الاقتصاد السعودي يستعد لانتعاش كبير في 2027 بعد عام استثنائي من تراجع النشاط النفطي
عندما اعتمدت الحكومة ميزانية العام 2026 أول الأمر، كانت التقديرات تشير إلى عجز بحدود 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، أي ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن التوقعات المحدثة التي تضمنها البيان التمهيدي لميزانية 2027 ترفع هذا الرقم إلى 245 مليار ريال (65.3 مليار دولار)، بما يعادل 4.9% من الناتج المحلي، أي زيادة قدرها نحو 80 مليار ريال (21.3 مليار دولار) عن المخطط له.
ولا يعود اتساع هذه الفجوة إلى تراجع في الإيرادات، بل على العكس، إذ ارتفعت الإيرادات المتوقعة من 1,147 مليار ريال (305.9 مليار دولار) إلى 1,190 مليار ريال (317.3 مليار دولار). غير أن النفقات ارتفعت بوتيرة أكبر، من 1,313 مليار ريال (350.1 مليار دولار) في الميزانية المعتمدة إلى 1,435 مليار ريال (382.7 مليار دولار) في التوقعات المحدثة، أي بزيادة تفوق زيادة الإيرادات بنحو 79 مليار ريال (21.1 مليار دولار)، وهو ما يفسر اتساع العجز. ولا يوضح البيان المتاح الأسباب التفصيلية لهذا الارتفاع في الإنفاق عن المخطط له.
لماذا تراجع الاقتصاد في 2026؟
يعود هذا الاتساع في العجز بشكل مباشر إلى ما تعرض له القطاع النفطي من اضطرابات خلال العام. فبحسب الوزارة، من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تراجعا بنسبة 3.6% خلال 2026، نتيجة انكماش حاد في الأنشطة النفطية بلغ 21.8%. ويتسق هذا مع تراجع متوسط إمدادات المملكة من النفط الخام إلى نحو 7.9 مليون برميل يوميا منذ بداية العام حتى آب/أغسطس، مقارنة بـ9.2 مليون برميل يوميا في الفترة نفسها من 2025.
في المقابل، أظهر القطاع غير النفطي صمودا لافتا، إذ نما بنسبة 3.2% خلال العام نفسه، وبلغت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي مستوى قياسيا عند 57.3% خلال النصف الأول من 2026، وهو ما يفسر، بحسب الوزارة، احتواء جزء كبير من أثر التراجع النفطي على الاقتصاد ككل.
القفزة المرتقبة في 2027: ماذا تقول الأرقام؟
ومن أبرز الأرقام في بيان الميزانية كان توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12.8% في 2027، أي قفزة حادة مقارنة بالانكماش المسجل في 2026.
ويأتي ذلك مصحوبا بنمو اسمي للناتج المحلي بنسبة 7.6%، ليصل حجم الاقتصاد الاسمي إلى 5,358 مليار ريال (1,428.8 مليار دولار). وتشير القراءة الأولية لهذه الأرقام إلى أن الانتعاش المرتقب مرتبط إلى حد كبير بأثر القاعدة الإحصائية المنخفضة الناتجة عن التراجع الحاد في الإنتاج النفطي خلال 2026، أي أن المقارنة تكون مع عام استثنائي متراجع، لا أن الاقتصاد يحقق بالضرورة طفرة إنتاجية مضاعفة. ومع ذلك، لا يوضح البيان المتاح آلية هذا الاحتساب بالتفصيل، وهي نقطة تحتاج إلى توضيح رسمي إضافي.
وبعد هذه القفزة، تشير التقديرات إلى عودة معدلات النمو إلى مستويات أكثر اعتدالا، عند 3.9% في 2028 و5.7% في 2029، في مسار يعكس، بحسب الوزارة، استمرار الاعتماد المتنامي على الأنشطة غير النفطية.
عجز مستمر وحاجة تمويل متواصلة
تؤكد الوزارة أن سياسة الاقتراض ستستمر عبر الأسواق المحلية والدولية لتغطية الاحتياجات التمويلية، مع توسع في أدوات بديلة كتمويل المشاريع والبنى التحتية. وقد حافظت المملكة، رغم اتساع العجز، على تصنيفها الائتماني، إذ أبقت وكالتا "ستاندرد آند بورز" و"فيتش" تصنيفها عند +A، بينما أكدت "موديز" تصنيفها عند Aa3، وهو ما تصفه الوزارة بمؤشر على ثقة الأسواق بالمركز المالي للمملكة.
نبض