شهدت الجزائر، في غضون أسبوعين فقط، تدشين مصنعين لطحن البذور الزيتية، في محاولة منها لتقليص التبعية في مجال إنتاج زيت المائدة وتعزيزه من "الحقل إلى المستهلك" والقضاء على أزمة الندرة التي تظهر بين الحين والآخر، وخفض فاتورة الواردات الكبيرة من الزيوت النباتية والتوجّه نحو الأسواق الأفريقية في المرحلة الأخيرة.
يتعلق الأمر بمصنع مجموعة "سيفيتال" (أكبر الشركات الخاصة في البلاد) المملوكة لرجل الأعمال اسعد ربراب، وهو رجل الأعمال الأول في الجزائر. المصنع سيشتغل بمعدّل طحن يومي للبذور الزيتية يلامس 11 ألف طن من بذور الصويا و6 آلاف طن من بذور دوار الشمس، إضافة إلى 5 آلاف طن من بذور السلجم الزيتي.
أما المشروع الثاني، فيعود للشركة العمومية القابضة "مدار"، إذ نشر البنك الخارجي الجزائري، وهو المموّل الرئيسي للمشروع، تفاصيل الوحدة الإنتاجية التي تُعدّ الثانية من نوعها بعد المصنع التابع لمجموعة "سيفيتال". وكشف أنّ "المدير العام لبنك الجزائر الخارجي لزهر لطرش أشرف على مراسيم التوقيع على اتفاقية قرض استثماري مشترك طويل المدى لفائدة شركة "كتامة أفري فود" إحدى فروع مجمع مدار هولدنيغ".
وجاء في منشور البنك أيضاً، أنّ "مراسيم التوقيع حضرها رئيس مجمّع "مدار هولدينغ" عمارة شرف الدين ومدير مجمّع "كتامة"، إلى جانب كوادر من الطرفين، حيث يموّل بنك الجزائر الخارجي بصفته البنك الرائد، إلى جانب 3 بنوك عمومية شريكه مجمّع طحن البذور الزيتية، بطاقة إنتاجية تُقدّر بحوالى 1.6 مليون طن سنوياً".

ولإنجاز مشاريع شبيهة بإنتاج هاتين المادتين اللتين تحوّلتا إلى صداع للحكومة الجزائرية كونهما محل مضاربة واحتكار ومصدراً للاحتجاجات، وهو السيناريو الذي شهدناه في سنة 2011، قرّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تقديم الدعم لكل من يريد إنشاء مصانع لإنتاج الزيت أو السكر، ويتمثل في تمويلات تصل إلى 90 في المئة لكل من يرغب في إنشاء المصانع، إضافة إلى تسهيلات جبائية، فهل ستكسب الجزائر الرهان في الوصول إلى تحقيق اكتفائها من هذه المادة وبلوغ مرحلة التصدير والتخلّص من الاستيراد؟
حاجة ملحّة
قوبلت فكرة إنجاز مصانع لطحن البذور الزيتية بترحيب واسع من طرف منتجي السلجم الزيتي، أو ما يُطلق عليه محلياً اسم "الكولزا" لأنّهم يواجهون مشكلات عدّة، رغم أنّهم استطاعوا تحقيق أعمال ممتازة ونتائج باهرة في هذا المجال بعد أشهر ملحوظة من النشاط.
وهذا ما يؤكّده محمد، أحد المزارعين الجزائريين الذين حقّقوا نجاحاً لافتاً رغم أنّ التجربة حديثة العهد، ويقول لـ"النهار العربي" إنّ "التخزين هو أكثر ما يضر الفلاحين ويكبّدهم خسائر مالية كبيرة، فالمعمول به دولياً ولضمان جودة المنتوج لا بدّ من التحويل المباشر من المزرعة نحو المصانع".
حالياً، يشير محمد إلى عدم وجود اتفاقات فعلية رسمية تؤكّد استقبال المنتوج النهائي، لأنّ البلاد لا تتوافر فيها مصانع تحويلية بالعدد اللازم لهذه المنتجات، وإن وجدت فإنّها "تفتقد إلى آلات العصر".
ومن أجل تحقيق كفاءة عالية في الإنتاج، يشدّد محمد على "ضرورة إبرام اتفاقات بين المحولين والمزارعين قبل الحصاد، كذلك يجب إخضاع المزارعين للمسار التقني الخاص بهذا النوع من البذور التي تعاني من قلّة أو زيادة الماء، وأيضاً الحموضة العالية في التربة وضعف التوافر البيولوجي للنيتروجين أو الفوسفور".
إضافة نوعية
من جهته، يرى الدكتور سليمان ناصر، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة ورقلة في الجزائر، أنّ "مصانع طحن البذور الزيتية التي تمّ تدشينها في الفترة الماضية تُعتبر إضافة نوعية ومهمّة للاقتصاد الجزائري، بخاصة أنّ كل مدخلاته من بذور الصويا ودوار الشمس والسلجم الزيتي ستكون من الإنتاج الزراعي المحلي، ومن المرتقب أن تصل طاقة إنتاج المصنع إلى مليوني طن سنوياً، إضافة إلى استغلال المخلّفات الزراعية في إنتاج الأعلاف الحيوانية. لذلك يمكن التأكيد أنّ هذه المصانع حظيت برعاية ومتابعة شخصية من الرئيس تبون، نظراً لأهميتها القصوى في التشغيل، وفي تقليص الواردات وتطوير الصناعات الغذائية وحتى ترقية التصدير".

وتستهلك البلاد شهرياً حوالى 48 ألف طن من الزيت الغذائي، بينما يبلغ معدل ما تنفقه على استيراد زيوت المائدة 600 مليون دولار سنوياً، وأكثر من 500 مليون دولار لاستيراد الصويا ومستخلصاتها.
ويرى عبد الرحمن هادف، الخبير في الشأن الاقتصادي المتخصّص في التنمية، في هذين المصنعين، تجسيداً لمقاربة جديدة وهي تتعلق بضرورة العمل على تحقيق الأمن الغذائي من مشاريع مهيكلة كبرى.
مجالات أوسع
ويقول هادف لـ"النهار العربي" إنّ "إنجاز مشاريع لطحن البذور الزيتية أصبح أمراً ضرورياً للغاية، وقد تفتح هذه المشاريع المجال أمام مشاريع استثمارية أخرى في مجال السكر وإنتاج السكر والزيوت الصناعية، وفي إمكانها تجسيد هذه المشاريع بالاعتماد على عوامل عدّة أهمها توسيع المساحات المزروعة بالسلجم الزيتي والشمندر السكري وعباد الشمس".
وكان تبون أعلن أنّ بلاده تتطلع إلى تحقيق اكتفاء ذاتي بحلول عام 2025، من خلال تطبيق خطة تطوير القطاع الزراعي ومكننته، وتوسيع الاستثمارات الموجّهة لدعم المزارعين وزيادة إنتاج الحبوب لسدّ الحاجات المحلية وتصديرها في المرحلة الثانية.
وقال أيضاً في مؤتمر زراعي: "نحن على وشك الوصول إلى الاستقلال الغذائي، لم يبق إلا زيادة الإنتاج في بعض الخضروات لنصل في آفاق 2025 إلى الاكتفاء الذاتي"، مضيفاً أنّ رهان الأمن الغذائي أصبح أولوية أساسية للحكومة وفي صميم استراتيجياتها، للحفاظ على استقلال القرار السياسي.
وأشاد الرئيس الجزائري في حديثه بالنتائج التي حقّقها القطاع الزراعي في الفترة الأخيرة، ووصفها بـ"الإيجابية"، إذ ساهم قطاع الفلاحة في 14.7% من الناتج الوطني الخام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخليج العربي
5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي
5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
كتاب النهار
5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
فن ومشاهير
5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.
نبض