التجارة "السوداء" بالآثار: رأس مال ثقافي يتسرّب إلى الأسواق العالمية

اقتصاد وأعمال 21-10-2026 | 03:50

التجارة "السوداء" بالآثار: رأس مال ثقافي يتسرّب إلى الأسواق العالمية

إعادة 36 قطعة أثرية إلى سوريا بقيمة 5 ملايين دولار تعكس تحديات تجارة الآثار غير المشروعة وأثرها الاقتصادي في الشرق الأوسط.

التجارة "السوداء" بالآثار: رأس مال ثقافي يتسرّب إلى الأسواق العالمية
من موقع تدمر الأثري في وسط سوريا (أ.ف.ب)
Smaller Bigger

في 23 أيلول/سبتمير 2026، أعلنت نيابة مانهاتن عن إعادة 36 قطعة أثرية إلى سوريا، تتجاوز قيمتها التقديرية خمسة ملايين دولار، بينها فسيفساء ومنحوتة جنائزية تدمرية. تختصر هذه الواقعة اقتصاد هذه التجارة: أصول تُنتزع من بلدان منشئها، وتُسوّق خارجها، بينما تتحمل تلك البلدان خسارة فرص استثمارها في السياحة والمتاحف والبحوث الأركيولوجية.

عالمياً، لا تتيح البيانات المنشورة تقديراً سنوياً موثوقاً لحجم السوق غير المشروعة لتجارة الآثار. يقول يقول الباحث عمرو العظم، أستاذ علم الآثار في جامعة شاوني ستايت الأميركية، لـ "النهار" إن الباحثين دونا ييتس ونيل برودي خلصا في دراسة محكّمة في عام 2025 إلى وصف هذه التجارة بأنها "ثالث أكبر تجارة غير مشروعة في العالم، رغم أنهما لم يستندا في هذا الوصف إلى بحوث دقيقة أو إحصاءات أصلية". أما المؤشرات القابلة للتحقق فتشمل ضبط أكثر من 3000 قطعة بقيمة تقديرية تجاوزت 100 مليون يورو في عملية أوروبية أُعلن عنها في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وبحلول أيلول 2026، بلغت حصيلة وحدة مانهاتن منذ تأسيسها أكثر من 6400 قطعة ثقافية، قُدّرت قيمتها بنحو 495 مليون دولار. لكن، هذه قيمة المضبوطات، وليست قيمة المبيعات السنوية.

بحسب العظم، لا تقدير عربي موثوقاً يمكن جمعه من أرقام الاسترداد. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الثقافة العراقية استعادة أكثر من 40,000 قطعة خلال أربع سنوات. وفي لبنان، أعادت نيابة مانهاتن 12 قطعة تجاوزت قيمتها تسعة ملايين دولار. وقال رئيس مصلحة الآثار الليبية محمد الشكشوكي لـ"رويترز"، في كانون الأول 2025، إن بلاده استعادت 21 قطعة هُرّبت بعد سقوط العقيد معمر القذافي. وتعكس هذه الوقائع امتداد الشبكات، لكنها لا تقيس كامل الآثار المنهوبة أو حصّة المنطقة من السوق العالمية.

 

سلاسل ومنصات مشبوهة

تبدأ سلسلة التوريد المشبوهة بحفر غير مرخّص أو سرقة مخازن ومتاحف. يقول العظم إن المشاركين يتدرجون من "أشخاص فقدوا مصادر رزقهم بسبب الحرب والنزاع والفقر" إلى جماعات مسلحة تعتبر النهب مورداً مالياً. ووثّقت مجموعة العمل المالي (FATF) استخدام فواتير وشهادات منشأ مزوّرة، وشركات واجهة ومدفوعات نقدية، لإخفاء المصدر والمالك الحقيقي، ونقل آثار ضمن شحنات مصنوعات حديثة بتصريحات مضللة. ثم تُعرض بعض القطع في صالات ومزادات، أو تُعار لمتاحف فتكتسب سجلاً ظاهرياً يعزز قابليتها للبيع ويرفع قيمتها.

في سوريا، حذّر المجلس الدولي للمتاحف في عام 2025 من عرض مكتشفات التنقيب غير القانوني على مواقع التواصل، ودعا لبنان وتركيا والعراق إلى مراقبة نقاط العبور البرية. 

توسّع المنصات الوصول إلى المشترين وتخفض كلفة الوساطة. وتؤكد أهمية هذا المسار مصادرة 4298 قطعة ثقافية نتيجة المراقبة الإلكترونية ضمن عملية "باندورا التاسعة"، التي أُعلن عن نتائجها في أيار/مايو 2025. وتشمل الفئات المستهدفة العملات والألواح المسمارية والتماثيل والفسيفساء.

تجذب القطع الصغيرة المتاجرين لسهولة نقلها، بينما تحقق الأعمال النادرة والكبيرة قيماً مرتفعة، "لكن لا تتوافر قائمة موثوقة لترتيب الطلب والأسعار بالسوق السوداء"، بحسب العظم. ومن أمثلة القيم الاستثنائية رأس ثور مسروق من لبنان قُدّر بنحو 12 مليون دولار، ولوح "حلم غلغامش" العراقي الذي بيع بنحو 1.7 مليون دولار في عام 2014 بوثائق منشأ زائفة. الأول تقييم، والثاني سعر بيع بعد إخفاء المصدر؛ وكلاهما لا يكشف ما قبضه الناهب الأول.

تبدأ الملاحقة بجرد مصوّر وتوثيق علامات القطع وسجلات التنقيب، ثم مطابقة المعروضات مع قاعدة الإنتربول وتطبيق "ID-Art"، ومراقبة المزادات والمنصات. وتساعد قوائم "إيكوم" الحمراء على تحديد الفئات المعرّضة للتهريب، لكنها ليست قوائم مسروقات. لذلك، لا يكفي غياب القطعة عن قاعدة بيانات لإثبات شرعيتها، خصوصاً إذا خرجت من تنقيب سري ولم تُسجّل أصلاً.

 

اقتصاد الاسترداد

يحتاج الاسترداد إلى ملف يثبت الملكية والخروج غير المشروع، وتعاون قضائي لتجميد البيع وضبط القطعة، مع تتبّع المدفوعات والمستفيدين الحقيقيين. وتوفّر اتفاقية اليونسكو لعام 1970 إطاراً للتعاون، بحسب القانون المنطبق. ومنذ 28 حزيران/يونيو 2025، بدأ تطبيق متطلبات أوروبية تشمل تراخيص استيراد لفئات أثرية يتجاوز عمرها 250 عاماً، بصرف النظر عن قيمتها.

غير أن إعادة القطعة وحدها قد تُعامل تجارياً كخسارة محتملة ضمن كلفة النشاط. ويبيّن الباحث المتخصص سايمون ماكنزي، في دراسة نُشرت في عام 2025، أن احتمال اكتشاف المخالفة والقبض على مرتكبها "أشد تأثيراً في الردع من مجرد تشديد العقوبات"، وهذا يدعم الاستثمار في التحقيق والرقابة المستمرة، كما يؤكد العظم.

اقتصادياً، يُعيد الاسترداد أصلاً عاماً يمكنه دعم إيرادات الزيارة والإرشاد والفنادق والحرف، وتعزيز جاذبية الاستثمار السياحي. لكنه لا يضيف قيمته التقديرية تلقائياً إلى الناتج أو الخزينة. ويتوقف العائد على الأمن والعرض والتسويق والقدرة الإدارية، بعد خصم كلفة التقاضي والنقل والترميم والحفظ. ويمكنه دعم تنويع الاقتصادات واستقطاب إنفاق الزوار بالعملات الأجنبية، إذا ارتبط بخدمات محلية وفرص عمل تحفظ للمجتمعات المحيطة نصيباً من المنافع.

وللدلالة على طاقة الاستثمار التراثي الأوسع، أعلنت اليونسكو في عام 2025 أن برنامج إحياء الموصل، الذي حشد أكثر من 115 مليون دولار، أوجد 7,700 فرصة عمل. وهذه حصيلة إعادة إعمار، لا استرداد وحده؛ لكنها توضح كيف يتحوّل التراث المحمي إلى نشاط اقتصادي محلّي مستمر.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
شمال إفريقيا 10/20/2026 12:56:00 PM
استنفار إسعافي عقب تصادم حافلة ركاب وشاحنة نقل ثقيل على طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، وتوجيهات بتقديم مساعدات عاجلة للمتضرّرين.
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟