تضيف التوترات الحالية في البحر الأحمر، وما نتج منها من اضطرابات في حركة الشحن مع تحويل عدد من السفن مسارها إلى الطريق الأطول حول أفريقيا تجنباً لهجمات الحوثيين، مزيداً من الضغوط على الاقتصاد المصري؛ لا سيما مع تأثر واحدة من القنوات الرئيسية للدخل الدولاري بتلك التطورات، وهي قناة السويس، والتي تعد رافداً أساسياً من روافد العملة الأجنبية للبلاد.
وتشير التقديرات التي كشف عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أخيراً، خلال كلمته في مؤتمر ومعرض مصر الدولي السابع للطاقة، إلى تراجع الإيرادات في الفترة الأخيرة بنسبة ما بين 40 إلى 50 في المئة جراء تلك التوترات.
ويعني ذلك التراجع تأزيماً إضافياً لأزمة العملة الصعبة التي تعانيها البلاد، وبما يضغط على الاقتصاد المصري الذي يكابد من أجل الخروج من دائرة الأزمات المرتبطة بشح العملة، وفي ظل الالتزامات الخارجية والداخلية المفروضة هذا العام.
وتأتي أزمة تراجع إيرادات قناة السويس بالتزامن أيضاً مع أزمات ضاغطة مردها إلى التطورات الجيوسياسية وانعكاساتها على الأوضاع المحلية أساساً.
وتتزامن كذلك مع الضغوط التي تواجهها مصادر العملة الأجنبية الأخرى، لا سيما تحويلات المصريين في الخارج، وفي ظل هروب كثير من تلك التحويلات إلى السوق الموازية، بسبب الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق السوداء.
مصادر الدخل الدولاري
في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، يقول مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي، إن تراجع إيرادات قناة السويس يعني تقلص عوائد أحد المصادر الخمسة الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر، وهي السياحة وعائدات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج والصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر.
وحققت القناة إيرادات تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار العام الماضي، مقارنة بـ7 مليارات دولار في العام السابق، وهو ما يعكس جانباً من حجم التأثير الذي يُمكن أن يُحدثه تراجع الإيرادات على ذلك النحو في ما يرتبط بتوافر العملة الأجنبية في مصر، بحسب الشافعي.

وشهدت القناة في العام المالي الماضي ارتفاعاً بأكثر من النصف (بنسبة 55.1 في المئة تحديداً) في عدد السفن العابرة، بإجمالي 25.9 ألف سفينة (وهو معدل تاريخي)، مقارنة بـ16.7 ألف سفينة في العام المالي السابق عليه.
ويلفت الشافعي إلى أنه بالنظر إلى وجود أزمة عملة أجنبية في مصر، فإن من شأن تراجع إيرادات قناة السويس بهذه النسبة أن يشكل مزيداً من الضغط وبما يفاقم هذه الأزمة التي تعانيها القاهرة.
وتشهد المالية العامة في مصر ضغوطاً واسعة. بينما تتسع الفجوة بين السعر الرسمي للدولار في البنوك دون مستوى 31 جنيهاً للدولار الواحد، مقابل سعره في السوق الموازية (السوداء) بأكثر من 100 في المئة من سعره الرسمي، وبما يزيد عن 60 جنيهاً، بحسب منصات متتبعة لأسعار التنفيذ في السوق السوداء.
لكنّ الشافعي يتحدث عن الإجراءات التي قامت بها الحكومة المصرية أخيراً من أجل الخروج من الأزمة والحد منها، وكان من بين الحلول الإيجابية التي يتم العمل عليها ما يتعلق بزيادة قرض صندوق النقد الدولي، علاوة على استقطاب دعم الاتحاد الأوروبي الذي وعد بتمويلات مباشرة وغير مباشرة بعشرة مليارات دولار، بخلاف السياسات المالية والنقدية المتبعة والتي من شأنها التخفيف من وطأة أزمة الدولار.
وبفعل المخاوف من هجمات الحوثيين، تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 46 في المئة في كانون الثاني (يناير) الماضي، مقارنة بالإيرادات المحققة في الشهر نفسه من السنة الماضية، لتسجل 429 مليون دولار، مقابل 804 ملايين دولار في الشهر المقابل. وجاء ذلك مع انخفاض أعداد السفن المارة بنسبة 36 في المئة لتصل إلى 1362 سفينة.
تعظيم الموارد
ويقول مدير "مركز رؤية للدراسات الاقتصادية" بلال شعيب: "صحيح أن الاضطرابات في البحر الأحمر تسفر عن تراجع في إيرادات قناة السويس، إلا أن هذا التراجع يُمكن أن يكون طفيفاً بينما لا نزال في الربع الأول من عام 2024، وذلك مقارنة بمصادر الدخل الأخرى بالعملة الأجنبية التي هي بحاجة إلى تدعيم، والتي من خلال دعمها يمكن تعويض الخسائر في إيرادات القناة، ومن بينها السياحة (مع هدف الوصول إلى إيرادات بقيمة 45 مليار دولار وفي ظل تنوع المقاصد السياحية المصرية) وكذلك الصادرات (مع مستهدف 145 مليار دولار بحلول 2030)".
ويلفت شعيب في تصريحات خاصة إلى "النهار العربي" إلى أن التأثيرات المحتملة الناجمة عن تراجع إيرادات القناة هي عرض لمرض أكبر يواجهه الاقتصاد المصري نتيجة عدد من الأزمات، ومع شح السيولة الدولارية ونقص في سلة العملات الأجنبية، جنباً إلى جنب والخلل الهيكلي في الميزان التجاري، علاوة على العوامل الجيوسياسية والاضطرابات في البحر الأحمر والتهديدات التي تواجه حركة الملاحة والتجارة العالمية.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصناعة المصرية إلى أن الصادرات السلعية بلغت 35.63 مليار دولار في 2023، مقابل واردات بقيمة 72.54 مليار دولار في 2023. وبما يمثل فجوة قيمتها 36.9 مليار دولار نزولاً من 48.06 مليار دولار في 2022.
ويشدد على أن تعظيم عوائد تلك القطاعات المُدرة للعملة الصعبة من شأنه حل أزمة الدولار في البلاد، لا سيما أن القاهرة لديها تعدد في موارد النقد الأجنبي، بما في ذلك تحويلات المصريين في الخارج أيضاً والتي شهدت تراجعاً في الآونة الأخيرة، بينما يمكن أن يتم إطلاق المزيد من المبادرات المحفزة لجذب تلك التحويلات (لعدم هروبها إلى السوق السوداء) من بينها طرح أوعية ادخارية بعوائد أعلى من 10 في المئة على سبيل المثال.
وتراجعت تحويلات المصريين في الخارج لتسجل 22 مليار دولار في 2023، مقارنة بـ31.6 مليار دولار في عام 2022. فيما تأتي مصر في المركز السادس كأعلى دولة في العالم في ما يتعلق بتحويلات مواطنيها العاملين في الخارج في عام 2022، وفقاً لمؤشرات البنك الدولي.
وقدمت الدولة المصرية في الآونة الأخيرة عدداً من المبادرات الهادفة إلى جذب تحويلات المصريين في الخارج إلى الجهاز المصرفي للدولة.
وفي ما يخص قناة السويس، يتحدث شعيب أيضاً عن المشاريع الخاصة بتعظيم العائدات، بحيث لم يعد الأمر مقتصراً على إيرادات العبور، بل هنالك مشاريع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من شأن التوسع فيها زيادة العوائد أكثر.
نبض