الثقة هي العملة الأهم في عالم المال
بقلم كاتيا خير، الرئيسة التنفيذية لشركة CFI في لبنان
على مدى أكثر من عقدين في القطاع المالي، عايشتُ تحولات كثيرة في طريقة عمل الأسواق، وفي الأدوات التي نستخدمها، وفي سلوك المستثمرين وتوقعاتهم. لكن، وسط كل هذا التغيّر، بقيت قناعة واحدة تزداد رسوخاً لدي: مهما تطورت الأسواق والتكنولوجيا، تبقى الثقة أساس العلاقة بين المؤسسة المالية وعميلها. الثقة بالمؤسسة، وبالمعلومات التي تقدمها، وبالأشخاص الذين يتخذون القرارات، وبأن المخاطر تُشرح بوضوح ولا تُخفى خلف وعود سهلة أو توقعات مبالغ فيها.
وهذا تحديداً ما أعاد تعريف نظرتي للقيادة. أنا لا أؤمن بأن القيادة تعني أن يكون الشخص في أعلى الهرم. القيادة، بالنسبة إليّ، هي أن تساعد الأشخاص من حولك على الوصول إلى مستوى أعلى من المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار. فالهرمية تحدد الأدوار، لكنها لا تبني الكفاءات. أما التوجيه والتطوير فيبنيان أشخاصاً قادرين على التفكير وتحمل المسؤولية وقيادة غيرهم في المستقبل.
كيف يتعامل الموظف مع خطأ؟
هذه القناعة لم تأتِ من الكتب. هي نتيجة تجارب عشتها خلال مسيرتي المهنية، وأشخاص استثمروا وقتهم وخبرتهم في تطويري. لذلك أرى اليوم أن من أهم مسؤولياتي أن أنقل هذه الخبرة إلى الجيل الذي يعمل معي، وأن أخلق بيئة يستطيع فيها كل شخص أن يتعلم، ويخطئ، ويتطور، ثم يصبح قادراً على اتخاذ قراراته بثقة.
بالنسبة إلى المؤسسات المالية، هذه المسألة تتجاوز مفهوم الثقافة المؤسسية بمعناه التقليدي. فالثقافة تؤثر مباشرة في الأداء، لأن الأشخاص هم من يتخذون القرارات. وهي تظهر خصوصاً في اللحظات التي لا توجد فيها إجابات جاهزة: كيف يتعامل الموظف مع خطأ؟ كيف يشرح مخاطرة لعميل؟ هل يملك الجرأة لطرح سؤال صعب؟ وهل يضع مصلحة العميل فوق النتيجة السريعة؟
في قطاع يقوم على اتخاذ القرارات، لا يمكن فصل جودة الأداء عن نوعية البيئة التي تُتخذ فيها هذه القرارات. ومن هنا، أعتقد أن السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة ستفرض على القطاع المالي أكثر من مجرد مواكبة التكنولوجيا. ستفرض إعادة التفكير في العلاقة مع العملاء وفي القيمة التي تقدمها المؤسسات المالية لهم. ستصبح الشفافية، في رأيي، عاملاً أكثر تمييزاً بين مؤسسة وأخرى. ولن تعود الثقة نتيجة تلقائية لحجم المؤسسة أو حضورها في السوق، بل نتيجة لسلوكها ووضوحها واتساقها.
أما التكنولوجيا، فستواصل تغيير طريقة وصولنا إلى المعلومات وتحليلها واتخاذ القرارات وتنفيذها. لكنني لا أرى فيها بديلاً عن الحكم البشري. التكنولوجيا تستطيع معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان رصدها، وتسريع الكثير من العمليات. لكنها لا تتحمل مسؤولية القرار. معرفة ما تقوله الأرقام أمر، وفهم ما تعنيه، وإدراك حدودها، ومعرفة متى يجب التريث قبل اتخاذ القرار، أمر آخر. وهذا الفرق هو الأهم في عالم التداول.
في لبنان، نرى جيلاً جديداً أكثر اهتماماً بالأسواق المالية، وأكثر اتصالاً بما يحدث في الأسواق العالمية. أصبح الوصول إلى المعلومات والأدوات والمنصات أسهل بكثير، ولم تعد المعرفة المالية حكراً على المتخصصين كما كانت في السابق. وهذا تطور مهم. لكنه يضع على القطاع مسؤولية أكبر. سهولة الوصول إلى الأسواق لا تعني بالضرورة القدرة على التعامل معها بشكل صحيح. وكثرة المعلومات لا تعني أن كل قرار مبني على فهم. لذلك أعتقد أن مستقبل التداول يجب ألا يرتبط بثقافة البحث عن الربح السريع، بل بثقافة أكثر نضجاً تقوم على المعرفة والانضباط وإدارة المخاطر.
هناك فرق كبير بين المشاركة الواعية في الأسواق وبين المضاربة من دون فهم حقيقي لما قد ينتج عنها. وأعتقد أن الجيل الجديد سيكون جزءاً أساسياً من إعادة تشكيل هذه الثقافة. هذا الجيل لا يكتفي بتلقي المعلومة، بل يسأل عن مصدرها، ويبحث عن تفسيرها، ويقارن بين الخيارات، ويريد أن يفهم ليس فقط ما يمكنه القيام به، بل لماذا يقوم به وما المخاطر المرتبطة به. وعلى القطاع المالي أن يرحب بهذه الأسئلة، لا أن يخشاها. فالتثقيف المالي ليس خدمة إضافية يمكن تقديمها عند الحاجة، بل جزء من مسؤولية القطاع تجاه السوق والمجتمع. وكلما ارتفع مستوى فهم الأفراد للأسواق وللمخاطر ولطريقة اتخاذ القرارات المالية، أصبحت مشاركتهم أكثر وعياً، وأصبح السوق نفسه أكثر نضجاً.
في المقابل، لا يمكن بناء الثقة بالكلام وحده. الثقة تُبنى من خلال الممارسة، ومن خلال الاتساق. تُبنى عندما تكون المبادئ نفسها حاضرة في الأسواق الجيدة والصعبة، وعندما تُشرح المخاطر بصدق، وتكون التوقعات واقعية، ولا يتم تقديم المكاسب القصيرة الأمد على حساب الاستدامة. المنافسة ستزداد. التكنولوجيا ستواصل خفض الحواجز أمام دخول لاعبين جدد. وستظهر أدوات ومنصات ونماذج أعمال جديدة باستمرار. لكنني أعتقد أن المؤسسات القادرة على الاستمرار هي التي ستفهم حقيقة بسيطة: الخدمات المالية تقوم في نهاية المطاف على العلاقات، والعلاقات لا تستمر من دون ثقة.
الأسواق قد تتحرك خلال ثوانٍ
وهذا يعيدني إلى القيادة. بصفتي امرأة تولت قيادة مؤسسة مالية في قطاع لطالما كان حضوره القيادي ذكورياً إلى حد كبير، أدرك جيداً قيمة أن ترى الشابات اليوم نساءً في مواقع القرار. لكنني أؤمن بأن التمثيل وحده لا يكفي. المسؤولية الحقيقية هي أن نفتح الطريق أمام الجيل التالي، وأن نمنحه المعرفة والمساحة والثقة ليقود بدوره. القيادة التي أؤمن بها ليست قيادة تقوم على السلطة لذاتها، بل على بناء أشخاص قادرين على حمل المسؤولية من بعدها.
فالقطاع المالي الذي سندخله خلال السنوات المقبلة لن يكون نفسه الذي عرفناه. الأدوات ستتغير، وسلوك المتداولين سيتغير، وتوقعات العملاء ستتغير، والأجيال التي ستتولى قيادة المؤسسات ستأتي بتجارب وطرق تفكير مختلفة. لكنني أتمنى ألا تتغير القيم التي يجب أن تقوم عليها هذه الصناعة: النزاهة، والمسؤولية، والشفافية، وحسن التقدير.
فالأسواق قد تتحرك خلال ثوانٍ، وقد تتغير الأرقام في لحظة، لكن الثقة لا تُبنى بهذه السرعة.
وفي السنوات المقبلة، قد تكون الثقة بالفعل العملة الأكثر قيمة في عالم المال.

كاتيا خير هي الرئيسة التنفيذية لشركة CFI لبنان، وانضمت إلى الشركة عام 2004، حيث تولّت مناصب قيادية في مجالات العمليات، والرقابة المالية، وإدارة المخاطر. كما تشغل منصب رئيسة لجنة تكنولوجيا المعلومات في CFI، وتتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عقدين في قطاعات الخدمات المالية، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي.
نبض