إعادة تسويق التغير المناخي... لماذا اختفت الكلمة واستمر التحول الأخضر؟

اقتصاد وأعمال 03-10-2026 | 12:29

إعادة تسويق التغير المناخي... لماذا اختفت الكلمة واستمر التحول الأخضر؟

يتراجع حضور المناخ في خطاب السياسيين والشركات، لكن الاستثمارات النظيفة تواصل نموها تحت عناوين جديدة، أبرزها أمن الطاقة وخفض التكلفة والاستقلال الاقتصادي. فهل تغيرت أهداف التحول الأخضر أم طريقة تقديمها إلى الجمهور؟


إعادة تسويق التغير المناخي... لماذا اختفت الكلمة واستمر التحول الأخضر؟
مشاهد من الانهيار الجليدي الأخير على حدود النيبال-الصين (أ ف ب)
Smaller Bigger

كان يُفترض أن تجعل موجات الحر والفيضانات والحرائق الحديث عن التغير المناخي أكثر حضوراً. لكن المفارقة أن الخطاب المناخي يتراجع في بلدان غربية عدة، بينما تستمر مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات في التوسع. لم تختفِ المشكلة، بل أُعِيد تسويق الحل.

 

شهدت أوروبا الغربية في عام 2026 صيفها الأكثر حرارة منذ بدء التسجيل، فيما كان ثالث أكثر فصول الصيف حرارة في أوروبا ككل. ومع ذلك، بات بعض السياسيين يتجنبون عبارات مثل "أزمة المناخ" و"الصفر الصافي"، ويفضلون الحديث عن أمن الطاقة والفواتير والوظائف والتنافسية.

 

من المناخ إلى أمن الطاقة

 

ليست هذه أول مرة يتغير فيها اسم القضية. علمياً، يشير "الاحترار العالمي" إلى ارتفاع متوسط حرارة الأرض، بينما يشمل "التغير المناخي" نطاقاً أوسع من التحولات في الأمطار والبحار والجفاف والعواصف. وسياسياً، استُخدمت العبارة الثانية أحياناً لأنها أقل إثارة للخوف، قبل أن يرد الناشطون بتعابير أشد، مثل "أزمة المناخ" و"الطوارئ المناخية" و"الغليان العالمي".

 

أما الموجة الحالية فتذهب أبعد من اختيار اسم للظاهرة، إذ تعيد تقديم الانتقال من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة باعتباره مشروعاً اقتصادياً وأمنياً.

 

أظهرت الحرب في أوكرانيا، ثم اضطرابات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، أن الاعتماد على الوقود المستورد يعرّض الدول إلى قفزات الأسعار ونواقص وضغوط سياسية. لذلك باتت بروكسل تربط الطاقة النظيفة بالاستقلال عن الواردات، فيما يقدم "الاتفاق الصناعي النظيف" الأوروبي إزالة الكربون كوسيلة لخفض تكلفة الطاقة وحماية الصناعة وتوليد الوظائف، لا باعتبارها تضحية بيئية فقط.

 

بريطانيا تتخلى عن المصطلح لا الهدف

 

وصل التحول اللغوي إلى بريطانيا، حيث أوصت لجنة أمن الطاقة والصفر الصافي في مجلس العموم، في أيلول/سبتمبر 2026، بحذف عبارة "الصفر الصافي" من اسم الوزارة وتقليل استخدامها في الخطاب الحكومي.

 

لم تطالب اللجنة بالتخلي عن هدف الوصول بصافي الانبعاثات إلى الصفر بحلول عام 2050، بل رأت أن المصطلح أصبح تقنياً ومسيّساً ونقطة جذب للمعارضين. واقترحت استبدال التركيز عليه بشرح المزايا اليومية للتحول: منازل أكثر دفئاً، وفواتير أقل، ووظائف جديدة، وهواء أنظف، وأمن أكبر للإمدادات.

 

خلف هذا التغيير درس سياسي واضح. لقد أظهرت احتجاجات "السترات الصفراء" في فرنسا، والاعتراضات على السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، أن السياسات المناخية تفقد التأييد عندما يشعر العامل أو صاحب الدخل المحدود بأنه يدفع تكلفتها، فيما تذهب منافعها أولاً إلى القادرين على شراء سيارة كهربائية أو تركيب ألواح شمسية.

 

السوق تسبق الخطاب

 

على الرغم من الحرب الثقافية الدائرة حول المناخ، لا تزال السوق تدفع التحول إلى الأمام. قدّرت وكالة الطاقة الدولية استثمارات الطاقة النظيفة في عام 2025 بنحو 2.2 تريليون دولار، أي ضعف الاستثمارات في الوقود الأحفوري البالغة 1.1 تريليون دولار.

 

وبلغ متوسط تكلفة الكهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة عالمياً نحو 44 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة في عام 2025، في مقابل 33 دولاراً للرياح البرية. لكن هذه الأرقام تقيس تكلفة التوليد من المشروع، ولا تشمل دائماً كامل نفقات الشبكات والتخزين وموازنة الإمدادات والتمويل.

 

وقد ترفع هذه الاستثمارات تكلفة النظام والفواتير في الأجل القريب، وفق طريقة تمويلها وتوزيعها، قبل أن تظهر الوفور الناتجة من انخفاض تكلفة الوقود وتقليص التعرض إلى تقلب أسعاره.

 

وتكشف الصين حجم التحول؛ ولّدت البلاد نحو أربعة آلاف تيراواط/ساعة من المصادر المتجددة في عام 2025، بما يعادل قرابة 90 في المئة من إجمالي الكهرباء التي أنتجتها الولايات المتحدة من المصادر كلها.

 

حتى ولاية تكساس الجمهورية، المرتبطة تاريخياً بالنفط، تستحوذ على نحو 40 في المئة من القدرة الشمسية الأميركية الجديدة المقرر إضافتها في عام 2026، لأن المستثمرين يرون فيها خياراً تنافسياً، لا شعاراً أيديولوجياً.

 

ماذا يعني ذلك عربياً؟

 

في العالم العربي، قد يكون خطاب أمن الطاقة والتنمية أكثر إقناعاً من المصطلحات المناخية المجردة. تستطيع الدول المستوردة للوقود تقديم الشمس والرياح وسيلة لتقليص فاتورة الاستيراد وحماية احتياطياتها من العملات الأجنبية، بينما تنظر دول الخليج العربي إليها بوصفها قطاعاً صناعياً جديداً يدعم التنويع الاقتصادي ويوفر الكهرباء للتقنيات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، من الذكاء الاصطناعي إلى تحلية المياه وإنتاج الهيدروجين.

 

لكن تغيير اللغة لا يعفي الحكومات من توزيع التكلفة بعدالة. إذا ارتفعت الفواتير أو فقد عاملون وظائفهم من دون بدائل، فلن تنقذ أفضل حملة تسويقية المشروع.

 

وهكذا، لا تختفي قضية المناخ حين يتوقف السياسيون عن ذكرها؛ هي تظهر في أسعار الكهرباء والتأمين والغذاء والنقل. الاسم يتغير، لكن الاختبار يبقى واحداً: هل يلمس الناس فوائد التحول في حياتهم؟

الأكثر قراءة

دوليات 10/2/2026 12:31:00 PM
سميت ماتشار: "كنت تعرّضت لعدد من الإصابات ما جعلني أنهار"
لبنان 10/2/2026 2:39:00 PM
الموسوي رداً على باسيل: "لست معنياً بتفنيد بيانه الأكذوبة، فاللبنانيون حتى أقرب المقربين إليه لا يحبونه ولا يسوغونه لأنه شخص مقيت بغيض"...