26-02-2024 | 05:59

الذّكاء الاصطناعي سيرفع معدّلات النّمو الاقتصادي العالمي... لكن ليس بدون ضحايا؟

"سيعمل الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول في الاقتصاد العالمي، تماماً كما فعلت الكهرباء والمحرك البخاري في عصرهما".
الذّكاء الاصطناعي سيرفع معدّلات النّمو الاقتصادي العالمي... لكن ليس بدون ضحايا؟
Smaller Bigger
 
"سيعمل الذكاء الاصطناعي على إحداث تحول في الاقتصاد العالمي، تماماً كما فعلت الكهرباء والمحرك البخاري في عصرهما".. من خلال هذه المقاربة شرح تقرير صادر عن bank of America، التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي، لجهة "الثورة" التي يُمكنه تحقيقها في شتى القطاعات، وبما يسهم في تغيير جذري حقيقي لدعائم الاقتصاد الدولي وأسسه، غير أن ثمة مجموعة من التحديات تفرض نفسها على المشهد.
 
بحسب التقرير، من المرجح أن تنمو الإيرادات العالمية المرتبطة ببرامج الذكاء الاصطناعي وأجهزته وخدماته ومبيعاته بنسبة 19 في المئة سنوياً، لتصل إلى 900 مليار دولار بحلول عام 2026، مقارنة بـ318 مليار دولار في عام 2022. ووفقاً لبعض التقديرات، سيسهم الذكاء الاصطناعي بأكثر من 15 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.
 
لكنّ التقرير نبه إلى أنه كما هي الحال مع أي تحول تكنولوجي كبير، من المحتمل أن يؤدي ظهور الذكاء الاصطناعي إلى هزة في بعض المهن وقد يؤدي إلى إلغاء بعضها. 
 
في الماضي، أدت مثل هذه التحولات إلى إلغاء الوظائف اليدوية الأساسية، مثل تصنيع خطوط الإنتاج.. الأمر المختلف هذه المرة هو أن الذكاء الاصطناعي قادر على التعامل مع عدد من المهمات المرتبطة بالمهن الأساسية. 
 
في تصريحات خاصة إلى "النهار العربي"، يقول المستشار الأكاديمي في جامعة سان خوسيه الحكومية في كاليفورنيا الدكتور أحمد بانافع، إن "من المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي إسهاماً كبيراً في تعزيز أهداف النمو الاقتصادي العالمي، إذ تشير التقديرات إلى أنه يمكن أن يضيف (ما بين 15 إلى 17 تريليون دولار) إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030".
 
ويضيف: "تتعزز هذه الإمكانية بعوامل عدة، من بينها ما يرتبط بزيادة الإنتاجية، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتة العديد من المهمات التي يؤديها البشر حالياً، بما يحرر العمال للقيام بمساع أكثر إبداعاً وإنتاجية.. علاوة على الابتكار المعزز؛ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الشركات على تطوير منتجات وخدمات جديدة أسرع وأكثر كفاءة".
 
ومن بين أبرز العوامل أيضاً "خلق فرص عمل جديدة"، ذلك أن من المتوقع أن يخلق الذكاء الاصطناعي ملايين الوظائف الجديدة في مختلف القطاعات.
 
تحول الإنتاجية
وفي السياق، ذكر تحليل أجرته برايس ووتر هاوس كوبرز (شبكة خدمات مهنية متعددة الجنسيات تتخذ من لندن، المملكة المتحدة مقراً لها)، أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يحول الإنتاجية وإمكانات الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العالمي. وهناك حاجة إلى الاستثمار الاستراتيجي في أنواع مختلفة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتحقيق ذلك.
 
ومن شأن تحسين إنتاجية العمل أن يؤدي إلى تحقيق مكاسب أولية في الناتج المحلي الإجمالي، إذ تسعى الشركات إلى "زيادة" إنتاجية قوتها العاملة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وأتمتة بعض المهمات والأدوار.
 
ويظهر تحليل الشركة أيضاً أن 45 في المئة من إجمالي المكاسب الاقتصادية بحلول عام 2030 سيأتي من تحسينات المنتجات، وتحفيز الطلب الاستهلاكي. وذلك لأن الذكاء الاصطناعي سيعزز تنوع المنتجات، مع زيادة التخصيص والجاذبية والقدرة على تحمل التكاليف بمرور الوقت.
 
كما ستكون أعظم المكاسب الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي في الصين (زيادة بنسبة 26 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2030) وأميركا الشمالية (زيادة بنسبة 14.5 في المئة)، أي ما يعادل إجمالي 10.7 تريليونات دولار ويمثل ما يقرب من 70 في المئة من التأثير الاقتصادي العالمي.
 
أبرز التحديات
لكن بحسب الخبير التكنولوجي، لا بد من معالجة التحديات لتعظيم فوائد الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التحديات المرتبطة بـ"عدم المساواة"، لجهة ضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي توزيعاً عادلاً عبر المجتمع، علاوة على تحديات "إزاحة الوظائف"، ذلك أن الأتمتة قد تؤدي إلى بطالة جماعية، ما يستلزم إعادة تدريب العمال على مهارات جديدة، بخلاف التحديات الأخلاقية المتعلقة بضمان استخدام الذكاء الاصطناعي استخداماً أخلاقياً ومسؤولاً.
 
ويُشار هنا إلى التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي في كانون الثاني (يناير) الماضي، والذي تحدث عن ذلك التحدي، أن "الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر على نحو 40 في المئة من الوظائف في جميع أنحاء العالم (ترتفع النسبة إلى 60 في المئة بالنسبة للاقتصادات المتقدمة"، مشيراً إلى أهمية تحقيق التوازن الدقيق بين السياسات للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي ومواجهة التحديات التي يسفر عنها في الوقت نفسه.
 
تحفيز النمو الاقتصادي
وبالعودة إلى حديث بانافع، فإنه يوضح لـ"النهار العربي"، أن الذكاء الاصطناعي عامةً هو أداة قوية يمكنها تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين الحياة على مستوى العالم، مشدداً على أن معالجة التحديات الحالية أمر بالغ الأهمية لضمان التنفيذ المسؤول للذكاء الاصطناعي.
 
ويستعرض بانافع في السياق نفسه بعض الأمثلة على مساهمات الذكاء الاصطناعي في النمو الاقتصادي؛ من بينها "الرعاية الصحية"، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأطباء على تشخيص الأمراض بدقة أكبر وعلاج المرضى علاجاً أكثر فعالية. وكذلك دور الذكاء الاصطناعي في "التصنيع"، إذ يمكن لتطبيقاته أن تساعد الشركات على تحسين كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف. كذلك في "الزراعة" يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المزارعين على زيادة إنتاجية المحاصيل وتحسين جودة المنتج.
 
تحسين مستوى الحياة
ويختتم بانافع حديثه بقوله: يعد الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكنها تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين الحياة على مستوى العالم، ولكن مواجهة التحديات الحالية أمر بالغ الأهمية لتنفيذ الذكاء الاصطناعي تنفيذاً مسؤولاً.
 
ووفق التحليل الذي أجرته pwc، فإن ما يتجلى بقوة في هذا السياق هو مدى المساحة التي من المحتمل أن يغير فيها الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة (على صعيد الاقتصاد العالمي)، ومدى القيمة المحتملة التي يمكن استغلالها. ذلك أنه من الممكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ يصل إلى 15.7 تريليون دولار أميركي في الاقتصاد العالمي في عام 2030، أي أكثر من الناتج الحالي للصين والهند مجتمعتين. ومن هذا المبلغ، من المرجح أن يأتي 6.6 تريليونات دولار من زيادة الإنتاجية، ومن المرجح أن يأتي 9.1 تريليونات دولار من الآثار الجانبية للاستهلاك.
 
إلا أن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من التطوير عموماً. ومن وجهة نظر الاقتصاد الكلي، هناك فرص متاحة للأسواق الناشئة للقفز على نظيراتها الأكثر تقدماً. وفي قطاع الأعمال الخاص، يمكن لإحدى الشركات الناشئة اليوم أو الشركة التي لم يتم تأسيسها بعد أن تصبح رائدة السوق في غضون عشر سنوات.