"ثمة مجال أوسع لتحرير سعر الصرف؛ من أجل استيعاب الصدمات في الاقتصاد الحقيقي، واستهداف التضخم بشكل ملائم".. هذا ما أكده رئيس بعثة صندوق النقد إلى المغرب، روبرتو كارداريلي، في تصريحات له قبل أيام، أشار خلالها إلى أنه مع تباطؤ معدلات التضخم في البلاد، فإن الفترة الراهنة "جيدة" لعودة المركزي المغربي لمشروعه المرتبط بالانتقال إلى "نظام نقدي مختلف"، والذي أطلقه قبل سنوات.
واعتبر الصندوق أن الأوضاع الراهنة ملائمة للعودة لمشاريع "التعويم التدريجي" (تحرير سعر الصرف) للدرهم المغربي، مُقراً في الوقت نفسه بأن التعويم "عملية معقدة تتطلب عملاً تقنياً واسعاً"، لا سيما في سياق تأهيل وإعداد المشاريع المتوسطة والصغيرة جداً للتعامل مع المتغيرات التي يحملها سعر الصرف المرن.
وكان المركزي المغربي قد انخرط في برنامج انتقالي من أجل "تعويم تدريجي" لسعر الصرف منذ سنوات، ويعتقد صندوق النقد الدولي بأن "الظرفية الحالية ملائمة لاستئناف ذلك البرنامج الآن في ظل التوقعات المرتبطة بتراجع معدلات التضخم إلى 2 في المئة خلال الفترة المقبلة".
وبينما ينفي الصندوق أنه يُملي شروطاً أو معايير خاصة على المركزي المغربي، إنما يعطي رأياً في هذا السياق، سبق أن كشف والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عن أن الصندوق كان يُلح على المغرب من أجل المضي قدماً في برنامج تحرير سعر الصرف، لكنّه كف عن تلك المطالبة بعدما اقتنع بمبررات بنك المغرب بضرورة تهيئة البيئة الاقتصادية والاجتماعية لهذا السياق.
ويرى الصندوق الآن فرصة للمضي قدماً في هذا المنحى في ضوء معدلات التضخم الراهنة، وما تعكسه من علامات أساسية.
وكانت معدلات التضخم في المغرب، قد سجلت أدنى مستوى منذ 26 شهراً في كانون الثاني (يناير) الماضي، وبلغت 2.3 في المئة على أساس سنوي.
وفي عام 2023، انخفضت معدلات التضخم السنوي إلى 6.1 في المئة، مقارنة بـ6.6 في المئة في العام السابق عليه 2022. وتشكل تلك المعدلات طفرة غير مسبوقة منذ التسعينات. بينما تشير توقعات بنك المغرب المركزي إلى تراجع المعدل إلى 2.4 في المئة في 2024.
تحديات أساسية
رئيس المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة في المغرب، رشيد ساري، يقول في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي": "أظن أنه من السابق لأوانه اليوم الحديث عن "تعويم الدرهم" في ضوء الظرفية الحالية"، موضحاً أن هناك فعلاً ديناميكية في الاقتصاد المغربي، لكن بموازاة ذلك ثمة مجموعة من العوامل التي تجعل من الضرورة بمكان التفكير الطويل والعميق قبل الإقدام على اتخاذ تلك الخطوة. ويُحدد ساري أربعة عوامل رئيسية تُشكل تحديات في هذا السياق.
العامل الأول بحسب ساري هو معدلات التضخم في المغرب التي لم تعد كما كانت سابقاً في حدود 2 في المئة، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان في الوقت الحالي أن يكون هناك تعويم للدرهم.
العامل الثاني، هو التقلبات المناخية التي يعيشها المغرب، في إشارة إلى أزمة الجفاف وتداعياتها الاقتصادية بالبلاد.
أما العامل الثالث، فهو أن معدلات النمو ليست بالمرتفعة، وتتراوح ما بين 1.1 إلى 3.5 في المئة، "وإذا كنا سوف نمضي في عملية التعويم، يتعين أن تكون هنالك معدلات نمو مستقرة لمجموعة من السنوات، أكثر من 5 أو 6 في المئة".
أما العامل الرابع، فهو حالة عدم اليقين على المستوى العالمي، "فهناك توترات جيوساسية على المستوى الأوروبي، والحديث هنا مرتبط بالحرب في أوكرانيا، وكذلك التوترات في منطقة الشرق الأوسط".

ويعتقد الخبير الاقتصادي المغربي بأن "آثار تعويم الدرهم ستكون قاسية على المغرب"، مردفاً في معرض حديثه مع "النهار العربي": "لا نريد تجارب أو سيناريوهات مشابهة لما يحصل اليوم في مصر أو تركيا".
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أهمية التريث قبل اتخاذ ذلك القرار، الذي يعتقد أنه يمكن تنفيذه بعد خمس سنوات، لا سيما أن في الأفق القريب استثمارات واعدة ربما تدخل المغرب.
يشار إلى أن بنك المغرب كان قد بدأ مسلسل تعويم الدرهم "تدريجياً" منذ عام 2016، بداية من معدل 0.3 في المئة، وفي عام 2018 اعتمد بنك المغرب نطاقاً أوسع في حدود 2.5 في المئة، قبل أن يعتمد حدود 5 في المئة في عام 2020.
مسلسل التعويم
وفي تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، تقول أستاذة الاقتصاد بجامعة ابن طفيل، الخبيرة الاقتصادية المغربية الدكتورة سلمي صدقي، إن "مسلسل تعويم العملة المغربية يندرج في إطار الإصلاحات الماكرو اقتصادية والمالية التي شرع المغرب فيها منذ بداية تسعينات القرن الماضي".
وفي إطار هذه الإصلاحات، كان هناك أيضاً إصلاح لنظام البنك المركزي المغربي؛ بحيث أصبح بنكاً مستقلاً يتخذ جميع قرارات السياسة النقدية باستقلالية كبيرة، وهذه الخطوة "في إطار نزوح السياسة النقدية المغربية إلى ما يعرف بنظام استهداف التضخم.. وهذا النظام بصفة مباشرة يتطلب من بين أساسياته تعويم العملة المغربية بالكامل"، وفق صدقي.
وتضيف: "بالتالي شرع بنك المغرب في مسلسل تعويم العملة منذ خمس سنوات، عبر تعويم تدريجي بتوسيع المجال الذي يصعد ويهبط فيه سعر الصرف.. وهذا المسلسل يعمد إليه المغرب بصفة تدريجية حتى يتهيأ لمواجهة تحديات التحرير الكامل للعملة؛ لأن التحرير الكامل تنتج منه تحديات"، في إشارة إلى أن التحرير الكامل المباشر كان من شأنه أن يدفع بمخاطر على الاقتصاد المغربي.
وتبعاً لذلك، تعتقد أستاذة الاقتصاد المغربية أن "التعويم التدريجي الذي يعتمد عليه بنك المغرب هو في مصلحة الاقتصاد.. والتريث الذي يُبديه البنك هو تريث إيجابي"، موضحة أنه عندما يتم تعويم الدرهم بصفة كلية، سيبدأ بنك المغرب في استهداف نسبة تضخم مباشرة، فالبنك هو من يحدد نسبة التضخم المناسبة لكل ظرفية اقتصادية ويستهدفها بصورة مباشرة".
نبض