10-02-2024 | 05:10

"عقد الديون" يستنزف الاقتصاد العالمي ودول مهددة بالإفلاس

منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي عرفت نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي العالمي قفزات واسعة حيث تضاعف المعدلات ثلاث مرّات
"عقد الديون" يستنزف الاقتصاد العالمي ودول مهددة بالإفلاس
Smaller Bigger

 

منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، عرفت نسبة الدين إلى الناتج الإجمالي العالمي قفزات واسعة، وهو ما تؤكده بيانات صندوق النقد الدولي، التي تشير إلى تضاعف المعدلات ثلاث مرّات.

وبحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي"، فإن العقد المقبل سيكون "عقد الديون" بامتياز؛ ذلك أن العالم يقف على مشارف 10 سنوات من أزمة ممتدة "قد لا تنتهي جيداً"، طبقاً لوصف الخبير الاقتصادي، آرثر لافر جونيور، الذي نقلت عنه الشبكة إشارته إلى المعدلات المرتفعة التي تشكلها مستويات الاقتراض العالمية، عند 307.4 تريليونات دولار بحسب آخر التقديرات في أيلول (سبتمبر) الماضي.

تأتي البلدان الناشئة والدول ذات الدخل المرتفع على حد سواء في القلب من أزمة مراكمة الديون؛ بعد تسجيل زيادة بلغت قرابة الـ100 تريليون دولار في الوقت الحالي، مقارنة بمتوسطات ما قبل عقد من الزمن، وقد عزز من ذلك مستويات الفائدة المرتفعة.

وأسهمت مساعي معظم البنوك المركزية حول العالم لكبح جماح التضخم منذ عام 2022 خاصة في إلقاء مزيدٍ من الضوء على تراكمات الديون العالمية، التي ارتفعت حدتها ارتفاعاً واسعاً، ويُدق معها ناقوس الخطر بشأن تداعياتها الحالية والمستقبلية على الاقتصاد العالمي.

ويقول مستشار البنك الدولي، الدكتور محمود عنبر، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إن أزمة تفاقم وتيرة الديون العالمية ليست وليدة العقد الحالي، بل إنها تعود إلى سنة 2008؛ فبعد مرور 10 سنوات على الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الأميركية، حذّر عديد من الاقتصاديين من مؤشرات واضحة على أن العالم مقبل على أزمة اقتصادية أخرى، مرد هذا الأمر أن حجم الناتج المحلي العالمي آنذاك كان يُمثل ثلث ما يستدينه العالم، وكان ذلك في حينها مؤشراً خطيراً يُنذر بأزمة اقتصادية.

ويتابع: "ثم جاءت أزمة جائحة كورونا في عام 2020، والتي أظهرت حجم المشكلات الاقتصادية بوضوح... الجائحة لم تكن مُنشِئة للأزمة، بل إنها كانت كاشفة بالفعل عنها، وزادتها تعقيداً. ومع أزمات الأسواق الناشئة والحرب في أوكرانيا وانقسام العالم إلى معسكرين متنافسين انقساماً أوضح (شرقي وغربي) في صراع تُستخدم فيه العقوبات الاقتصادية ضمن أدوات الصراع، فإن جميعها أزمات متلاحقة كشفت بوضوح أبعاد الأزمة التي تهدد العالم".

عقد الديون

وطبقاً لآرثر لافر، وهو رئيس شركة "لافر تنغلر إنفستمنتس"، فإنه من المتوقع أن تمثل السنوات العشر المقبلة "عقد الديون" مع وصول المعدلات إلى ذروتها، خاصة بعد قفزة الدين العالمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 336 في المئة، مقارنة بمتوسط 110 في المئة في عام 2012 بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، و35 في المئة بالنسبة للاقتصادات الناشئة.

وبحسب تقرير مراقبة الديون، الذي يُصدره معهد التمويل الدولي، فإن نسبة الديون العالمية - في أحدث التقديرات - بلغت 334 في المئة من حجم الناتج العالمي في الربع الرابع من عام 2022.

ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، فإنه في مجمل عام 2022 كانت مستويات الدين العالمي تمثل نسبة 238 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بزيادة تسع نقاط مئوية عن عام 2019 (قبل جائحة كورونا).

وتدفع تلك المعدلات "غير المسبوقة" نحو 100 دولة إلى تخفيف أو خفض معدلات الإنفاق على البنية التحتية الاجتماعية، وبما يشمل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، من أجل التعاطي مع فاتورة الدين والوفاء بالتزاماتها، وبما يعكس مدى تأثر عمليات التنمية بتفاقم مستويات الدين.

ولا يشمل ذلك التهديد الاقتصادات الناشئة فحسب، والمهددة بخطر الإفلاس بالفعل، بل إنه يمتد كذلك إلى الدول الكبرى، التي يقول عنها لافر "إنها إن لم تُعالج قضايا ديونها فسوف تموت مالياً ببطء".

وتبعاً لبيانات صندوق النقد الدولي، فإن الصين لعبت دوراً أساسياً في زيادة الدين العالم في العقود الأخيرة، وذلك مع تجاوز معدلات الاقتراض للنمو الاقتصادي. أما في البلدان النامية المنخفضة الدخل، فإن أكثر من نصف تلك البلدان "تعاني حالة مديونية حرجة أو معرضة لذلك"، كما أن السندات السيادية المتداولة في حوالي خُمس الأسواق الصاعدة بلغت مستويات حرجة.

وتؤثر عوامل مختلفة على قدرة عديد من الدول على الوفاء بالتزاماتها وسداد الديون، بما في ذلك العوامل المرتبطة بالديموغرافيا، وأزمة شيخوخة السكان وندرة العمالة في الدول المتقدمة، في وقت يبزغ فيه مساران رئيسيان لعلاج الأزمة، إما زيادة الضرائب أو تنمية الاقتصادات بما يواكب تراكم الديون، بحسب لافر.

ولا تعدو عمليات زيادة الضرائب حلاً يُعول عليه تعويلاً كافياً، وبالتالي فإن أدوات تنمية الاقتصادات هي الرهان الحقيقي في مواجهة الأزمة. لكن بالعودة لتصريحات عنبر، فإنه يشدد في معرض حديثه مع "النهار العربي"، على أن "ما يلقي بظلال وخيمة على أزمة تفاقم الديون، أن هناك حاجة ماسة لزيادة الإنتاج حتى يفوق الناتج معدلات الاستدانة أو يوازيها، لكنّ زيادة الإنتاج المرجوة مرهونة بحالة اللايقين التي تكتنف العالم، وهذه الحالة من عدم التأكد لا يستطيع أحد أن يتنبأ معها بتطورات مثل أسعار الدولار أو مآلات التطورات الجيوسياسية حول العالم وتأثيراتها".

ويتابع: "بالتالي فإن كل هذه الأمور تقلق المستثمر، وهذا يعني أنه يفضل اللجوء للملاذات الآمنة، انطلاقاً من قاعدة أن رأس المال جبان، ومن ثم تتراجع الاستثمارات ويضعف حجم الإنتاج العالمي، بينما تتصاعد كلفة الديون العالمية، وبما ينذر بتصاعد الأزمة في السنوات المقبلة تحت وطأة هذه الضغوط وحالة اللايقين الراهنة".

 

التضخم والدين العالمي

من جانبه، يشير مدير مركز رؤية للدراسات الاقتصادية، بلال شعيب، في تصريحات خاصة لـ"النهار العربي"، إلى أن معدلات الديون العالمية وصلت إلى مستويات "غير مسبوقة" في السنوات الأخيرة؛ بدفعٍ من أزمتين كبيرتين، الأولى هي "جائحة كورونا" وما ترتب عليها من توقف الإنتاج وأزمة سلاسل التوريد، وما ارتبط بها من ضغوط واسعة، اضطرت معها الحكومات إلى تقديم إعانات بطالة وإعانات اجتماعية، وبما أضعف من قدرة بعض الحكومات، لا سيما في البلدان النامية، على سداد الديون، وفي خطٍ متوازٍ مع اتساع الفجوة بين إيرادات تلك الدول ومصروفاتها.

أما الأزمة الثانية فكانت اشتعال الوضع الروسي الأوكراني، وما شكله من ضغوط على الاقتصاد العالمي، لا سيما أن البلدين يمثلان من 30 إلى 40 في المئة من حجم صادرات الحبوب في العالم، إضافة إلى حجم روسيا في قطاع الطاقة. وأدى ذلك إلى مزيد من التضخم وسيناريو مماثل لما حدث إبان جائحة كورونا، ومع تباطؤ النمو الاقتصادي.

ويضيف شعيب: "أحدثت الأزمتان نوعاً من أنواع الركود التضخمي، وارتفاع الأسعار المبني على أساس ارتفاع أسعار النفط والغذاء خاصة.. ويُشار هنا على سبيل المثال إلى تحذيرات منظمة الغذاء العالمية التي قالت إن نحو ما يصل 10 في المئة من سكان العالم يواجهون أزمة غذاء، وهو ما يؤثر على مستويات الدين، خاصة أن الحكومات تقترض من أجل التعامل مع أزمة التضخم".

ويعتقد الخبير الاقتصادي أن العالم يمر بحالة "هي الأسوأ تاريخياً" في ما يتعلق بمستويات الدين العالمي، وهي الحالة التي تعاني تبعاتها الدول النامية والمتقدمة على حدٍ سواء، لكن البلدان النامية هي الأكثر تضرراً، خاصة أن ميزانها التجاري يعتمد على الواردات أكثر من الصادرات، وبالتالي تحتاج الدولار الأميركي، وبما يعرضها لمخاطر عديدة، بما في ذلك اضطرارها لخفض قيمة العملة واضطرابات سعر الصرف".