هل كسب الاقتصاد الروسي من الحرب على إيران؟
استفادت روسيا من الحرب على إيران بارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة الطلب الآسيوي، لكنها تواجه تحديات اقتصادية رغم المكاسب الجيو-اقتصادية.
بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لم تكن روسيا طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنها وجدت نفسها أمام واحدة من أكبر "الهدايا الجيو-اقتصادية" التي يمكن أن تقدمها أزمة في الشرق الأوسط لدولة مصدّرة للطاقة: اضطراب الإمدادات النفطية، ارتفاع أسعار النفط والغاز، اتساع الطلب الآسيوي على الخام الروسي، وتراجع – ولو جزئياً – أثر الحسومات والعقوبات التي خنقت عائدات موسكو منذ بداية حرب أوكرانيا.
لكن الصورة ليست انتصاراً روسياً كاملاً. فروسيا ربحت من سعر الحرب أكثر مما ربحت من اقتصادها نفسه.
هرمز يملأ خزائن موسكو
كان مفتاح المكسب الروسي في مضيق هرمز. اضطراب الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية أعاد تسعير المخاطر في أسواق النفط، ودفع المستوردين، ولا سيما في آسيا، إلى تنويع مصادر الإمداد بعيداً عن الخليج.
وبحسب تقديرات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف CREA، أضاف ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن أزمة هرمز نحو 35.9 مليار دولار إلى قيمة صادرات روسيا البحرية من الوقود الأحفوري خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، مقارنة بما كان متوقعاً قبل اندلاعها.
لم تحتج موسكو إلى ضخ برميل إضافي حتى تربح. كان يكفي أن يصبح البرميل نفسه أغلى. في آب/أغسطس، ارتفع متوسط سعر خام الأورال الروسي بنحو 23% خلال شهر واحد إلى حوالى 69.9 دولاراً للبرميل. ومع اشتداد أزمة الإمدادات، ارتفعت أسعار الخامات الروسية الموجهة إلى آسيا بصورة أكبر، فيما ازداد إقبال المشترين الصينيين عليها.
أصبح النفط الروسي، الذي كان يباع بحسومات كبيرة بسبب العقوبات الغربية، أكثر قدرة على المنافسة في سوق تخشى نقص البراميل أكثر مما تخشى مصدرها.
الصين تعيد فتح الباب الروسي
التحول الأهم حصل في آسيا: ارتفعت حصة النفط الروسي من واردات الصين البحرية إلى نحو 23% في آب/أغسطس، مقابل 9% قبل عام.
هذه القفزة لها معنى يتجاوز حجم المبيعات. فكلما أصبح الخام الروسي أكثر أهمية للصين والهند وغيرهما من المشترين، ازدادت قدرة موسكو على تقليص الحسومات التي اضطرت إليها بعد فرض سقف الأسعار والعقوبات الغربية.
وهنا تحديداً تحولت حرب إيران إلى أداة غير مباشرة لتخفيف جزء من ضغط العقوبات على روسيا.
حتى الولايات المتحدة اضطرت، تحت ضغط ارتفاع الأسعار، إلى إبداء مرونة مؤقتة تجاه بعض البراميل الروسية الموجودة في البحر، في مؤشر إلى أن أمن الإمدادات العالمي قد يتقدم أحياناً على منطق العقوبات.

الغاز والأسمدة... الجبهة الثانية للربح
لم يقتصر المكسب على النفط. ففي آب/أغسطس، ارتفعت إيرادات روسيا من الغاز الطبيعي المسال 18% على أساس شهري، كما صعدت إيرادات غاز الأنابيب بنحو 25%. ارتفاع الأسعار عوض جزءاً من خسارة الأحجام، وذكّر أوروبا بأن سوق الغاز لا تزال شديدة الحساسية لأي أزمة كبيرة في الشرق الأوسط.
وفي سوق الأسمدة، كانت الاستفادة أكثر وضوحاً. فمضيق هرمز ممر أساسي لتجارة الأسمدة العالمية، واضطراب الإمدادات دفع أسعار اليوريا من نحو 400 دولار للطن إلى أكثر من 850 دولاراً في ذروة الأزمة.
وبحسب تقديرات نشرتها وزارة الاقتصاد الروسية، حققت الشركات الروسية مئات ملايين الدولارات من العائدات الإضافية من صادرات اليوريا خلال الأشهر الأولى للحرب.
لكن روسيا لم تتحول إلى اقتصاد مزدهر، وهنا تبدأ المفارقة الروسية. فعلى الرغم من مكاسب النفط والغاز، بقيت المالية العامة تحت ضغط شديد. خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، تراجعت إيرادات النفط والغاز في الموازنة الروسية بنحو 16.7% على أساس سنوي إلى حوالى 5 تريليونات روبل، بينما اقترب العجز الفيدرالي من 5.8 تريليونات روبل.
السبب أن روسيا لا تواجه فقط أسعاراً عالمية، بل اقتصاد حرب كامل: إنفاق عسكري ضخم، عقوبات مالية وتكنولوجية، كلفة مرتفعة للتمويل، نقص في العمالة، وضربات متكررة للبنية التحتية النفطية.
خلاصة القول
استفادت روسيا من الحرب على إيران، وبصورة ملموسة. ربحت من ارتفاع سعر البرميل، من تعطّل منافسيها الخليجيين، من زيادة اعتماد الصين على نفطها، ومن صعود أسعار الغاز والأسمدة.
لكن ما حصل هو ريع جيوسياسي استثنائي، لا نهضة اقتصادية: منحت الحرب على إيران موسكو نافذة مالية ووقتاً إضافياً لمواجهة العقوبات؛ لكنها لم تحل المشكلات البنيوية للاقتصاد الروسي. روسيا لا تحتاج اليوم إلى حرب جديدة كي تنتج أكثر، بل إلى استمرار الحروب كي يبقى ما تنتجه أغلى. هذه، في حد ذاتها، واحدة من أكثر مفارقات اقتصاد الحروب قسوة.
نبض