على مدار 15 عاماً من وجودها، برزت عملة "بيتكوين" واحداً من أهم الابتكارات حتى الآن في المجال الرقمي. نقشت اسمها باعتبارها العملة الرقمية اللامركزية الرائدة التي ساعدت في إعادة تشكيل مشهد التمويل العالمي. هذا العام، انتعشت عملة "بيتكوين" من أدنى مستوياتها في عام 2022 بمكاسب تقارب 160% على الرغم من الاضطراب في الاثني عشر شهراً الذي ميز عالم العملات المشفرة، إذ شهد عام 2023 إرباكاً وجدلاً في سوق العملات المشفرة، تحديات عديدة تنوعت بين تشديد القيود التنظيمية من جانب الهيئات الرقابية، وخروج بعض المنصات من الأسواق الكبرى من ناحية، ومن ناحية أخرى شكل الزخم المثار حول الصناديق الخاصة بالعملات المشفرة دفعة للسوق، لتحقق ارتفاعات نسبية.
وفي مقابلة مع "النهار العربي"، يشرح الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد في جامعة قطر د. جلال قناص عن العملات الرقمية وأنواعها وأكثرها تداولاً، يقول: "من أشهر الأصول الرقمية "بيتكوين" Bitcoin التي بدأ استخدامها في عام 2009 كأول عمله لامركزية تم إصدارها عن طريق تقنيه "البلوكتشين" Blockchain ثم تأتي "الإيثيريوم Ethereum التي تم إصدارها في عام 2015 باستخدام تقنية عقود الذكاء الصناعي المبرمجة مسبقاً لتنفيذ المعاملات، ثم "لايتكوين" Litecoin وظهرت في 2011 وهي تستخدم طريقة "بيتكوين"، وأيضاً "ريبل" Ripple وتعتبر واحدة من العملات المشهورة بين العملات المشفرة، إذ تهدف إلى تحسين سوق العملات الأجنبية وتغير طريق سهل وفعال لنقل الأموال عالمياً. وأيضاً عملة "دوج كوين" Doge التي ارتبط اسمها برجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك، وهناك عملة "الكاردانو" Cardano التي تتميز بخوارزميات إجماع فريدة تسمى Ouroboros التي تقوم بالتحقق من صحة المعاملات من دون تكاليف طاقة مرتفعة وعملة "الدوت" Dot باستخدام تقنيه العقود الذكية، وهناك أيضاً العملات المستقرة StableCoin التي ترتبط بالدولار مباشرةً مثل "تيذر" Tether or USDT وسعرها دولار واحد.

طبعاً سوق الأصول الرقمية ما زال سوقاً ناشئاً، رقميته السوقية أقل بكثير من سوق السندات العالمي الذي تقدر قيمته السوقية بـ150 تريليون دولار وسوق الأسهم العالمي بقيمته نحو 120 تريليون دولار، بينما القيمة السوقية الحالية لسوق الأصول الرقمية هو نحو 1.8 تريليون دولار".
وعن أسباب انخفاض سوق العملات الرقمية بداية عام 2023 يشرح قناص: "بعدما وصلت القيمة السوقية للعملات الرقمية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 إلى 3 تريليونات دولار، ووصلت أهم عملة رقمية وهي "بيتكوين" إلى سعر الذروة 69 ألف دولار بقيمه سوقية 1.21 تريليون دولار مع وجود أكثر من 10000 عملة رقمية مختلفة بحسب موقع CoinMarketCap ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد بالارتفاع مع مرور الوقت مع تزايد الاهتمام بالتكنولوجيا اللامركزية والعملات الرقمية، أنا أفضل تسميتها الأصول الرقمية، إذ إن وظيفتها لا تتماشى مع وظائف النقود الأساسية، وهي وسيلة للتبادل ومخزن للقيمة ووحدة حساب ومعيار للمدفوعات الآجلة، فهذه الأصول لا يتم استخدامها لأنها تتعرض لتقلبات القيمة بشكل كبير ولا قبول لها كوسيلة للتبادل ووحدة حساب في الأسواق، معظم المستثمرين والمؤسسات المالية أصبحت تستخدمها كوسيلة لتنويع المحفظة المالية".
ويضيف: "قبل عام 2022 توقع بعض المحللين أن تستخدم الأصول الرقمية المشفرة كملاذ من التضخم والتوترات الاقتصادية والجيوسياسية، ولكن عام 2022 كان سيئ الأداء لسوق الأصول الرقمية. ومن أحد أهم أسباب الإقبال على سوق الأصول الرقمية هو طبيعتها اللامركزية التي شجعت الكثير من جيل الشباب على شرائها من أجل الاستثمار في المستقبل اللاتقليدي، بالإضافة إلى أن مرحلة الكوفيد والدخول في تحول محوري في عالم التكنولوجيا والأونلاين ساعدا على لفت الانتباه إلى هذه التكنولوجيا الحديثة. بالإضافة إلى زيادة ضخ النقود عن طريق حزمة المساعدات الحكومية إلى الأفراد والشركات خلال فترة الكوفيد للتقليل من حجم الخسائر في الاقتصاديات المتقدمة، ما ساهم بزيادة نسبة الادخار وفي زيادة التوجه إلى هذا النوع من الاستثمارات. وأهم سبب هو معدل الفائدة المنخفض جداً خلال تلك الفترة، ما ساعد بعض المستثمرين على أخذ المخاطر عن طريق استخدام الرافعة المالية لتحقيق أرباح كبيرة. ولكن ارتفاع التضخم بعد الحرب الأوكرانية الروسية ومشكلات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النفط والغاز والمواد الغذائية دفعت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة كثيراً وسريعاً، ما رفع تكلفة الإقراض وحالة عدم اليقين بالاقتصاد، ما أدى إلى انخفاض الاستثمار وخفض رغبة المستثمرين في الدخول في استثمارات عالية المخاطر مثل أسواق الأصول الرقمية والتوجه إلى الحصول على الكاش والسيولة النقدية بسبب تزايد حالة عدم اليقين بالاقتصاد، بالإضافة إلى ضعف الادخارات بالنسبة إلى الأفراد وتعرضهم إلى خسائر من هذه الاستثمارات، ما أدى إلى انهيار أسعار هذه الأصول ووصلت قيمتها السوقية إلى أقل من 0.8 تريليون دولار قبل أكتوبر 2023".
ويشير قناص إلى مسألة أخرى مع حدوث عمليات نصب واحتيال وعمليات اختراق باستخدام الأصول المشفرة، ما أدى إلى تشويه سمعتها وبدء تشديد القواعد والقوانين من هيئات التنظيم والإشراف المالية في أكثر الدول المتقدمة والناشئة، فضلاً عن إعلان إفلاس بعض المنصات التي يتم تدوال الأصول الرقمية فيها وأشهرها منصة FTX ودخول واحدة من أهم المنصات مثل Binance في قضايا مالية مشبوهة.
ولكن مع عوده توقع المستثمرين إلى وصول البنوك المركزية إلى الذروة في السياسة النقدية التشددية، ورفع أسعار الفائدة في تشرين الثاني 2023 بسبب الانخفاض الكبير في معدلات التضخم إلى نحو 3% في الاقتصادات المتقدمة، زادت التوقعات إلى انخفاض أسعار الفائدة في عام 2024، ما أعاد رفع شهية المستثمرين والإقبال الكبير على المخاطرة وارتفاع الطلب على الأصول الرقمية، وإذا تم فعلاً خفض معدل الفائدة في النصف الثاني من 2024 فسيدفع إلى تحول الأموال والاستثمارات من الودائع والاستثمارات الضعيفة الأرباح إلى استثمارات عالية المخاطر وعالية الأرباح مثل سوق الأصول الرقمية.
وتطرّق قناص إلى عوامل أخرى حول إمكان قبول بعض هيئات الإشراف المالية ووضع قوانين وقواعد أقل تشدداً في الاقتصاديات المتقدمة لصناديق المؤشرات المتداولة لـ"بيتكوين" والأصول الرقمية، ما دفع شركات مالية كبرى مثل الشركة الأميركية بلاك روك إلى زيادة الطلب على "بتكوين" مع زيادة عدد البنوك الكبرى التي أصبحت تسمح لبعض العملاء بشراء "بتكوين" في محافظهم المالية. فمع ارتفاع الطلب على الأصول الرقمية من الشركات المالية والاستثمارية الكبرى، يمكن أن ترتفع أسعار الأصول الرقمية في عام 2024، وهناك مسألة التنصيف Halving وهي عملية تقوم كل أربع سنوات، إذ سيتم تصنيف الفوائد والجوائز التي يحصل عليها "بيتكوين" بمقدار النصف، ما يؤدي إلى إبطاء إمدادات "بيتكوين" جديدة وتقليل المعروض، ما يدفع إلى ارتفاع الأسعار. ومن المتوقع أن يكون التنصيف الثاني لـ"بتكوين" في نيسان (أبريل) 2024. ويشير قناص أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار "البيتكوين" سيدفع أيضاً إلى ارتفاع أسعار ما يسمى بالعملات البديلة التي ما زالت أسعارها متدنية حيث يعتبر "البيتكوين" سيد الأصول الرقمية وقائدها.
ارتفعت انتقادات دعاة حماية البيئة لنشاط تعدين العملات الرقمية بسبب الآثار البيئية الضارة الناتجة من التعدينين، إذ إن أضرار التعدين لا تقتصر على استهلاك كميات كبيرة من الطاقة وحسب، بل إنه – بحسب الخبراء – فإن عملية التعدين تنتج منها أضرار كربونية كبيرة، وهذا ما أشار إليه أيضاً قناص، إذ كانت هذه المُعضلة من المشكلات والانتقادات التي تعرّضت لها "البيتكوين" عام 2022.
وعن توقعاته للأصول الرقمية لعام 2024 يقول: "ستعتمد أساساً على المعطيات الاقتصادية، وخصوصاً خفض سعر الفائدة وزيادة السيولة النقدية والتوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي ومدى تشديد القواعد والقوانين".
أما بالنسبة إلى الدكتور دانيال تقي الدين، الرئيس التنفيذي لـBDSwiss فإن "2023 كان عاماً جيداً للعملات الرقمية مقارنة بالعام 2022، والعوامل الإيجابية كانت أساسية، إذ خفّت تداعيات الـFTX وانهياره، وانهيار عملة "التّيرا". 2023 كان إيجابياً أيضاً لناحية السياسة النقدية للفدرالي الأميركي، وهنا المضاربة من السوق حول خفض الفوائد هي التي أعطت انتعاشاً لكل الأصول الخطرة من أسهم وعملات، وتحديداً العملات الرقمية التي استفادت أكثر من غيرها، تحديداً "بيتكوين". 2024 سيكون عاماً شبيهاً بسابقه بنظرنا، لكن من الصعب التقييم لأنه بالنسبة إلينا العملات الرقمية هي أصول مضاربة ومن الصعب تقييم السعر الحقيقي لهذه العملات على اختلاف الأسهم. ما يمكن تأكيده أنها ستسفيد إيجابياً إذا رأينا مضاربة من السوق على المزيد من خفض الفوائد. ستسفيد هذه العملات مثلها مثل أي أصول خطرة وستكون سلبية إذا كانت هناك مستويات تضخم تعطي بعض المفاجآت أو نرصد مطبات في مسار الفدرالي لتحقيق مستويات تضخم 2%، هذه طبعاً ستنعكس سلباً على العملات الرقمية".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
5/24/2026 12:00:00 AM
نادين لبكي تستعيد صورة لبنان المقاوم بالفنّ من على مسرح كانّ.
اقتصاد وأعمال
5/25/2026 7:07:00 AM
بموجب التوجه المطروح، فإن المستفيد الذي يتقاضى ألف دولار شهريا ضمن التعميم 158 سيستمر بالحصول على المبلغ نفسه لمدة سنة إضافية تبدأ اعتبارا من تموز 2026 وتمتد حتى تموز 2027
لبنان
5/25/2026 12:00:00 AM
نقلت مراسلة "النهار" في باريس عن مصادر رفيعة متابعة للملف اللبناني في العاصمة الفرنسية، أن الاتفاق الأميركي الإيراني إذا أُبرم سيكون على حساب لبنان بالنسبة إلى نزع سلاح "حزب الله"
نبض