3,000 ميغاواط بين مصر والسعودية... اختبار للسوق العربية للكهرباء
ربط مصر والسعودية بقدرة 3,000 ميغاواط يفتح باب تجارة الكهرباء: تحليل لثلاثة سيناريوهات للتبادل ووفور الوقود وشروط قيام سوق عربية فاعلة.
تقترب مصر والسعودية من تشغيل ربط كهربائي بقدرة 3,000 ميغاواط، يفتح أمام البلدين فرصة لتحويل اختلاف ساعات ذروة الاستهلاك إلى وفور في الوقود واستثمارات التوليد، لكن حجم المكاسب سيتوقف على الكهرباء المتبادلة فعلياً، وتكلفة إنتاجها، والقواعد المنظمة لبيعها عبر الحدود.
أعلن وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، اقتراب تدشين المشروع خلال أسابيع، مع استكمال التشغيل التجريبي للمرحلة الثانية البالغة 1,500 ميغاواط. واتفق الجانبان على إعلان مشترك لانتهاء الاختبارات وبدء التشغيل الكامل، ما يعني أن التصريحات تتعلق بمرحلة الاستعداد، وليس بدء التشغيل التجاري بكامل القدرة، بحسب ما نقله موقع "Egypt Oil & Gas"، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 عن الوزير المصري.
ونقل الموقع عن وزارة الكهرباء المصرية أن المشروع يتضمن نحو 1,350 كيلومتراً من الخطوط الهوائية والكابلات البحرية، وثلاث محطات لتحويل الجهد في بدر شرق القاهرة، وتبوك وشرق المدينة المنورة.
اختلاف الذروة يتحول إلى قيمة اقتصادية
تعتمد جدوى المشروع على اختلاف توقيت ذروة الطلب، التي تكون نهاراً في السعودية وليلاً في مصر، وفق تصريحات الوزير المصري التي نقلها موقع "أرقام" في أيلول (سبتمبر)، ويتيح ذلك توجيه الكهرباء من الشبكة الأقل ضغطاً إلى الأخرى خلال ساعات احتياجها الأعلى.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن لمصر إمداد السعودية خلال ذروتها النهارية إذا توافرت قدرة توليد ووقود بتكلفة تنافسية، ثم الاستيراد مساءً عندما تتغير ظروف الطلب والتكلفة، ولا يفترض هذا النموذج وجود بلد مُصدّر دائماً وآخر مستورد دائماً.
وتوضح وزارة التعاون الدولي المصرية أن أهداف المشروع تشمل توفير استثمارات لإنشاء محطات لمواجهة الذروة وتحسين أداء المحطات القائمة، فبدلاً من بناء وحدات لا تعمل إلا ساعات محدودة، يمكن الاستفادة من قدرات متاحة عبر الحدود، بشرط ضمان موثوقية الإمدادات وقت الحاجة.
ثلاثة سيناريوهات لحجم التجارة
يقول المحلل الاقتصادي السعودي عبدالله القحطاني لـ"النهار": "ثمة 3 سيناريوهات تحليلية لحجم التجارة بين البلدين في هذا المشروع، وهي تفترض إتاحة القدرة الكاملة طوال سنة قياسية، واستخدامها بمتوسط 30% أو 50% أو 70%، وتعتمد السيناريوهات على معادلة حسابية وهي: الطاقة السنوية = 3000 ميغاواط × 8760 ساعة × نسبة الاستخدام".
وتمثل الطاقة مجموع التدفقات في الاتجاهين عبر أوقات مختلفة، وتُحتسَب كل شحنة مرة واحدة، وليست صادرات صافية لأي بلد، كما أنها حسابات لسنة كاملة بعد التشغيل، وليست تقديراً لتبادلات عام 2026، وتسبق حسم فاقد النقل.
وفور الوقود مشروطة بتكلفة المحطة البديلة
لا تتضمن المصادر التي جرت مراجعتها بيانات منشورة كافية عن التكلفة الحدية بالساعة أو أسعار التبادل المتفق عليها، لذلك تستخدم الحسابات فروقاً افتراضية في مكوّن الوقود من التكلفة الحدية، أي تكلفة الوقود اللازمة لإنتاج ميغاواط ساعة إضافية، لتقدير وفر الوقود تحديداً.
على سبيل المثال، إذا بلغت تكلفة وقود التوليد الذي سيُستغنَى عنه لدى المستورد 60 دولاراً للميغاواط ساعة، في مقابل 40 دولاراً للتوليد الإضافي لدى المصدّر، يصبح الفرق 20 دولاراً قبل الفاقد. وعند استخدام الربط بنسبة 50%، يبلغ الوفر الإجمالي النظري نحو 263 مليون دولار سنوياً.
ويضيف القحطاني، لكن ذلك ليس ربحاً صافياً للمشروع ولا حصيلة تصدير. فالوفور الفعلية تُخفَّض بفاقد النقل وتكاليف التشغيل، بينما يتطلب تقييم العائد الاستثماري احتساب التمويل والإنشاء والصيانة. كما يحدد سعر البيع توزيع المكاسب بين الطرفين.
وقد تختلف النتيجة جذرياً بحسب كفاءة المحطات والوقود المستخدم. ويؤكد البنك الدولي أهمية معالجة تشوهات أسعار الوقود عند تسعير التجارة الإقليمية، حتى لا تتحول الكهرباء المصدّرة إلى نقل غير مقصود للدعم بين الدول.
الطاقة المتجددة تحتاج مشترياً وقت الفائض
يشير الخبير السعودي إلى أن الربط يستطيع توسيع السوق المتاحة للكهرباء الشمسية وطاقة الرياح، عبر تصدير إنتاج كان سيُخفَّض لعدم قدرة الشبكة المحلية على استيعابه.
وناقشت المباحثات المصرية السعودية في تشرين الأول الاستثمار الخاص في المصدرين بالتوازي مع مشروع الربط، وفق "Egypt Oil & Gas".
غير أن فائض القدرة المركبة لا يساوي فائضاً قابلاً للتصدير: يجب أن يتزامن الإنتاج المتاح مع طلب خارجي وسعة نقل غير مشغولة، كما أن تقارب ساعات الإنتاج الشمسي قد يحد من التكامل في بعض الفترات، ما يعزز أهمية الرياح والتخزين والتنسيق التشغيلي.
السوق الموحدة تبدأ بقواعد التجارة
لن يبدأ المشروع تجارة الكهرباء العربية من الصفر، فقد أعلنت وكالة الأنباء السعودية (واس) إطلاق السوق العربية المشتركة للكهرباء في كانون الأول (ديسمبر) 2024، فيما توثق وزارة التخطيط المصرية روابط قائمة مع الأردن وليبيا.
لكن الانتقال من روابط ثنائية إلى سوق فاعلة يتطلب قواعد واضحة لتخصيص السعات، ورسوم العبور، وتسوية المدفوعات، وإدارة الطوارئ. يشير البنك الدولي إلى ضرورة وجود مؤسسات تنظم الجوانب الفنية والتجارية والرقابية للتبادل.
وبحسب القحطاني فإن الاختبار الاقتصادي للمشروع هو عدد الميغاواط ساعات التي تعبر بتكلفة أقل، وحجم الوقود والاستثمارات التي يوفرها، ومدى تحوله من أداة لمساندة الشبكتين إلى قناة منتظمة للتجارة.
نبض