13-02-2024 | 16:52

عامان على الحرب في أوكرانيا يدفعان الاقتصادات الناشئة إلى قلب "العواصف الاقتصادية"

شكَّلَ تاريخ الرابع والعشرين من شهر شباط (فبراير) من العام 2022 نقطة تحوّل مُزلزلة على الصعيد الدولي، أوجدت جملةً من المتغيّرات المتتابعة التي هزّت بتداعياتها العالم بأسره،
عامان على الحرب في أوكرانيا يدفعان الاقتصادات الناشئة إلى قلب "العواصف الاقتصادية"
Smaller Bigger

شكَّلَ الرابع والعشرين من شهر شباط (فبراير) من العام 2022 نقطة تحوّل مُزلزلة على الصعيد الدولي، أوجدت جملةً من المتغيّرات المتتابعة التي هزّت بتداعياتها العالم بأسره، ونتجت منها مجموعة من التحدّيات غير المسبوقة؛ ذلك أنّ عالمَ ما قبل الحرب في أوكرانيا في هذا التاريخ، يختلف بشكل كبير عن عالم ما بعد الحرب.

 

التأثيرات الممتدة واسعة النطاق للحرب في شرق أوروبا –أو العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا كما يُطلق عليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- خلقت مزيداً من التحدّيات الاقتصادية في عالمٍ بالكاد يتحسس طريقه للتعافي البطيء من الآثار المستمرة لجائحة كورونا وكلفتها الاقتصادية شديدة التعقيد.

 

كثيرٌ من الاقتصادات الناشئة بشكل خاص كانت في القلب من العواصف الاقتصادية للحرب في أوكرانيا، لا سيما مع درجة انكشاف واسعة لعديد منها على الصدمات الخارجية؛ لجهة الاعتماد بشكل أساسي على الواردات، بما في ذلك واردات الحبوب من كل من أوكرانيا وروسيا، ومع وجود نحو 500 مليون شخص حول العالم يعتمدون على صادرات أوكرانيا وروسيا من الحبوب.

 

وكما أجبرت دروس الحرب القارة العجوز ودولها المتقدّمة على السعي نحو فطام نفسها عن الغاز الروسي، بعد ارتهانها لسنين طويلة إليه عبر الإمدادات الواردة من خط "نورد ستريم 1" وخطط التوسّع عبر خط "نورد ستريم 2" قبل الحرب، وسعت لإيجاد بدائل من الغاز المسال من عددٍ من الجهات، على رأسها الولايات المتحدة، فإنّ الاقتصادات الناشئة أيضاً تعلّمت الدرس، لكنها تشهد تفاوتاً وصعوبات في التطبيق.

 

وضعت التداعيات الاقتصادية للحرب البلدان النامية أمام حقيقة انكشافها المفرط على الصدمات الخارجية، وبالتالي شجّعت خططاً مختلفة لمعالجة ذلك الانكشاف، تضمنت البحث عن سبل تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض القطاعات لتقليص فاتورة الواردات بما تستنزفه من النقد الأجنبي، ومن أجل أن تكون أكثر صموداً في مواجهة التطورات الجيوسياسة ذات الصلة المؤثرة على انسيابية الإمدادات وسلاسل التوريد.

 

 وبخلاف ذلك، يسعى عديد من البلدان إلى "تنويع" مصادر الواردات، حتى لا تقع تحت رحمة طرف بعينه في ما يتعلق بالسلع الأساسية.

إجراءات التحوط

في هذا السياق، يشير الخبير والمحلّل الاقتصادي، محمد الرمضان، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إلى التحدّيات المرتبطة بتحقيق الاكتفاء الذاتي في البلدان النامية من السلع الأساسية والاستراتيجية، موضحاً أنّه يمكن في بعض المنتجات تحقيق ذلك، إنما الأمر قد يواجه صعوبات في سلع أخرى مختلفة، سواءً تحدّيات مرتبطة بوفرة المواد الخام وخلافه.

 

ويضيف: "في بعض الأحيان يكون المُنتج المستورد أرخص بالنسبة لتلك البلدان من إنتاجه محلياً، نظراً لعدم توافر المقومات، سواءً التربة الزراعية الصالحة أو المواد الخام وما إلى ذلك".

 

وفي تصور الرمضان، فإنّ تلك الاقتصادات (الأكثر تأثراً بالصدمات الخارجية) يُمكنها التحوّط من خلال عددٍ من الإجراءات، مثل تنويع مصادر واردات السلع الاستراتيجية، وزيادة مخزون الطوارئ، ورفع المنتجات المحلية التي يُمكن تصنيعها بكلفة أقل؛ لتعويض جزء من الحاجة بالنسبة للسلع الاستراتيجية".

 

يأتي ذلك في وقت يعاني فيه عديد من هذه الاقتصادات من مشكلات هيكلية تعيق الاعتماد على حلول جذرية طويلة المدى لتقليص مدى التعرّض على الصدمات الخارجية، وفي خطٍ متوازٍ مع أزمة التمويل والديون.

 

في سياق متصل، كانت التداعيات الاقتصادية للحرب مُشجّعة لعديد من الاقتصادات الناشئة، للتطلع للانخراط في تكتلات مختلفة، على سبيل المثال مجموعة "بريكس"، لما تشكّله تلك التكتلات من فرص لتبادل السلع والحصول على التمويلات التنموية في عديد من القطاعات، والانعتاق من هيمنة الدولار الأميركي، وبالتالي تقليص كلفة الانكشاف السلبي على الصدمات الخارجية.

في مصر على سبيل المثال، أثار الانضمام إلى تكتل "بريكس" زخماً واسعاً، وسط رهانات على أن يشكّل انخراط القاهرة في مثل تلك التجمعات تحولاً اقتصادياً يقلّل من الاعتماد على الدولار الأميركي ويقلّص من فاتورة التعرّض له.

 

ومع تعدّد "الدروس المستفادة" بالنسبة للاقتصادات الناشئة، وتبنّي عديد منها أهدافاً مستقبلية طموحة فضلاً عن خطوات تنفيذية على أرض الواقع، إلاّ أنّ ثمة عديداً من الأسئلة تطرح نفسها بخصوص مدى قدرة تلك الإجراءات في تقليص فاتورة هذا الانكشاف، في ظلّ المقدّرات الوطنية المُتاحة، وإلى أي مدى يُمكن أنّ بعض تلك الخطط قابلة للتنفيذ من دون مبالغة في افتراض النتائج العملية؟

أزمات هيكلية

يقول رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، الدكتور رشاد عبده، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إنّ ثمة دروساً حقيقية قدّمتها الحرب في أوكرانيا للبلدان النامية، فقد نبّهت بشكل عملي إلى أهمية اتخاذ خطوات عملية حقيقية لتحصين نفسها من أثر الصدمات الخارجية، بما في ذلك الاعتماد على الإنتاج المحلي.

 

ويضيف: "اللافت أنّ روسيا (وهي الطرف الرئيسي في الحرب) لم يتضرّر اقتصادها بالشكل الذي تضرّرت به اقتصادات البلدان النامية، بل إنّ اقتصاد روسيا في العام 2023 كان من بين أقوى 7 اقتصادات في العالم، رغم توجيه مقدّراته إلى الأسلحة وخدمة المجهود الحربي.. وبالتالي فإنّ ذلك يدفع الاقتصادات الأخرى في التفكير بشكل جاد في حجم الأضرار التي تكبّدتها، والتي كان يُمكن ألا تكون بهذا الحجم في حال كانت هناك سياسات اقتصادية تستطيع التعامل مع تلك التحدّيات".

 

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى أنّ خسائر الاقتصاد العالمي بشكل عام جرّاء الحرب، ما وصفه بـ"التفتت الاقتصادي العالمي"، وهو التفتت الناتج من تبعات الحرب وانقسام العالم لمعسكرين (شرقي وغربي)، تصل إلى نحو 2.5 في المئة من حجم الناتج المحلي العالمي، وهو ما يعادل 2.5 تريليون دولار.

 

وبينما يُمكن أن تتفاقم فاتورة الخسائر إلى 7 تريليونات دولار حال عدم التأقلم مع جملة المتغيّرات الراهنة على المشهد الاقتصادي، فإنّ الصندوق نبّه إلى حقيقة أنّ اقتصادات الأسواق الناشئة والدول ذات الدخل المنخفض "سوف تتعرّض لنسبة أكبر من الخسائر".

إدارة الموارد

وبالعودة لحديث رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، فإنّه يميل إلى الرأي القائل إنّ سبب تفاقم الأزمات الاقتصادية مردّه الأساسي إلى الحكومات في بعض تلك البلدان، مشيراً إلى أنّه "لا توجد دولة فقيرة، إنما توجد دول لا تستطيع إدارة مواردها بالشكل العلمي الصحيح، وبالتالي تقع في براثن الأزمات... فاليابان على سبيل المثال، والتي تفتقد إلى كثيرٍ من مقومات الثروة، حقّقت تجربتها من خلال الاعتماد على مواردها المتاحة والممثلة في الموارد البشرية، وكذلك كوريا الجنوبية والعديد من التجارب الاقتصادية".

وتبعاً لذلك، فإنّ فاتورة الفساد في بعض البلدان النامية، وكذلك عوامل مثل البيروقراطية وسوء التخطيط وإدارة الموارد الاقتصادية وفق خطة ممنهجة وواضحة، جميعها أمور عززت من حالة الانكشاف تلك، وعمّقت من الخسائر الاقتصادية، حتى أنّ ثمة دولاً مُهدّدة بالدخول في مجاعات، بحسب رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية.