البنزين "يتبخر" من سيارات اللبنانيين... فهل المشكلة في النوعية أو في الأسعار؟
ليس مستغرباً أن تتزايد شكاوى اللبنانيين من سرعة نفاد البنزين من خزانات سياراتهم، فيما باتت كلفة التنقل تستنزف جزءاً ملموساً من دخل الموظف. فصفيحة البنزين 95 أوكتان تبلغ نحو 2.845 مليوني ليرة، ما يعني أن استهلاك صفيحة واحدة أسبوعياً يكلف الموظف نحو 12.3 مليون ليرة شهريا، أي قرابة 138 دولاراً، وفق سعر الصرف الرسمي. وبالنسبة إلى موظف يتقاضى الحد الأدنى للأجر البالغ 28 مليون ليرة، تستهلك كلفة البنزين وحدها نحو 44% من راتبه، حتى قبل احتساب كلفة صيانة السيارة وسائر أعباء التنقل.
وفي خضم هذه الضغوط، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن بنزين مستورد لا يتجاوز مستوى الـ60 أو 65 أوكتان، مع تساؤلات عن كيفية دخوله السوق ومدى مطابقته المواصفات، وما إذا كانت الفحوص التي يخضع لها تكشف فعلاً نوعيته، فضلاً عن علامات استفهام حول الفارق بين كلفة بنزين بهذه المواصفات وسعر الـ95 أوكتان، ومن المستفيد من هذه الفروق؟
عينات عشوائية
إزاء هذه المعلومات، بادرت مصلحة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة إلى أخذ عينات عشوائية من عدد من محطات المحروقات للتأكد من مطابقتها المواصفات، على أن تكشف نتائج الفحوص ما إذا كانت الادعاءات المتداولة حول نوعية البنزين تستند إلى معطيات مخبرية فعلية.
وبحسب أوساط وزارة الطاقة والمياه، فإن الدراسة المشار إليها تستدعي التحقق من مصدرها، ولا سيما أن الجامعة الأميركية في بيروت تنشر دراساتها عادة عبر مواقعها أو منصاتها الرسمية. وأوضحت المصادر أن مسؤولية وزارة الطاقة تتعلق بالمحروقات منذ استيرادها ووصولها إلى خزانات الشركات، فيما تتولى وزارة الاقتصاد والتجارة، من خلال مديرية حماية المستهلك، عمليات الرقابة وأخذ العينات من المحطات بعد وصول المحروقات إلى السوق.
وأشارت إلى أن فرق حماية المستهلك، بالتعاون مع أمن الدولة، تنفذ عمليات تفتيش وأخذ عينات من المحطات، وتاليا فإن أي نتائج أو معطيات تتعلق بهذه الفحوص يفترض أن تصدر عن وزارة الاقتصاد.
وفي انتظار صدور نتائج العينات التي أخذتها مصلحة حماية المستهلك، يبقى الحديث عن وجود بنزين بمواصفات 60 أو 65 أوكتان في السوق اللبنانية ضمن المعلومات المتداولة التي تحتاج إلى إثبات مخبري، ولا يمكن التعامل معها على أنها حقيقة قبل صدور النتائج الرسمية.
ما سبب تبخّر البنزين؟
في حين تربط المعلومات المتداولة بين نوعية البنزين وسرعة انخفاض مستوى الوقود في الخزانات، يوضح ممثل موزعي المحروقات جورج البراكس لـ"النهار" أن الرواية تحتاج إلى التدقيق قبل البناء عليها، سواء لجهة المصطلحات المستخدمة أو لجهة نتائج الفحوص المخبرية المفترضة.
ويشير إلى أن الحديث يدور عن البنزين وليس الفيول، كما أن القول إن البنزين "لا يتعدى 60 أو 65 أوكتان" لا يشكل نتيجة فحص مخبري دقيقة. فالفحص، إذا أُجري، يفترض أن يعطي رقما محددا لمستوى الأوكتان، سواء كان 60 أو 63 أو 64 أو 65، وليس نطاقاً عاماً بين رقمين.

أما الربط بين انخفاض مستوى البنزين في الخزان وانخفاض رقم الأوكتان، فيرى البراكس أنه غير صحيح. ويشرح أن ارتفاع رقم الأوكتان لا يعني أن البنزين يتبخر ببطء أكبر، بل إن أنواعا ذات رقم أوكتان أعلى قد تكون أكثر قابلية للتبخر، مشيراً إلى أن البنزين "السوبر" يتبخر أسرع من الـ95 أوكتان، فيما يتبخر وقود الطائرات بدرجة أكبر . وتالياً، فإن ملاحظة السائق أن مستوى البنزين في الخزان ينخفض بسرعة لا تكفي بذاتها للاستنتاج أن الوقود من نوعية منخفضة أو أنه لا يتوافق مع المواصفات المطلوبة.

المشكلة في الخزان أو في السعر؟
يقارب البراكس الموضوع في إطار مختلف، رابطاً إياه بصورة أساسية بالقدرة الشرائية. فالسائق الذي كان يخصص 30 دولاراً لملء خزان سيارته كان يحصل سابقاً على كمية أكبر بكثير من البنزين تكفيه لفترة أطول. أما اليوم، فالمبلغ نفسه يشتري كمية أقل، فيما يبقى استهلاك السيارة وعدد الكيلومترات التي يجتازها قريباً من السابق.
لذا يصبح الإحساس بأن البنزين ينفد بسرعة نتيجة طبيعية لارتفاع الكلفة مقارنة بالدخل، وليس بالضرورة دليلا على تبخر الوقود أو تدني مستوى الأوكتان.
وتأتي هذه النقاشات تزامنا مع ارتفاع أسعار البنزين محلياً خلال أيلول. ففي 22 أيلول، بلغ سعر صفيحة 95 أوكتان 2.834 مليوني ليرة، قبل أن يرتفع مجددا في 25 أيلول إلى 2.845 مليونين، فيما بلغ سعر صفيحة 98 أوكتان 2.866 مليونين في التسعيرة الأخيرة.
وأمام ما قدمه البراكس من توضيحات، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لا يتعلق فقط بما إذا كان البنزين ينفد أسرع من الخزان، بل أيضاً بكمية البنزين التي يستطيع اللبناني شراءها بالمبلغ نفسه. أما ما يتم تداوله عن وجود بنزين بمواصفات 60 أو 65 أوكتان في السوق اللبنانية، فيبقى في حاجة إلى نتائج فحوص مخبرية موثقة قبل تحويله إلى حقيقة أو بناء اتهامات على أساسه.
نبض