تجارة الذهب في الإمارات... كيف يتحوّل المعدن المخزّن إلى تمويل للشركات؟
لا تقتصر مكانة الإمارات في سوق الذهب على الاستيراد وإعادة التصدير، بل تمتد إلى التكرير والتخزين والفحص والتمويل. ووراء واجهات المجوهرات منظومة تسمح للشركات بتحويل الذهب الموجود في الخزائن إلى ضمان للحصول على السيولة.
عندما يُذكر الذهب في دولة الإمارات العربية المتحدة، تتجه الأنظار عادةً إلى متاجر المجوهرات والأسواق التقليدية والسبائك المعروضة خلف الزجاج. لكن جزءاً مهماً من اقتصاد الذهب يعمل بعيداً من واجهات البيع، داخل الخزائن والمصافي وشركات النقل ومنصات تسجيل الملكية والمؤسسات المالية.
تظهر أهمية هذا القطاع في أرقام التجارة. بقي الذهب السلعة الأولى في تجارة الإمارات غير النفطية خلال النصف الأول من عام 2026، بقيمة بلغت 706.2 مليار درهم (192.3 مليار دولار)، وبنمو سنوي نسبته 48.8 في المئة. ويشمل هذا الرقم حركة الذهب عبر الواردات والصادرات وإعادة التصدير.
ويساعد موقع الإمارات بين البلدان المنتجة للذهب في أفريقيا وآسيا والأسواق المستهلكة في الشرق والغرب في ترسيخ دورها محطةً للتجارة والتكرير وإعادة التصدير. وتشير بيانات مركز دبي للسلع المتعددة إلى أن الدولة، عبر دبي، أصبحت ثاني أكبر مركز لتجارة الذهب المادي في العالم بعد سويسرا.
الذهب المخزّن يتحول إلى ضمان
تتجاوز المنظومة مجرد انتقال السبائك من بائع إلى مشترٍ. فمن خلال منصة "تريد فلو" التابعة لمركز دبي للسلع المتعددة، تستطيع الشركات تسجيل ملكية السلع المحفوظة في منشآت تخزين معتمدة، وإصدار مستندات إلكترونية تثبت حيازتها.
ويمكن بعد ذلك استخدام هذه المستندات لدعم طلبات التمويل، إذ يبقى الذهب محفوظاً في المنشأة المعتمدة، بينما يُستخدم ضماناً لدى المؤسسة المالية. وبهذه الطريقة، تستطيع الشركة الحصول على السيولة لتمويل عملياتها أو شراء مخزون جديد من دون الاضطرار إلى بيع الذهب الذي تملكه فوراً.
وبلغت قيمة الذهب المموّل عبر "تريد فلو" نحو 2.97 مليار درهم (809 ملايين دولار) خلال عام 2025. ويكشف الرقم عن جانب أقل ظهوراً من اقتصاد المعادن الثمينة: ليس الذهب سلعةً للبيع والشراء فقط، بل أصل يمكن توظيفه في التمويل التجاري.
ويتطلب هذا النموذج منظومةً من الخدمات المتصلة، تبدأ بفحص نقاء المعدن وتوثيق مصدره وملكيته، وتمر بالتخزين الآمن والتأمين والنقل، ولا تنتهي عند المصارف والمنصات الرقمية. وكلما ازدادت الثقة في المستندات والخزائن وعمليات التحقق، أصبحت المؤسسات المالية أكثر قدرةً على قبول الذهب ضماناً.

من التجارة إلى القيمة المضافة
يتزامن نمو التمويل مع توسع نشاط التكرير والسك والتصنيع محلياً. تستخدم شركات إقليمية ودولية الإمارات للوصول إلى أسواق الخليج العربي، فيما أنشأت بعض العلامات مصانع داخل الدولة لإنتاج السبائك والعملات والمشغولات الذهبية.
ومن أحدث الصور اللافتة لهذا الحضور عرض أطول سبيكة ذهب في العالم، بطول 2.12 متر، في معرض الشرق الأوسط للساعات والمجوهرات في الشارقة، الذي أقيم من 30 أيلول/سبتمبر إلى 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
صنعت شركة "كيميت للمعادن الثمينة" السبيكة في مصر، حيث سُجّلت في موسوعة "غينيس" بالقاهرة، قبل أن تعرضها شركة "بي تي سي" في الشارقة من ضمن حضورها الإقليمي. وقُدِّمت السبيكة مثالاً على استخدام القطع القياسية في جذب الجمهور وتسويق العلامات التجارية والمعارض المتخصصة.
ولا يكتمل نمو القطاع من دون الرقابة على مصادر الذهب. حدّثت الإمارات في عام 2026 إرشادات مكافحة غسل الأموال الخاصة بتجار المعادن والأحجار الثمينة، مع التركيز على وثائق المنشأ، والذهب القادم من مناطق النزاعات، ومسارات الشحن غير المبررة، والادعاءات غير الموثقة في شأن الذهب المعاد تدويره.
وهكذا، تتشكل في الإمارات سلسلة اقتصادية تتجاوز متجر المجوهرات: ذهب يصل من الأسواق العالمية، ويُفحَص ويُكرَّر ويُخزَّن ويُموَّل، ثم يُعَاد تصديره أو تصنيعه. والقيمة الأكبر لا تأتي من امتلاك المعدن وحده، بل من الخدمات والثقة والبنية المالية التي ترافق حركته.
نبض