سوق التبريد في الإمارات... 1.8 مليار دولار لحماية الغذاء والدواء
تنمو سلسلة التبريد في الإمارات بوصفها بنية أساسية لحفظ الغذاء والدواء ودعم التجارة وإعادة التصدير، من المستودعات والثلاجات الصناعية إلى الحاويات والشاحنات المبردة وأنظمة المراقبة الرقمية.
عندما تصل شحنة من الفاكهة أو اللحوم أو الأدوية إلى أحد موانئ دولة الإمارات العربية المتحدة، تبدأ رحلة اقتصادية لا يراها المستهلك في الأغلب. يجب أن تبقى الشحنة من ضمن نطاق حراري محدد أثناء التفريغ والتخزين والنقل والتوزيع، حتى تصل إلى المتجر أو المطعم أو المستشفى. وأي انقطاع في هذه الرحلة قد يحوّل سلعة ذات قيمة إلى خسارة كاملة.
هذه المنظومة تُعرف بـ"سلسلة التبريد"، وهي مختلفة عن تكييف المباني أو تبريد المناطق. وتشمل المستودعات والثلاجات الصناعية، والحاويات والشاحنات المبردة، ومراكز توزيع الأغذية، وحفظ الأدوية واللقاحات، والتغليف الحراري، وأجهزة قياس درجات الحرارة والرطوبة وتتبعها رقمياً.
وفي دولة تعتمد على التجارة العالمية وتستورد جانباً كبيراً من احتياجاتها الغذائية، تصبح القدرة على إنتاج "برودة موثوقة" جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية، إلى جانب الموانئ والمطارات والطرق والمستودعات.
سوق تنمو مع السكان والتجارة
تقدّر شركة "موردور إنتليجنس" حجم سوق الخدمات اللوجستية لسلسلة التبريد في الإمارات بنحو 1.83 مليار دولار في عام 2026، وتتوقع ارتفاعه إلى 2.43 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.84%.
ويشمل هذا التقدير التخزين والنقل المبردين والخدمات المرتبطة بهما، ولا يشمل تكييف المباني أو سوق معدات التبريد كله. ووفق تقديرات الشركة، استحوذ التخزين المبرد على نحو نصف السوق في عام 2025.
تختلف تقديرات المؤسسات الأخرى بحسب إدراجها تجهيزات التبريد والبرمجيات والتغليف والخدمات المضافة. لكن اتجاه النمو واضح، مدفوعاً بزيادة السكان والسياحة والفنادق والمطاعم، وانتشار التسوق الغذائي الإلكتروني، وتوسع الصناعات الغذائية والدوائية.
ولا تقتصر وظيفة القطاع على تلبية الطلب المحلي. فموقع الإمارات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وشبكة موانئها ومطاراتها، يسمحان بتحويلها إلى محطة لاستقبال السلع الحساسة للحرارة، وتخزينها وإعادة تعبئتها وتوزيعها نحو أسواق أخرى.
جبل علي محور للتخزين وإعادة التصدير
تؤدي دبي دوراً رئيسياً في هذه المنظومة عبر ميناء جبل علي والمنطقة الحرة المحيطة به. ويمتد تجمع الأغذية والمشروبات في "جافزا" على مساحة تقارب 1.7 مليون متر مربع، ويضم مرافق للتخزين البارد والمبرد ومناولة السلع الغذائية بالقرب من خطوط الشحن والنقل البري.
وتوفر مرافق التبريد في ميناء جبل علي مناطق تخزين بدرجات حرارة تتراوح، بحسب نوع الغرفة والبضائع، بين 29 درجة مئوية تحت الصفر و13 درجة فوق الصفر. وتمتد هذه المرافق على مساحة 9,665 متراً مربعاً، بطاقة تخزين تبلغ 8,183 منصة نقالة. ويسمح تعدد درجات الحرارة بالتعامل مع منتجات مختلفة، من الأغذية المجمدة إلى الفاكهة والخضار وبعض المستحضرات الطبية.
كذلك دخلت "دي بي ورلد" في شراكة مع "آر إس إيه كولد تشين" لتطوير منشأة متقدمة في جبل علي. ومن المتوقع أن ترفع مراحل المشروع طاقة شبكة الشركة إلى نحو 70 ألف منصة نقالة.
ويُنتظر أن يضيف مشروع "حي دبي للأغذية"، الذي أُعلِن في عام 2026، مرافق جديدة للتخزين المضبوط الحرارة والتصنيع والتجارة، من ضمن خطة تستهدف أكثر من مضاعفة مساحة السوق الغذائية القائمة.
أبوظبي تربط التبريد بالأمن الغذائي
في أبوظبي، تتركز استثمارات مماثلة من ضمن مناطق خليفة الاقتصادية "كيزاد". وقد ضمت محفظة المجموعة في الفصل الثالث من عام 2023 نحو 93 ألف متر مربع من مرافق التخزين البارد، من ضمن أصول صناعية ولوجستية تعمل المجموعة لتوسيعها لتلبية الطلب.
ومن أبرز المشاريع مركز توزيع الأغذية التابع لشركة "سلال"، الذي يمتد على مساحة 41 ألف متر مربع وتزيد طاقته على 36,800 منصة نقالة. ويضم المركز منطقة للتخزين البارد ومرافق لإعادة التعبئة والتصدير، ما يتيح التعامل مع كميات كبيرة من المنتجات وتوجيهها وفق احتياجات السوق.
وتكمن القيمة الاقتصادية هنا في مرونة الإمدادات. فزيادة الطاقة التخزينية تساعد في بناء مخزون مدروس، وتقليل التلف، واستيعاب التغيرات الموسمية، وإعادة توجيه السلع عند تأخر الشحنات أو اضطراب أحد المسارات التجارية.
الدواء يرفع قيمة سلسلة التبريد
تضيف الصناعات الدوائية بُعداً أكثر تخصصاً إلى السوق. تحتاج اللقاحات وبعض علاجات السرطان والمنتجات البيولوجية إلى نطاقات حرارية دقيقة، وتوثيق مستمر للحرارة، وتغليف خاص ومصادر طاقة احتياطية.
وتضم المنطقة الحرة لجبل علي أكثر من 390 شركة تعمل في الصناعات الدوائية وتوزيع منتجات الرعاية الصحية، مع مرافق مخصصة للمناولة والتخزين المضبوط الحرارة. وفي هذا الجزء من السوق، لا تُقَاس القيمة بحجم الشحنة فقط، بل بدقة الخدمة والقدرة على إثبات أن الدواء بقي من ضمن درجة الحرارة المطلوبة طوال الرحلة.
كيف تصبح البرودة أقل تكلفة؟
يبقى استهلاك الكهرباء أحد أكبر تحديات القطاع، لأن المستودعات المبردة تعمل على مدار الساعة وفي مناخ ترتفع فيه درجات الحرارة معظم أشهر السنة. وتترك بعض غازات التبريد أثراً مناخياً كبيراً عند تسربها، وهو ما دفع الإمارات إلى تنظيم استيراد الغازات الهيدروفلوروكربونية وتصديرها وتداولها.
هذه التحديات تفتح سوقاً موازية للتكنولوجيا، تشمل العزل الأعلى كفاءة، والطاقة الشمسية، والتخزين الحراري، والمبردات الأقل أثراً في المناخ، وأجهزة الاستشعار التي تراقب الحرارة لحظة بلحظة، والبرمجيات التي تتوقع الأعطال قبل توقف المعدات.
وهكذا ليس اقتصاد التبريد الإماراتي قطاعاً هامشياً خلف أبواب المستودعات. هو حلقة أساسية تربط المزرعة والمصنع بالميناء والمتجر والمستشفى، وتحمي قيمة السلع خلال رحلتها. كلما توسعت الإمارات في تجارة الغذاء والدواء وإعادة تصديرهما، ازدادت القيمة الاقتصادية للبنية التحتية التي تحافظ على برودتهما.
نبض