الاقتصاد التونسي تحت ضغط الاحتجاجات... الغلاء والبطالة يختبران الإصلاحات
تجمع الاحتجاجات في تونس بين مطالب معيشية وحقوقية، فيما تكشف البيانات استمرار النمو في مقابل ارتفاع أسعار الغذاء وصعوبة التشغيل وضغوط التمويل. وتضع هذه المعادلة إصلاحات العمل ومبادرات التنمية أمام اختبار أثرها في حياة المواطنين.
بالنسبة إلى أسرة تواجه ارتفاع أسعار الطعام، أو خريج ينتظر وظيفة، لا يُقَاس تحسن الاقتصاد بنسبة نموه وحدها. المعيار الأقرب هو ما يستطيع الدخل شراءه، وفرصة العمل المتاحة، وانتظام الخدمات الأساسية. وهذه المسافة بين المؤشرات والحياة اليومية تساعد في فهم الغضب الذي ظهر في شوارع العاصمة التونسية.
شارك آلاف الأشخاص في تظاهرة السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر في تونس العاصمة، بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات مدنية، وبمشاركة أطراف معارضة. وجمعت التحركات الاعتراض على الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة، والمطالبة بالحريات وإطلاق سجناء سياسيين. ويرفض الرئيس قيس سعيّد اتهامات بالاستبداد، ويتهم معارضيه بافتعال أزمات اقتصادية.
لذلك، لا يمكن اختزال الاحتجاجات في الأسعار وحدها، كما لا تكفي قراءتها سياسياً بمعزل عن ضغوط المعيشة والعمل.
أسعار الغذاء في تونس... ضغط يتجاوز التضخم العام
بلغ معدل التضخم السنوي 5.6% في أيلول/سبتمبر 2026، لكن أسعار الغذاء والمشروبات ارتفعت 8.4%، وفق المعهد الوطني للإحصاء. وازدادت أسعار الدواجن 16.5%، والفواكه الطازجة 16.3%، ولحوم الضأن 14.6%، والخضروات الطازجة 12.9%. وفي المقابل، انخفضت أسعار الزيوت الغذائية 4.1%.
تشرح هذه الفوارق لماذا قد تبدو الأرقام العامة بعيدة عن تجربة المتسوق، فالأسرة التي تخصص حصة كبيرة من دخلها للطعام تواجه ضغطاً أشد، خصوصاً إذا لم تواكب مواردها ارتفاع الأسعار.
وحتى عندما يتباطأ التضخم، تبقى الأسعار أعلى من مستوياتها السابقة، فتراجع سرعة الغلاء لا يعيد تلقائياً القوة الشرائية المفقودة.
وتكشف البيانات أيضاً أثر تنظيم الأسعار: ارتفعت أسعار "الأغذية الحرة"، أي غير المحددة إدارياً، 9.4% سنوياً، في مقابل 0.2% للأغذية ذات الأسعار المنظمة. غير أن تقييم الحماية التي يوفرها الدعم يستلزم النظر في توافر السلع وتكلفته على المالية العامة، إلى جانب السعر المعلن.
البطالة في تونس... تراجع المعدل لا يعني زيادة الوظائف
انخفض معدل البطالة العام قليلاً إلى 14.9% في الربع الثاني، في مقابل 15% في الربع الأول. لكن عدد المشتغلين تراجع بنحو 58.2 ألف شخص، وانخفض معدل المشاركة في سوق العمل من 45.9% إلى 44.7%.
وفي الوقت نفسه، بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً 35.4%، وارتفعت بطالة خريجي التعليم العالي من 24.2% إلى 26.6%، بينما وصلت بطالة النساء إلى 21.6%.
هذه الصورة تستدعي الحذر في إعلان تحسن التشغيل، فتراجع البطالة قد يترافق مع خروج أشخاص من قوة العمل، بينما يظل العثور على وظيفة مناسبة صعباً، ولاسيما لدى الخريجين.
النمو الاقتصادي مستمر... والتشغيل تحت الضغط
نما الناتج المحلي الحقيقي 2.3% على أساس سنوي في الربع الثاني، و1.4% مقارنة بالربع الأول. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى نمو متوقع قدره 2.4% خلال عام 2026.
إذاً، المشكلة ليست غياب النمو تماماً، بل قدرته على إنتاج وظائف ومداخيل وخدمات أفضل، كما أن نمو الناتج لا يكشف وحده توزيع المكاسب بين المناطق والفئات الاجتماعية.
ويتطلب تقليص هذه الفجوة استثمارات تتحول إلى نشاط منتج ووظائف، لا الاكتفاء بقيمة المشاريع المعلنة. وتكتسب جودة الطرق والمياه والكهرباء والخدمات الإدارية أهمية خاصة للمناطق التي تواجه صعوبة في جذب المستثمرين.
إصلاحات سعيّد... حماية العمل واختبار التنفيذ
في مواجهة هشاشة التشغيل، أقرت تونس القانون عدد 9 المؤرخ في 21 أيار/مايو 2025، لتنظيم "عقود الشغل" ومنع "مناولة اليد العاملة"، أي أن توظّف شركة عمالاً ثم تضعهم للعمل لدى مؤسسة أخرى. وجعل الإصلاح العقد غير محدد المدة الأصل في العلاقة المهنية، مع إبقاء حالات استثنائية للعقود المحددة المدة.
يوفر هذا التوجه أساساً لتعزيز الاستقرار المهني وحماية العاملين. لكن تقييم أثره يحتاج إلى معرفة عدد من سُوِّيت أوضاعهم، ومستوى الالتزام، وتطور التوظيف الجديد. ولا تصح نسبة تغير البطالة إلى القانون وحده، في ظل عوامل اقتصادية أخرى.
وتدفع السلطة أيضاً بمشروع الشركات الأهلية، التي تراهن عليها لتشجيع مشاريع ينشئها أبناء المناطق وتوفير فرص عمل محلية. غير أن الحكم على التجربة يتطلب الفصل بين تأسيس الشركات وحصولها على التمويل وبدء إنتاجها وتحقيقها وظائف مستدامة.
وفي ملف "الصلح الجزائي"، الهادف إلى استرداد أموال وتوظيف عوائدها في مشاريع، صدر تعديل في 30 أيلول يتيح ترتيبات دفع على مراحل، مع إمكانية تخفيض الدفعة الأولية وفق معطيات الملف. لكن تعديل الآلية لا يعني تحقق الإيرادات، فالأثر الاقتصادي يُقَاس بالمبالغ المحصلة والمشاريع المنفذة فعلياً.
ولا تسمح المعطيات المعروضة بحكم شامل على نجاح هذه السياسات أو فشلها، إذ لا يثبت غياب حصيلة كمية مكتملة انعدام النتائج، لكنه يحد من القدرة على تقييمها.
الطاقة والتجارة... ضغط على العملات الأجنبية
بلغ عجز تجارة السلع خلال الأشهر التسعة الأولى 20.997 مليار دينار تونسي، أو نحو 7 مليارات دولار، في مقابل 16.727 مليار دينار، أي نحو 5.6 مليارات دولار، في الفترة نفسها من عام 2025.
وازدادت الصادرات 8.6%، لكن الواردات قفزت 13.1%. وشكّل عجز الطاقة نحو نصف العجز التجاري، عند 10.48 مليارات دينار، أو نحو 3.5 مليارات دولار. وهذه قيم جارية تتأثر بالأسعار والكميات معاً.
في المقابل، توفر السياحة وتحويلات الخارج دعماً مهماً. تجاوز مجموع عوائد السياحة ومداخيل العمل، التي تشمل أساساً تحويلات التونسيين العاملين في الخارج، 13.2 مليار دينار، أو نحو 4.4 مليارات دولار، خلال الأشهر التسعة الأولى، بزيادة 4.7%، بحسب بيانات أصدرها المصرف المركزي.
وبلغت الاحتياطيات ما يعادل 91 يوماً من الواردات في 14 تشرين الأول، وفق صندوق النقد. ويُبرِز ذلك أهمية الحفاظ على تدفقات العملات الأجنبية، لكنه لا يكفي منفرداً للحكم بوجود أزمة صرف وشيكة.
ميزانية تونس... الدين والاستجابة للمطالب الاجتماعية
أبقى المصرف المركزي معدل الفائدة الرئيسية عند 7% في 7 تشرين الأول، وسط مخاطر التضخم والطاقة. وهذا يبرز صعوبة الموازنة بين احتواء الأسعار وتيسير التمويل.
أما مشروع ميزانية عام 2027، فيتضمن احتياجات تمويل للخزانة بنحو 28.122 مليار دينار، أو نحو 9.4 مليارات دولار، مخصصة لتغطية العجز وتسديد أصل ديون مستحقة، وليس تمويل إنفاق جديد وحده.
ويتوقع المشروع اقتراضاً داخلياً بنحو 19.845 مليار دينار، أي نحو 6.6 مليارات دولار، ويقترح تسهيلات من المصرف المركزي تصل إلى 9.8 مليارات دينار، أو نحو 3.3 مليارات دولار، بلا فوائد.
ويطرح الاعتماد على الموارد المحلية سؤالاً عن المساحة المتاحة لتمويل الشركات، كما يفرض تسديد الديون مفاضلة مستمرة بين الالتزامات المالية والإنفاق على الخدمات والاستثمار.
لا تسمح البيانات المتاحة بعد بقياس أثر الاحتجاجات الأخيرة في السياحة أو الاستثمار. لكن الضغوط الاقتصادية المحيطة بها واضحة: غذاء أغلى، وفرص عمل غير كافية، وخدمات تحتاج إلى تحسين. وسيكون اختبار الإصلاحات في قدرتها على توفير دخل أكثر استقراراً، ووظائف قابلة للاستمرار، وخدمات يشعر المواطن بتحسنها.
أبرز المؤشرات الاقتصادية في تونس
| المؤشر | القيمة | الفترة |
|---|---|---|
| نمو الناتج المحلي الحقيقي سنوياً | 2.3% | الربع الثاني 2026 |
| النمو المتوقع للعام كاملاً | 2.4% | توقع لعام 2026 |
| التضخم السنوي | 5.6% | أيلول/سبتمبر 2026 |
| ارتفاع أسعار الغذاء والمشروبات سنوياً | 8.4% | أيلول 2026 |
| البطالة العامة | 14.9% | الربع الثاني 2026 |
| بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً | 35.4% | الربع الثاني 2026 |
| بطالة خريجي التعليم العالي | 26.6% | الربع الثاني 2026 |
| عجز تجارة السلع | نحو 21 مليار دينار (7 مليارات دولار) | الأشهر التسعة الأولى 2026 |
| عوائد السياحة ومداخيل العمل مجتمعة | أكثر من 13.2 مليار دينار (4.4 مليارات دولار) | الأشهر التسعة الأولى 2026 |
| الاحتياطيات مقاسة بأيام الواردات | 91 يوماً | 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026 |
| معدل الفائدة الرئيسي | 7% | قرار 7 تشرين الأول 2026 |
المصادر: المعهد الوطني للإحصاء، والمصرف المركزي التونسي، و صندوق النقد الدولي
نبض