في معرض التجارة الرقمية العالمي… ماذا ينتظرنا في عصر الذكاء الاصطناعي؟
المدينة التي ارتبط اسمها بالاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية أصبحت واحدة من الأماكن التي يمكن من خلالها قراءة التحول الذي تشهده التكنولوجيا الصينية، وكيف تحاول الشركات تحويل التطور التقني إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع عالمياً.
روبوت يرحّب بالزوار، وآخر ينفّذ مهمة بدقة لافتة، وشاشات تعرض نماذج ذكية قادرة على معالجة كميات كبيرة من البيانات خلال ثوانٍ. في مكان آخر، رقائق وحلول للحوسبة، وفي جناح قريب تطبيقات للذكاء الاصطناعي في التجارة والصناعة والخدمات.
هكذا تبدو الصورة في معرض التجارة الرقمية العالمي (GDTE) في هانغتشو، حيث لا يُعرض الذكاء الاصطناعي باعتباره فكرة بعيدة أو تقنية تنتظر المستقبل، بل كمنتج موجود في السوق، تتنافس الشركات على تطويره وتوسيع استخداماته.
المشهد اللافت في المعرض ليس فقط في عدد الروبوتات أو التقنيات الجديدة، بل في الطريقة التي باتت فيها التكنولوجيا جزءاً من الاقتصاد؛ فبين أجنحة الشركات، تتداخل التجارة مع الذكاء الاصطناعي، والحوسبة مع الصناعة، والابتكار مع البحث عن أسواق خارج الحدود.
أكثر من ألفي شركة تشارك في المعرض المقام على مساحة تصل إلى 170 ألف متر مربع، فيما تمتد المشاركة إلى جهات من 163 دولة ومنطقة. والذكاء الاصطناعي يحتل مساحة واسعة من الحدث، مع حضور كبير للشركات العاملة في النماذج الذكية والروبوتات والرقائق والحوسبة والتطبيقات.
لكن ما يجري في هانغتشو يتجاوز حدود معرض تكنولوجي.
فالمدينة التي ارتبط اسمها بالاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية أصبحت واحدة من الأماكن التي يمكن من خلالها قراءة التحول الذي تشهده التكنولوجيا الصينية، وكيف تحاول الشركات تحويل التطور التقني إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع عالمياً.
لهذا، لا تبدو الوفود والشركات الأجنبية الموجودة هنا مجرد زوار لمشاهدة أحدث الابتكارات. جزء من الحضور يبحث عن أفكار، وجزء آخر عن تقنيات، فيما يبحث آخرون عن شركاء وأسواق وفرص استثمار.
في الوقت نفسه، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ في الولايات المتحدة، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في لقاء يأتي في مرحلة أصبحت فيها التكنولوجيا واحدة أبرز عناوين العلاقة بين بكين وواشنطن.
الذكاء الاصطناعي والرقائق والتكنولوجيا المتقدمة لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة عن السياسة الدولية، فهي ترتبط بالقدرة على المنافسة، وبمستقبل الصناعات، وبالأسواق التي ستنشأ حول التكنولوجيا الجديدة.

ومن هنا تبدو المفارقة بين المشهدين لافتة.
في واشنطن، يجلس قادة أكبر قوتين اقتصاديتين وتكنولوجيتين في العالم لمناقشة علاقة يطغى عليها التنافس في عدد من الملفات.
وفي هانغتشو، تتحول التكنولوجيا نفسها إلى مساحة تجمع شركات ومؤسسات من دول مختلفة، يبحث بعضها عن التعاون والاستثمار والوصول إلى منتجات جديدة.
الجانبان يكشفان عن وجهين لمرحلة واحدة: الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من المنافسة الدولية، وفي الوقت نفسه أصبح لغة جديدة للتجارة والتعاون.
وهذا ما يفسر أيضاً الحضور العربي في النقاشات التي تشهدها هانغتشو.
فإلى جانب المعرض، اجتمعت شخصيات ومؤسسات عربية وصينية للبحث في مستقبل التعاون في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مع تركيز واضح على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع وشراكات عملية.
رئيس بعثة جامعة الدول العربية في بكين السفير أحمد مصطفى قال لـ" النهار" إن مشاركة الجامعة جاءت في إطار توجه الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، مشيرًا إلى أن الهدف هو البناء على هذه المشاركة من خلال فعاليات لاحقة يمكن أن تستفيد منها الدول العربية.
ويرى مصطفى أن الصين تتجه إلى توسيع قاعدتها التكنولوجية خارج حدودها، فيما تشكل المنطقة العربية مساحة جاذبة للتكنولوجيات الجديدة، ما يضع أمام الدول العربية فرصة للاستفادة من التطور الحاصل لدى مختلف الأطراف.
وبينما تتنافس بكين وواشنطن على موقع متقدم في عالم التكنولوجيا، تتسع في المقابل مساحة الدول والأسواق التي تبحث عن دور لها في هذه المرحلة الجديدة.
من هانغتشو، تبدو الرسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً تقنياً فقط، بل أصبح جزءاً من التجارة والاستثمار والعلاقات بين الدول.
وربما يكون "طريق الحرير الرقمي" هو التعبير الأوضح عن هذا التحول، حيث تنتقل التكنولوجيا والخبرات والاستثمارات عبر الحدود، لتفتح فصلًا جديداً في الاقتصاد العالمي.
نبض