هل يفرمل الديمقراطيون أجندة ترامب الاقتصادية؟ الأسواق تترقب
يفتح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسَي الكونغرس مواجهة مع ترامب حول تكلفة المعيشة والرسوم الجمركية والضرائب والإنفاق. ويسعى الحزب إلى تخفيف تكاليف السكن والصحة والطاقة ورعاية الأطفال، لكنه يواجه عجزاً مالياً كبيراً وصلاحيات رئاسية تتيح تعطيل التشريعات. ومع استمرار النمو الاقتصادي، يبقى الاختبار تحويل الوعود إلى تحسن ملموس في قدرة الأسر الشرائية، من دون زيادة الضغوط على الميزانية والدين.
لم يعد فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية مجرد تحول في موازين القوى السياسية في واشنطن، بل فتح الباب أمام مواجهة اقتصادية جديدة مع الرئيس دونالد ترامب، عنوانها الأساسي تكاليف المعيشة ومستقبل الرسوم الجمركية والضرائب والإنفاق الحكومي. ومع انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، تتجه الأنظار إلى قدرة الحزب على تحويل وعوده الاقتصادية إلى تشريعات، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بالتضخم والدين العام وتكلفة الطاقة.
وتشير النتائج إلى فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، ما يمنحهم قدرة أكبر على تحديد جدول الأعمال التشريعي ورئاسة اللجان البرلمانية وممارسة الرقابة على أداء الإدارة. غير أن هذا التحول لا يعني تلقائياً تغيير السياسة الاقتصادية الأميركية، إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة، كما يستطيع استخدام حق النقض ضد التشريعات التي لا يوافق عليها.
القدرة الشرائية في صدارة الأولويات
تأتي تكاليف المعيشة في مقدمة الملفات التي يسعى الديمقراطيون إلى التركيز عليها. فقد أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 3.7% على أساس سنوي في أيلول/سبتمبر 2026، فيما زاد بنسبة 0.6% خلال شهر واحد. وسجلت أسعار الطاقة ارتفاعاً سنوياً بلغ 20.4%، في مقابل 2.5% للغذاء، بينما ارتفع معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 2.6%.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الضغوط على الأسر الأميركية، ولاسيما أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على النقل والإنتاج وفواتير الكهرباء، فضلاً عن تكلفة السلع والخدمات. لذلك يطرح الديمقراطيون خفض تكاليف الصحة والسكن والطاقة ورعاية الأطفال، إلى جانب تعزيز المنافسة في الأسواق للحد من ارتفاع الأسعار.
وفي أجندة أطلقتها كتلة "الديمقراطيين الجدد" في مجلس النواب في شباط/فبراير 2026، اقترح الحزب العمل لبناء أربعة ملايين وحدة سكنية خلال عشر سنوات، من خلال تسهيل إجراءات البناء والتراخيص وتحفيز الاستثمار في الإسكان. ودعا إلى توسيع برامج الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالتأمين الصحي، وتعزيز برامج الرعاية الصحية، وإنشاء برنامج وطني للإجازة العائلية والطبية مدفوعة الأجر.
الرسوم الجمركية أمام اختبار جديد
يشكل ملف التجارة أحد أبرز ميادين الخلاف بين الديمقراطيين وإدارة ترامب، فالحزب يدعو إلى مراجعة الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة، معتبراً أن تكاليفها قد تنتقل إلى الشركات المستوردة والمستهلكين، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على المواد والسلع القادمة من الخارج.
وتكمن أهمية هذا الملف في أن الرسوم لا تؤثر فقط في أسعار المنتجات النهائية، بل قد تزيد أيضاً تكلفة المواد الأولية ومكونات التصنيع، وتدفع الشركات إلى إعادة النظر في سلاسل الإمداد وخطط الاستثمار. وفي المقابل، تدافع إدارة ترامب عن الرسوم باعتبارها أداة لحماية الصناعات الأميركية والضغط من أجل اتفاقات تجارية أكثر ملاءمة للولايات المتحدة.
ومن شأن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس أن تمنحهم مساحة أوسع لمناقشة هذه السياسة وطرح تشريعات للحد منها، لكن تعديل الرسوم أو إلغاءها لن يكون مضموناً، نظراً إلى الصلاحيات التنفيذية للرئيس والعقبات التشريعية المحتملة.

عجز تريليوني دولار يقيّد الوعود الاقتصادية
تواجه المطالب المتعلقة بتوسيع الإنفاق الاجتماعي تحدياً مالياً كبيراً. فقد قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن العجز الفيدرالي بلغ نحو تريليوني دولار في السنة المالية 2026، بزيادة قدرها 218 مليار دولار عن السنة السابقة. وارتفعت الإيرادات الحكومية بنحو 169 مليار دولار، لكن الإنفاق زاد بنحو 386 ملياراً.
ويضع هذا الواقع الديمقراطيين أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تمويل برامج جديدة لخفض تكاليف السكن والصحة والطاقة، من دون زيادة الضغوط على الميزانية والدين العام؟ ومن هنا تبرز أهمية مقترحاتهم لزيادة مساهمة الشركات الكبرى وذوي الدخل المرتفع في الضرائب، إلا أن أي تعديل ضريبي سيحتاج إلى نقاش تشريعي واسع، وقد يواجه اعتراضات من الجمهوريين والقطاع الخاص.
نمو اقتصادي لا يلغي تحديات السوق
على الرغم من هذه الضغوط، لا تشير المؤشرات إلى توقف النشاط الاقتصادي الأميركي. لقد أظهرت القراءة الأولية لمكتب التحليل الاقتصادي ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.4% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2026، مقارنة بنمو بلغ 2.2% في الربع الثاني.
جاء هذا الأداء مدعوماً بزيادة الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي والحكومي، فيما شكل تراجع الصادرات أحد العوامل التي حدّت من النمو. ويعني ذلك أن النقاش الاقتصادي لا يدور حول معالجة ركود قائم بقدر ما يتمحور حول كيفية الحفاظ على النمو، وتحسين توزيع ثماره، والحد من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر والشركات.
الأسواق تترقب شكل المواجهة
ومن المتوقع أن تتركز الأنظار خلال المرحلة المقبلة على الضرائب والرسوم الجمركية والإنفاق الحكومي والطاقة، وهي ملفات يمكن أن تؤثر في قرارات الشركات والاستثمارات وأسواق المال، كما أن أي خلاف بين الكونغرس والبيت الأبيض في شأن الميزانية أو سقف الدين قد يزيد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
في المحصلة، يمنح فوز الديمقراطيين الحزب أدوات أكبر لمراجعة أجندة ترامب الاقتصادية وممارسة الرقابة عليها، لكنه لا يضمن تطبيق مطالبه. سيكون التحدي الحقيقي في تحويل الوعود المتعلقة بخفض تكاليف المعيشة إلى سياسات قابلة للتنفيذ، مع الحفاظ على النمو وضبط العجز المالي. وبين أولويات الديمقراطيين وتوجهات البيت الأبيض، تدخل السياسة الاقتصادية الأميركية مرحلة جديدة من التفاوض والمواجهة، ستكون نتائجها مؤثرة في الشركات والمستهلكين والأسواق داخل الولايات المتحدة وخارجها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
بإطلالةٍ استحضرت تراث الكرك وحملت دلالات التضامن، لفتت الملكة رانيا الأنظار في مراسم خطاب العرش بـ "المدرقة الكركية".
نبض