العراق يعزز البنية التحتية للطاقة... هل تنهي هذه المشاريع اختناقات الكهرباء؟
وتكمن المفارقة المؤلمة في أن العراق يحرق الغاز المصاحب الذي يمتلكه، ثم يضطر إلى استيراد الغاز لتأمين الكهرباء لمواطنيه. وبينما قد يخفف الغاز المحلي الاستيراد أزمة الإمدادات مؤقتاً، يبقى الاستثمار فيه ضرورة لخفض التكاليف وضمان إمدادات كهرباء أكثر استقراراً، بما ينعكس مباشرة على حياة الأسر وأعمالها اليومية.
يوسّع العراق استثماراته في قطاع الطاقة عبر استثمار الغاز المصاحب، وتطوير محطات الكهرباء، وتعزيز شبكات النقل، والبحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط. وتستهدف هذه المشاريع معالجة اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، في مقدّمها حرق الغاز الذي يمكن استخدامه في توليد الكهرباء.
لكن حجم الاستثمارات المعلنة لا يكفي وحده للحكم على قدرة العراق على تجاوز أزماته. ترتبط النتائج بسرعة إنجاز المشاريع، وتوافر الغاز والوقود، وكفاءة شبكات النقل والتوزيع، فضلاً عن قدرة الدولة على تأمين التمويل وتحويل الخطط إلى طاقات تشغيلية فعلية.
من هدر الغاز المصاحب... إلى وقود لمحطات الكهرباء
يشكّل استثمار الغاز المصاحب لاستخراج النفط أحد أبرز محاور معالجة أزمة الطاقة العراقية. بدلاً من حرق الغاز الناتج من الحقول النفطية، تسعى الحكومة إلى جمعه ومعالجته وضخه في الشبكة الوطنية لتغذية محطات التوليد، بما يقلّص الحاجة إلى استيراد الوقود ويحدّ من الهدر الاقتصادي والبيئي.
يُستخدَم الغاز المصاحب في توليد الكهرباء، وإنتاج الوقود والغاز المنزلي بعد معالجته، وتشغيل المنشآت النفطية، وإنتاج مواد بتروكيميائية تدخل في صناعات البلاستيك والأسمدة، كما أن استثماره يحدّ من حرقه في الهواء عند المنشآت النفطية (gas flaring)، وهي عملية تنتج منها انبعاثات ملوّثة وتهدر مصدراً مهماً للطاقة.
في هذا السياق، يتقدّم مشروع «النمو المتكامل للغاز» (GGIP)، الذي تقوده «توتال إنرجيز» بحصة 45%، بالشراكة مع شركة نفط البصرة بحصة 30% و«قطر للطاقة» بحصة 25%. وتبلغ القيمة الإجمالية المعلنة للمشروع نحو 10 مليارات دولار، ويجمع بين معالجة الغاز، وتطوير إنتاج النفط، وإنشاء محطة للطاقة الشمسية، ومشروع لمعالجة مياه البحر لدعم العمليات النفطية.
في 10 كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت «توتال إنرجيز» بدء إنشاء منشأة «أرتاوي غاز 25» باستثمار يقارب 250 مليون دولار، لمعالجة 50 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً كانت تُحرَق سابقاً، بما يوفّر كهرباء تكفي نحو 200 ألف أسرة في البصرة.
ويتضمن المشروع منشأة بطاقة تصل إلى 300 مليون قدم مكعبة يومياً لمعالجة الغاز المصاحب من حقل الرطاوي وحقول جنوب العراق، بهدف تغذية محطات توليد بقدرة تقارب 1.5 غيغاواط، تكفي نحو 1.5 مليون أسرة عراقية. وتستهدف المرحلة الثانية رفع إنتاج النفط إلى 210 آلاف برميل يومياً بحلول عام 2028، وفق الهدف المعلن.
خور الزبير... استيراد الغاز لتجاوز فجوة الإمدادات
يتجه العراق إلى إنشاء أول محطة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في ميناء خور الزبير، بالتعاون مع شركة «إكسيليريت إنرجي» الأميركية، لاستيراد الغاز وإعادته إلى حالته الغازية واستخدامه في تشغيل محطات الكهرباء. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، وُقّع اتفاق تجاري لمدة خمس سنوات، بحد أدنى يبلغ 250 مليون قدم مكعبة يومياً.
وعلى الرغم من أن بدء التشغيل كان مقرراً في الربع الثالث من عام 2026، فقد تأجّل إلى عام 2027 بسبب تأخيرات في أعمال البنية التحتية، فيما لا يزال الموعد النهائي بحاجة إلى تأكيد رسمي.
وتكمن المفارقة المؤلمة في أن العراق يحرق الغاز المصاحب الذي يمتلكه، ثم يضطر إلى استيراد الغاز لتأمين الكهرباء لمواطنيه. وبينما قد يخفف الغاز المحلي والاستيراد أزمة الإمدادات موقتاً، يبقى الاستثمار فيه ضرورة لخفض التكاليف وضمان إمدادات كهرباء أكثر استقراراً، بما ينعكس مباشرة على حياة الأسر وأعمالها اليومية.
القدرات وحدها لا تكفي لشبكات ومحطات الكهرباء
على مستوى التوليد، أعلن وزير الكهرباء العراقي في كانون الثاني/يناير 2026 توقيع اتفاقات مع شركات دولية لإنشاء محطات بقدرة إجمالية تبلغ 48 ألف ميغاواط، بالتوازي مع مشاريع تطوير وتأهيل قيد التنفيذ بقدرة تقارب 15 ألف ميغاواط، وفق وكالة الأنباء العراقية.
كذلك ناقشت وزارة الكهرباء مع شركة «جي إي فيرنوفا» آليات تنفيذ اتفاق لإنشاء قدرات جديدة تبلغ 24 ألف ميغاوات، إلى جانب برامج صيانة بعيدة الأجل ورفع كفاءة وحدات التوليد. وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يجمع بين إضافة محطات جديدة وتحسين أداء المنشآت القائمة.
أما على مستوى الربط الإقليمي، فأعلنت الوزارة في نيسان/أبريل 2026 أن مشاريع الربط مع بلدان الجوار يُفترَض أن توفر نحو 1,250 ميغاوات، موزعة على 600 ميغاوات من تركيا، و500 ميغاوات في المرحلة الأولى من الربط الخليجي، و150 ميغاوات إضافية من الأردن. وتظل الاستفادة الفعلية مرهونة بدخول هذه المشاريع الخدمة، واستمرار الإمدادات، وقدرة الشبكة العراقية على استيعابها.
تصدير النفط... البحث عن منافذ أقل عرضة إلى المخاطر
لا تقتصر تحديات البنية التحتية على الكهرباء، إذ يعتمد العراق بدرجة كبيرة على عوائد النفط، ما يجعل تنويع منافذ التصدير مسألة ترتبط مباشرة بالاستقرار المالي. وفي هذا الإطار، يبرز مشروع خط أنابيب البصرة-حديثة، الذي أعلنت وزارة النفط في أيار/مايو 2026 أنه يستهدف نقل ما يصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً، مع إتاحة الربط بمسارات تصدير عبر تركيا وسوريا والأردن.
وفي حزيران/يونيو 2026، أفادت وزارة النفط، عبر وكالة الأنباء العراقية، بأن مشروع مد خط إلى ميناء بانياس السوري لا يزال قيد الدراسة، وأن تنفيذه يرتبط أولاً باستكمال مسار البصرة-حديثة وإجراء دراسة الجدوى اللازمة. ويعني ذلك أن الحديث عن مسارات بديلة يجب أن يميّز بين الخطط المقترحة والبنية التحتية المنفّذة فعلياً.
هل هذه المشاريع كافية لإنهاء الأزمة؟
يتوقف نجاح هذه المشاريع على قدرة العراق على تنفيذها وتشغيلها بكفاءة، لا على حجم الاستثمارات المعلنة وحده. قد يقلل استثمار الغاز المصاحب محلياً الاعتماد على الواردات، فيما يوفّر استيراد الغاز المسال حلاً موقتاً لسد نقص الإمدادات. كذلك يمكن لمحطات التوليد ومشاريع الربط الكهربائي الإقليمي أن تعزّز إنتاج الكهرباء، لكن اختناقات النقل والتوزيع ونقص الوقود قد تحدّ من وصولها إلى المواطنين.
وفي قطاع النفط، يمكن لتنويع مسارات التصدير أن يعزّز مرونة الاقتصاد العراقي في مواجهة الاضطرابات، شرط استكمال البنية التحتية وتأمين التمويل والتفاهمات اللازمة مع الدول المعنية. ومع ذلك، لا يمكن الجزم مسبقاً بأن هذه المشاريع ستؤدي إلى خفض تكلفة الكهرباء أو تقليل الاعتماد على المولدات الخاصة.
في المحصلة، يمتلك العراق، بوصفه أحد كبار منتجي النفط في العالم، موارد ومشاريع قادرة على معالجة جوانب أساسية من أزمة الطاقة، إذا نُفّذت وفق الخطط المعلنة وشُغّلت بكفاءة. لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد المحطات أو بحجم المليارات المصروفة، بل بكمية الغاز التي ستُستثمر بدلاً من حرقها، وحجم القدرة الكهربائية التي ستُضَاف فعلياً، ومدى انتظام وصول الكهرباء إلى المنازل والمصانع، فضلاً عن قدرة البلاد على تنويع مسارات تصدير النفط وسرعة تنفيذ هذه الأهداف.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تعود إيران إلى هذا العبث الاستباحي "الناعم" للبنان من خلال مسارعتها إلى الإطلالة على المشهد اللبناني بعد سلسلة هزات تولاها وتسبب بها "حزب الله" كأنها تثبت ضمناً الرسالة المزدوجة التي تكشف قدرتها من جهة على التأثير السلبي المدمر ومن جهة ثانية على توظيف ديبلوماسية المداهنة مع سلطات البلدان...
تجارب الحكم الذاتي عبر التاريخ، تثبت أن تقرير المصير يمكن استيعابه ضمن الدولة الموحدة وتوسيع الحقوق وليس التفكيك والتجزئة.
نبض