم يستخدم حسابه".
أخيراً، في عام 2022، حذرت أماندا مول في مقالة لها بمجلة "ذا أتلانتيك" نفسها من أن اقتصاد الاشتراكات على شفير الانهيار. قالت حينها: "لا يمكننا التأكد من عدد الاشتراكات التي ستتحملها الأسرة المتوسطة قبل أن تبدأ في إلغائها". وتعلّق كيلي: "يبدو أننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. فبعد عامين من هذه الفرضية، تبقى الاشتراكات الرقمية شائعة جداً".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
اقتصاد وأعمال
4/2/2026 9:15:00 AM
ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان
ايران
4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
نبض