بريطانيا تجيز حقل "جاكدو"... هل يعزّز الغاز المحلي أمن الطاقة ويخفّض الفواتير؟
أعادت بريطانيا إجازة إنتاج الغاز من حقل "جاكدو" في بحر الشمال، بعد سنوات من المراجعات والنزاع القضائي. ويُنتظَر أن يدعم المشروع الإمدادات المحلية والوظائف، لكن أثره في فاتورة المستهلك يبقى محدوداً في سوق تتأثر بالأسعار الدولية.
حين ترتفع فاتورة التدفئة، يبدو استخراج مزيد من الغاز المحلي رداً مباشراً. لكن العلاقة بين ما تنتجه بريطانيا وما تدفعه الأسرة أكثر تعقيداً: قد تقلل زيادة الإمدادات الحاجة إلى الاستيراد، من دون أن تعزل المستهلك عن تقلبات السوق الدولية.
هذه المفارقة تقع في صلب قرار الحكومة البريطانية، المعلن الثلاثاء بالموافقة على إنتاج الغاز من حقل "جاكدو" في بحر الشمال. يخص القرار حقلاً مرخّصاً بالفعل، ويتيح تطويره والإنتاج منه، ولا يمثل ترخيصاً جديداً لاستكشاف منطقة غير مرخّصة. وهو تمييز أساسي في سياسة الحكومة التي تجمع بين وقف تراخيص الاستكشاف الجديدة وإدارة الموارد الواقعة من ضمن التراخيص القائمة.
لماذا تأخرت الموافقة على حقل جاكدو؟
حصل المشروع على موافقة أولى في عام 2022، لكن النزاع القضائي فرض إعادة النظر في تقييم أثره المناخي. في كانون الثاني/يناير 2025، قضت محكمة اسكتلندية بضرورة إعادة اتخاذ القرار، لأن التقييم البيئي لم يحتسب الانبعاثات الناتجة من حرق الغاز بعد استخراجه.
وسمحت المحكمة باستمرار أعمال التطوير أثناء مراجعة الموافقة، مع منع الاستخراج إلى حين صدور قرار جديد. وهذا يفسّر إمكانية بدء تدفق الإمدادات خلال أسابيع من الإجازة الجديدة، بحسب شركة "أدورا" المشغّلة، بدلاً من انتظار سنوات لبناء المشروع من بدايته.
تكشف القضية تغيراً في طريقة النظر إلى مشاريع الطاقة: يمتد التقييم البيئي إلى ما يحدث عند استخدام المنتج في المنازل والمصانع ومحطات الكهرباء، إلى جانب انبعاثات تشغيل الحقل نفسه.
إنتاج إضافي... من دون إنهاء الحاجة إلى الاستيراد
تقدّر الحكومة أن يرفع الحقل الإنتاج المحلي البريطاني من الغاز بنحو 6% عند الذروة، خلال عمر إنتاجي قد يصل إلى 11 عاماً. وهذه نسبة من الإنتاج المحلي، وليست من إجمالي استهلاك البلاد.
وتكمن الفائدة الاقتصادية في إضافة مصدر للإمدادات، والاستفادة من البنية التحتية القائمة، والحفاظ على نشاط الشركات والعاملين المرتبطين بالمشروع. غير أن هذه الإضافة لا تكفي وحدها لتعويض التراجع البعيد الأجل في إنتاج بحر الشمال أو إنهاء الاعتماد على الغاز المستورد.
وبحسب تقديرات المطوّر الواردة في البيان الحكومي، يولّد المشروع 27 وظيفة مباشرة جديدة ويحمي 273 وظيفة قائمة. وتوضح هذه الأرقام أن جانباً مهماً من الأثر يتمثل في الحفاظ على وظائف وخبرات، إلى جانب استحداث فرص إضافية.
هل تنخفض فاتورة التدفئة؟
لا يُبَاع الغاز المستخرج محلياً تلقائياً بسعر يعتمد على تكلفة إنتاجه وحدها. هو يدخل سوقاً تتأثر بالطلب والطقس وتوافر الواردات والأسعار في الأسواق المرتبطة بها. لذلك، لا تعني زيادة الإنتاج بنسبة معينة انخفاض الفاتورة بالنسبة نفسها. وقد يدعم الحقل أمن الإمدادات ويقلل الحاجة إلى بعض الواردات، من دون أن يُحدِث بمفرده انخفاضاً ملموساً في الأسعار التي يدفعها المستهلكون.
وهنا يظهر الفرق بين توافر الطاقة والقدرة على تحمّل تكلفتها. يتعلق الأول بوجود إمدادات كافية، بينما تتأثر الثانية بالسعر وكفاءة الاستهلاك وتكاليف الشبكات وبنود الفاتورة الأخرى. وقد تتمكن الأسرة من خفض إنفاقها عبر تحسين عزل المنزل وتقليل الهدر، حتى عندما تبقى أسعار الغاز مرتفعة.
أمن الطاقة في مواجهة الحساب المناخي
تقول الحكومة إن الموافقة تتوافق مع التزامات بريطانيا المناخية، وإن الغاز سيظل مطلوباً خلال الانتقال إلى الطاقة المتجددة والنووية. وتطرح الإنتاج المحلي وسيلة لتلبية جزء من هذه الحاجة والحفاظ على الوظائف خلال التحول.
لكن الجدل البيئي يشمل أيضاً السؤال عن مقدار الطلب الذي يمكن خفضه، وسرعة تطوير البدائل، وأثر الانبعاثات الناتجة من حرق الغاز. حتى إذا كانت انبعاثات إنتاجه أقل من بعض الإمدادات المستوردة، يبقى استخدامه مصدراً لانبعاثات الكربون.
يعطي "جاكدو" بريطانيا مورداً إضافياً ويدعم نشاطاً اقتصادياً قائماً، لكنه لا يقدم حلاً منفرداً لأزمة الطاقة. وبالنسبة إلى الأسرة، ستبقى قيمة القرار مرتبطة بما يحققه من استقرار للإمدادات، وبالسياسات التي تساعدها على استهلاك طاقة أقل ودفع فاتورة يمكن تحمّلها.
نبض