عام التحولات في الأسواق: كاتيا خير ترسم ملامح التداول في 2026 وما بعده
كاتيا خير، الرئيسة التنفيذية لـ CFI لبنان، تتحدث عن التحولات التي تعيد رسم ملامح الأسواق المالية، وأهمية إدارة المخاطر، وما ينتظر المتداولين مع اقتراب عام 2027.
شهدت الأسواق المالية في عام 2026 تحولات متسارعة فرضتها التطورات الجيوسياسية، والتغيرات في أسواق الطاقة، وتبدّل التوقعات بشأن أسعار الفائدة، إلى جانب تفاوت أداء الاقتصادات في المنطقة. ولم تعد هذه التطورات تؤثر فقط في اتجاهات الأسواق، بل غيّرت أيضاً الطريقة التي يتعامل بها المستثمرون والمتداولون معها. وفي ظل التحركات السريعة للأسعار، باتت القدرة على قراءة المشهد الاقتصادي الأوسع، وسرعة اتخاذ القرار، وإدارة المخاطر، عوامل أساسية في التعامل مع الأسواق.
س: شهدت الأسواق هذا العام حساسية كبيرة تجاه تطورات الطاقة والجغرافيا السياسية. إلى أي مدى أصبح النفط محركاً أساسياً للأسواق؟
ج: لطالما كان النفط مؤشراً اقتصادياً مهماً، ولا سيما بالنسبة إلى اقتصادات المنطقة، لكن تأثيره في 2026 بات أوسع بكثير. فأي تغير كبير في أسعار الطاقة يمكن أن ينتقل بسرعة إلى توقعات التضخم، وأسعار الفائدة، وأسواق العملات والأسهم، وبالتالي أصبح النفط جزءاً من الصورة الاقتصادية والمالية ككل، وليس مجرد سوق منفصلة يتابعها المتداولون.
وقد أظهرت التطورات التي شهدناها هذا العام مدى هشاشة سلاسل إمداد الطاقة العالمية أمام التوترات الجيوسياسية. وفي الوقت نفسه، أشارت توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى تراجع ملحوظ في الإمدادات العالمية من النفط خلال 2026، بالتزامن مع خفض توقعات الطلب أيضاً. ومع تراجع المخزونات، أصبحت الأسواق أكثر عرضة لتحركات حادة عند حدوث أي اضطراب إضافي في الإمدادات.
لذلك، لا يمكن للمتداول أن ينظر إلى النفط بمعزل عن بقية الأسواق. فارتفاع أسعار الطاقة، مثلاً، قد يعيد رسم توقعات التضخم، ويؤثر في العملات والأسهم، ويغيّر حسابات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة. وبالتالي، السؤال الأهم ليس فقط إلى أين سيتجه النفط، بل ماذا تخبرنا حركته عن التضخم والنمو والسيولة والسياسة النقدية.
س: هل تجعل هذه البيئة المتقلبة التداول أكثر خطورة، أم أنها تفتح في المقابل فرصاً جديدة؟
ج: التقلبات تحمل الأمرين معاً. فهي ترفع مستوى المخاطر، لكنها في الوقت نفسه تخلق فرصاً للمتداول الذي يمتلك الأدوات المناسبة ويعرف كيف يتعامل معها. الفارق يكمن في أن تكون مستعداً للتقلب، لا أن تفاجئك حركة السوق.
خلال 2026، شهدنا ردود فعل سريعة في الأسواق تجاه البيانات الاقتصادية، وتوقعات البنوك المركزية، والتطورات الجيوسياسية. وهذا جعل بعض القواعد التي اعتدنا الاعتماد عليها، وخصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة بين الأسواق وحركة الأصول المختلفة، أقل ثباتاً من السابق.
بالنسبة إلى المتداول المحترف، يمكن أن تتحول التحركات السريعة في الأسعار إلى فرص، لكن النجاح لا يرتبط بمحاولة توقع الحركة التالية بدقة. الأهم هو امتلاك خطة واضحة تحدد متى تدخل الصفقة ومتى تخرج منها، والقدرة على تعديلها عندما تتغير ظروف السوق.
وهنا تلعب التكنولوجيا دوراً مهماً. فسرعة تنفيذ الأوامر، وتوافر أدوات التداول عبر أسواق متعددة، والأسعار التنافسية، والوصول إلى المعلومات في الوقت المناسب، كلها عوامل يمكن أن تحدث فرقاً عندما تتحرك الأسواق بسرعة. لكن التكنولوجيا تبقى أداة مساعدة. فإذا لم تكن هناك استراتيجية واضحة وانضباط في اتخاذ القرار، فإن السرعة قد تجعل الخطأ يحدث بسرعة أكبر لا أكثر.

س: أشرتِ إلى أهمية الانضباط. هل تلاحظين تحولاً من التداول القائم على المضاربة إلى نهج أكثر تنظيماً؟
ج: بالتأكيد. البيئة الحالية أصبحت أقل تسامحاً مع التداول العشوائي. مع ارتفاع كلفة التمويل وتغير التقييمات وزيادة حالة عدم اليقين، أصبح المتداولون أكثر حرصاً على إدارة المخاطر قبل الدخول في أي صفقة. وهذا يعني تحديد مستوى المخاطرة المقبول قبل الدخول في الصفقة، ووضع مستويات مناسبة لوقف الخسارة، والتعامل بحذر مع الرافعة المالية ومتطلبات الهامش.
لكن المسألة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل أيضاً بالسلوك. المتداول الناجح ليس من يحقق الربح في كل صفقة، فهذا غير واقعي، بل من يعرف كيف يحد من خسارته عندما يكون قراره خاطئاً ويحافظ على قدرته على الاستفادة من الفرصة التالية.
وهنا تبرز أهمية التثقيف المالي. في CFI، نولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً من خلال CFI Academyلأن امتلاك المعرفة يساعد المتداول على فهم السوق واتخاذ قراراته باستقلالية ومسؤولية أكبر.
س: كيف تغير هذه التطورات الطريقة التي ينبغي أن ينظر بها المتداولون إلى أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
ج: من أكثر الأخطاء شيوعاً الاستمرار في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كسوق واحدة. أحداث 2026 أظهرت بوضوح حجم الاختلاف بين اقتصادات المنطقة، سواء لناحية بنيتها الاقتصادية أو مصادر قوتها أو مكامن ضعفها.
والفوارق في الأداء أصبحت أكثر وضوحاً. وتشير توقعات حديثة لـBMI إلى انكماش كبير في المنطقة خلال 2026، لكن تأثير الصدمات ليس متساوياً بين دولة وأخرى. فالاقتصادات الأكثر تعرضاً لاضطرابات ممرات الطاقة تواجه ضغوطاً أكبر، في حين تتمتع الأسواق التي لديها بدائل في مسارات التصدير أو قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات.
وتوضح عُمان، على سبيل المثال، كيف يمكن للبنية التحتية والموقع الجغرافي أن يؤثرا في قدرة الاقتصاد على الصمود، فيما تظهر اقتصادات في شمال أفريقيا، مثل مصر، كيف يمكن للطلب المحلي وتنويع مصادر النمو أن يشكلا عامل حماية في مواجهة الصدمات الخارجية.
بالنسبة إلى المتداولين، يعني ذلك أن التعامل مع المنطقة يتطلب انتقائية أكبر. فبدلاً من الاعتماد على قراءة عامة للسوق، ينبغي النظر إلى المحركات الاقتصادية الخاصة بكل دولة، ومصادر المخاطر فيها، والعوامل التي يمكن أن تشكل محفزاً لتحرك السوق. الفرص في أسواق المنطقة لم تختفِ، لكنها أصبحت أكثر تفاوتاً من سوق إلى أخرى، ما يجعل فهم الخصائص المحلية وإدارة المخاطر بطريقة مدروسة أكثر أهمية.
س: هل أصبح التداول على وقع الأحداث جزءاً دائماً من المشهد؟
ج: بالتأكيد. الأسواق لطالما تفاعلت مع الأحداث الكبرى، لكن سرعة وصول المعلومات إلى المستثمرين وانعكاسها على الأسعار غيّرت طبيعة هذا النوع من التداول. فالتطورات الجيوسياسية، والانتخابات، والقرارات الحكومية، واجتماعات البنوك المركزية، والبيانات الاقتصادية غير المتوقعة، يمكن أن تؤدي اليوم إلى إعادة تسعير سريعة عبر أكثر من سوق في الوقت نفسه. وهذا يتطلب من المتداول أن يفكر بالسيناريوهات والاحتمالات، لا أن يعتمد فقط على ما حدث في الماضي.
وفي موازاة ذلك، تتطور البنية التحتية للأسواق نفسها، مع تسارع عمليات التسوية، وتوسع المنصات الرقمية، وإتاحة الوصول إلى الأسواق بشكل أكثر استمرارية. وهذه كلها مؤشرات على تحول أوسع في طريقة عمل الأسواق المالية.
لكن هذا لا يعني أن كل خبر أو حدث يستدعي الدخول في صفقة. على العكس، كلما ازدادت سرعة الأسواق، ازدادت أهمية فهم الحدث وتقدير تأثيره المحتمل وتحديد مستوى المخاطرة قبل اتخاذ القرار. والاتجاه الذي نراه اليوم يعكس تحولاً أوسع: الأسواق أصبحت أسرع وأكثر ترابطاً، كما أصبحت أكثر حساسية للمعلومات والأحداث وأسرع تأثراً بها.
س: مع اقتراب عام 2027، ما الذي تعتبرينه تحولاً هيكلياً في الأسواق، وما الذي قد يكون مجرد انعكاس للظروف الحالية؟
ج: جزء من التقلبات التي نشهدها اليوم مرتبط بالظروف الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة، ومن الطبيعي أن تهدأ بعض هذه الضغوط مع تغير الظروف. لكن في المقابل، هناك تحولات أعمق في طريقة التداول والعمل داخل الأسواق، وهذه لن تختفي بانتهاء عام 2026.
الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، والحاجة إلى تنفيذ أسرع، وتطور البنية التحتية المالية الرقمية، والتركيز الأكبر على إدارة المخاطر، كلها اتجاهات تتجاوز الظروف الحالية. إنها جزء من تطور طويل الأمد في الأسواق المالية. كما نشهد تحولاً في بنية الأسواق المالية الإقليمية، وخصوصاً في الخليج، حيث تؤدي الاستثمارات في البنية التحتية المالية، والتمويل الرقمي، وأسواق رأس المال إلى بناء منظومات مالية أكثر تطوراً وتعقيداً.
وبالنسبة إلى المتداولين، فإن المرحلة المقبلة لن تقتصر على البحث عن الأصول الأكثر جاذبية. سيكون من الضروري فهم حركة السيولة، وكيف تنتقل التطورات الاقتصادية من سوق إلى أخرى، وكيف تغير التكنولوجيا طريقة الوصول إلى الأسواق والتعامل معها. إذا أردت تلخيص درس 2026، فهو أن القدرة على التكيّف أصبحت عنصراً أساسياً في التداول. أما درس 2027، فهو أن التكيّف وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون مدعوماً بالانضباط.
المستثمرون والمتداولون الأكثر قدرة على التعامل مع المرحلة المقبلة سيكونون أولئك القادرين على التمييز بين الضجيج والتغيرات الحقيقية، وإدارة المخاطر قبل البحث عن الفرص، والتكيف مع المستجدات من دون التخلي عن استراتيجيتهم.
س: في نهاية المطاف، ماذا تعني هذه التحولات للمستثمرين والمتداولين في العام المقبل؟
ج: الأسواق أصبحت أقل تسامحاً مع الافتراضات الجاهزة، وأكثر مكافأة لمن يستعد جيداً. ستظهر دائماً مواضيع جديدة، وتقنيات جديدة، ومصادر جديدة للتقلب. لكن ما يبقى ثابتاً هو ضرورة فهم العوامل التي تقف وراء تحركات الأسعار، وامتلاك منهج واضح للتعامل معها.
بالنسبة إلى المستثمرين والمتداولين الذين يدخلون عام 2027، أعتقد أن هناك ثلاثة أمور أساسية يجب التركيز عليها: فهم البيئة الاقتصادية الكلية، والانضباط في إدارة المخاطر، والقدرة على التكيف مع تغير الظروف. الهدف ليس أن نتوقع كل حركة في السوق. فهذا ببساطة غير ممكن. الهدف هو بناء المعرفة والأدوات والانضباط الذي يمكّننا من التعامل مع السوق عندما يتحرك.
وهذا، في نهاية المطاف، هو ما يتطلبه التداول الحديث: ليس اليقين، بل القدرة على التكيف واتخاذ القرار على أساس المعرفة.
نبذة عن كاتيا خير
تتولى كاتيا خير منصب الرئيسة التنفيذية لـCFI لبنان، مستندة إلى أكثر من عقدين من الخبرة داخل المجموعة وإلى مسيرة مهنية شملت العمليات والرقابة المالية وإدارة المخاطر قبل توليها منصبها الحالي. وقد انضمت إلى CFI عام 2004، وتدرجت في عدد من المناصب الإدارية، ما أتاح لها فهماً متكاملاً لعمل المؤسسات المالية وآليات إدارة المخاطر والتحديات المرتبطة بتغير ظروف الأسواق.
كاتيا خير هي الرئيسة التنفيذية لشركة CFI لبنان، وانضمت إلى الشركة عام 2004، حيث تولّت مناصب قيادية في مجالات العمليات، والرقابة المالية، وإدارة المخاطر. كما تشغل منصب رئيسة لجنة تكنولوجيا المعلومات في CFI، وتتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عقدين في قطاعات الخدمات المالية، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟
نبض